جرن حنطة

أعوامُ الموتْ.. بألوانٍ سورية

هيثم حسّو

يَستذكِر السوريون كُلّ يومٍ ما قدّمهُ أجدادهم في أوائل القرن العشرين منْ تضحياتٍ جِسامْ لأجل الحرية والإستقلال، فكان 17 نيسان من العام 1946 إحتفاءً كبيراً بالحرية وإستقلال البلاد من الإحتلال.
لكنَّ السوريين نَفسَهُمْ لمْ يعلموا وقتها ما قد خُبِئَ لهم أوائل القرن الواحد والعشرون، لمْ يعلموا أنّ أبنائهم وأحفادهم على موعدٍ آخرْ مع ثورةٍ أخرى لكنْ هذه المرة ضد الإستبداد والدكتاتورية، ثورةٌ لأجل الكرامة والحرية.
فكانت الصرخةُ الأولى في 15/ 3/ 2011، حيث هبتْ رياحُ الحرية من روحِ بوعزيزي من تونس. بدأ السوريون بتحطيم جُدران الخوف ليُسابقوا الزمنَ في سبيل استرداد كرامتهم المسلوبة وحريتهم المقيدة على مدار أربعة عقود في ثورةٍ عارمةٍ ضد نظامهِ، وكتبوا على صدورهم وخرجوا إلى الفضاء الطلقْ ينادون إمّا الحرية أو الحرية، لكنهم لم يكونوا على علمٍ بالمصير المجهولْ، ولم يكونوا على علمٍ أنّهم على موعدٍ مع الموت المحتّم. هُنا كانَ الحدِّ الفاصلْ لأعوام الموتْ.
بدأتْ آلة النظام السوري بالتحرك فوراً وعلى جميع الصعد لِوأدِ الثورةِ وبترِها من جذورها، حيث عمل على التصدي لهذه الثورة الشعبية المطالبة بالحرية بأبشع الأساليب من قتلٍ وإعتقالٍ وتدميرٍ ونهبٍ وسلبٍ وتهجير.
عَمَدَ النظام في بداية الأمر إلى القتل العشوائي ضِدَّ شعبه، ظناً منه إنه سَيوقِفُ ثورَتهُ، إلا أن السوريين أصرّوا على المستحيلِ لنيل الحرية، فبدأَ الشبابُ السوري بترتيب أوراقه وتشكيل مجموعاته الثورية الناشطة لأجل العمل المنظم في إدارة الثورة وإيصالها إلى برَّ الأمان يقيناً منهم أنّ ساعةُ الصفرِ في اندلاع المواجهة الأخطر في تاريخ الشعب السوري قدْ فُرِضَتْ وقدْ حانتْ، ممّا زادَ ذلك في شراسة النظام الذي عَمِل على ضخِّ عُملائهِ بشكلٍ كثيفٍ ضمن المجموعات الثورية الناشطة بهدف قتل النشطاء أو إيقاعِهم في فخِّ الاعتقال ومِنْ ثم تصفيتهم، إذ مضتْ السنة الأولى من الثورة السورية بحصيلةٍ موثقة عددُ ضحاياها أكثر من مئةٍ وخمسين ألف سوري بين شهيدٍ ومعتقلٍ وجريحٍ ومفقود، ناهيكَ عن أعدادٍ كبيرةٍ غيرِ موثقةٍ.
في بداية السنة الثانية لانطلاقة الثورة عَمِلَ النظام السوري على تكثيف حملات الاعتقال التعسفي وبشكل عشوائي ودون تمييزٍ بين طفلٍ أو شيخٍ أو إمرأةٍ، أو من كان ناشطاً أو غير ناشط، فقد كانت هذه الخطوة الثانية في كبحِ جماحِ الثورةِ وإطفاءِ نورِها، إلّا أنّ السوريين ورُغمَ الكِلفةِ اليوميةِ الباهظةِ في الأرواح والتضحيات لم يَرْضُوا إلاّ مواصلة المشوار الثوري القاهر لأجلِ الكرامةِ والحرية، فبدأَ الثوار بالانتقال إلى مرحلةٍ جديدة مِنْ العمل الثوري وهي البدءُ بعملية تحرير المناطق، نجحَ الثوار بتحرير الكثير من المناطق من سيطرة النظام، مدنٌ وقُرىً بكاملها وعلى مساحاتٍ جيدة في أراضي البلاد، ما زاد ذلك النظام أكثر شراسةً، إذ أصبح الثوار في مواجهةٍ جديدةٍ مِنْ نوعها مع آلة الأسد الفتاكة.
