جرن حنطة

هكذا فسّروا العلمانية..!

عبد القادر العبيد

العلمانية بالمفهوم العام والمطلق لها تعني «فصل الدين عن الدولة». ولكي نفهم معنى هذه الجملة. علينا أولاً أن نُفسّر معنى كلمة «دولة». لأنّ من يُعادون العلمانية لا يعرفون ماذا تعني كلمة «دولة» ولو كانوا يفهمونها فعلاً لما هاجموا العلمانية من الأساس.
فـكلمة «دولة» تختلف تماماً عن كلمة «نظام» إذ أنّ الدولة هي المؤسسات، أي الدوائر الحكومية كالكهرباء والماء والاتصالات..الخ. والنّظام هو نظام الحُكم الذي يقود تلك المؤسسات. يعني النّظام المُنتخب من قبل الشعب بغض النظر عن اديولوجيته إن كانت إسلامية أو مسيحية أو حتى بوذية. فقد ينتخب الشعب رئيساً مسلماً متشدداً ليقود مؤسسات الدولة. أو رئيساً ليبرالياً فيقود أيضاً هذه المؤسسات. فالعلمانية لم تقل بفصل الدين عن النظام، بل قالت بفصل الدين عن الدولة أي عن المؤسّسات. ويُؤسفني حقّاً عندما يخرج عالم دين لحيته تصل إلى سرّته ويظهر للناس على أنه عالماً وعرّافة، ويبدأ بتكفير العلمانيين. وينسى أنه بذلك التكفير قد كفّر الرسول نفسه وكفّر الصحابة أنفسهم وكلّ الخلفاء الراشدين ومن توالوا بعدهم. ولو عدنا لهذا العالم لوجدناه يُكفّر نفسه أيضاً. فلو طرحنا عليه سؤال بسيط وقلنا له: لو كان من يعيش في ظل هذه الدولة مسيحيون ويهود ومن كل الأديان، فهل تمنعهم من حق التعلم أو التدريس أو العمل. فسيجيبك لا لن أمنعهم بكل تأكيد، ولكنّي أريد رئيساً مسلماً فنعود بذلك إلى النقطة الأولى، أي أنه يريد نظاماً إسلامياً وليس دولة إسلامية. وهذا يدفعي للقول إذا كان هذا العرّافة المُدعي لا يُفرّق بين كلمة دولة ونظام فلماذا يُسمّي نفسه عالماً؟ ولماذا يُكفّر العلمانية وهو نفسه علماني ويكفّر نفسه. ولو عدنا إلى التاريخ. لوجدنا أن معظم خلفاء المسلمين كانوا يوظفون رهبان مسيحيين في بلاطة القصر كمستشارين للخليفة، فهل هؤلاء الخلفاء كفّار؟ فإذا كان خلفاء المسلمين كفّاراً فعن أي دولة إسلامية يتحدثون؟.
أما إذا عُدنا إلى بعض الشخصيات التي نراها في المعارضة السورية، والذين يهاجمون الإسلام ويكفرون بالله ثمّ ينسبون أنفسهم إلى الفكر العلماني فهؤلاء ليسوا علمانيين أساساً، بل هم ملحدين. وهناك فرق كبير بين الإلحاد والعلمانية، فالعلمانية هي أن تحترم كل الأديان، هي أن تكون عادلاً بين جميع الناس بغض النظر عن دين كلّ شخص، فالعدل من صفات الله ومن يخرج عن ذلك فهو يتناقض مع ما أمر الله به. وإذا ما أردت اختصار تعريف العلمانية بكلمة واحدة فالعلمانية تعني «العدل». وكلمة عدل تكررت في القرآن وفي الأحاديث الشريفة عشرات المرات ومن يرفض كلمة العدل فهو يرفض الإسلام. ولم أجد عبر التاريخ من يُسيئ للإسلام وتعاليمه أكثر من الذين يدّعون أنهم علماء مسلمين، فهم يتناقضون مع أنفسهم في كل خطاباتهم، وبذلك ينطبق عليهم قول الله تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة البقرة-85).
هذا قول الله وهذا حكمه فيمن يدعون الدين ويكفّرون الآخرين ويريدون تفصيل الدين على مقاساتهم الضيقة فقط ولا يعلمون أن رحمة الله وسعت كل شيء، فهو يرزق حتى النمل في جحوره وما زال البعض يمنع الرزق عن الناس متذرعاً بدينه أو طائفته أو ملّته. ومشكلتنا الأعظم لا تتوقف عند فهم الدين فقط. وعند مفهوم كلمة دولة فحسب. بل هناك ما هو أهم. فهم يظنون أن العلمانية دينٌ وهنا خطأ آخر يجب تصحيحه. فالعلمانية هي فكر وليست ديناً، والدين لا يتعارض مع الفكر إطلاقاً وإلاّ لما خلق الله لنا العقول؟ لنفكر فيها أم لنجمدها ونقول لأصحاب العمائم كل ما تقولونه صحيح و أينما وجّهتمونا سنتجه؟.
فلو لم يأمرنا الله بالتفكر واستخدام العقل لما تطورت البشرية وتقدّمت إلى ما نشهده نحن اليوم. أما جملة «نريد دولة إسلامية» فأنني أعتقد جازماً أن أمريكا هي من دسّتها في أفكار البعض كي تجد ذريعةً للتدخل في بلادنا بحجة حماية حقوق الأقليات، فالأمريكان يفهمون معنى هذه الكلمة جيداً بعكس مدّعين المعرفة الذين لا يفهمون من السياسة سوى قشورها. فالدولة الإسلامية على زمن الرسول تختلف تماماً عن الدول التي نراها اليوم. فقد كانت دوائرها محدودة واعتمادها الأول والأخير على الجيش. لذا لم يكونوا بحاجة لإيجاد نظام حكم منعزل عن مؤسسات الدولة. فكان الخليفة هو قائد كل شيء لأنه أساساً لا يوجد مؤسسات سوى الجيش. أما اليوم فقد تغيّر كل شيء، وأصبحت أقلّ دولة فيها مؤسسات أكثر من عدد أفراد جيشها. فمن كان مُصممٌ على إقامة دولة إسلامية عليه أن يعلم أن الدولة تعني المؤسسات. لذا عليه أن يُميّز بين الحجر المسيحي والحجر المسلم فلا يجوز ذلك شرعاً لأن الجدران يجب أن تكون مُسلمة والاسمنت والحديد يجب أن يكونوا مسلمين أيضاً. وعليه ألاّ ينسى الأبواب والأقفال فكلها يجب أن تكون مسلمة وتسبّح بحمد ربها. لأنه إذا انوجدت لبنّة مسيحية أو يهودية قد تنهدم فجأة وتفتح ثغرة للأعداء.
في الختام أريد أن أوجه رسالة بسيطة لمن يدعون الفهم ويحاولون دك المفاهيم المغلوطة في عقول الآخرين، لأقول لهم بإختصار: عقولكم الضيّقة سبب في تأخّر البشرية.

حنطة36

برومو الشهيد ناجي الجرف