بدأَ النظامُ السوري بالتخطيطِ لتدميرِ أي مدينةٍ أو قريةٍ تخرج عن سيطرته وتصبح بيد الثوار، وقتلِ كُلِّ مَنْ فيها من مدنيين، واتَّبعَ في ذلك القصفُ الشديدُ بالطيران والبراميل المدمرة ظناً منهُ أنّ ذلك سَيوقِفُ عجلة الثورة التي طالبت بإسقاطهِ.
بعد اتِّباع هذا المنهج العسكري المدمر من قبل النظام، بدأ الثوار بإضفاءِ سياسةٍ جديدةٍ في عملهم الثوري وهو زرعُ عُملاءَ لهُمْ في قلبِ النظام، فكان النجاحُ لِبعض العمليات النوعية له أثراً كبيراً في تصدع النظام وارتباكه، وجعلِ دائرته الأمنية في مواجهة جديدة ومأزقٍ أكثر خطورة مع الثوار، وبعد أن أدرك النظام أن نجاحات الثوار أصبحت على وتيرةٍ سريعةٍ وكبيرةٍ على المستوى العسكري والسياسي والمدني، لجَأَ إلى تدمير البنية التحتية للمدنِ والمناطقِ التي كان يتقاسمها مع الثوار في السيطرة ومُحاصرَة الأهالي وتضييق الخِناقِ وتجويعِهِمْ وأيضاً زيادة وتيرة القتلْ، إلاّ أنّ صمودُ الثوارِ حالَ دون تحقيق نجاحاتٍ كبيرةٍ في هذا الأسلوب، ما دفع بالنظام السوري للانتقال إلى تطبيقِ أشرسَ الأساليب، وهو خَلقُ الإقتتال الطائفي في مجمل سورية وخاصةً في المناطق الساخنة، فكان عددُ الضحايا من الشهداء والمخطوفين والمفقودين والمهجرين نكسةً أُخرى في أعوام الثورة السورية.
رُغمَ كُلِّ هذه الممارسات الإجرامية من قِبَلِ النظام السوري، إلا أنّ الثوار حققوا نجاحاتٍ كبيرةٍ في الأعوام الثلاثة الأولى، في المقابل فَقَدَ النظامُ السوري الكثيرْ وخَسِرَ الكثيرْ سِواءً على المستوى الجغرافي أو على المستوى العسكري أوالسياسي والأمني.
فكانَ هذا الحَدَ الفاصِل لِتَوجُه النظام السوري إلى ارتكاب أكبر جريمةٍ بحق السوريين وهو إنشاءُ أخطرَ تنظيمٍ لمواجهة الثورة السورية، وهو» تنظيم الدولة الإسلامية» ليكون أشرسَ مجموعةٍ في محاربة الثوارِ والنُشطاءِ والمدنيين.
عَمِلَ التنظيمُ على جَعْلِ محافظة الرقة عاصمةً لانطلاقتها بعد أن تسلّمها مِنَ النظام السوري استلاماً، في هذه الخطوة، نجحَ النظام السوري في التخفيف من حِدّة تَقَدُمِ الثوار نحو دمشق العاصمة، والتخفيفِ منْ حِدّة الخِناقِ حول المُدنِ الخاضعةِ لسيطرته، وأيضاً فَصَلَتْ الثورةُ السورية جغرافياً ما بين المناطق الشمالية الشرقية من سورية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية واستفراده بالمناطق الجنوبية والداخلية والساحلية.
فيْ المناطق الشمالية الشرقية بدأ «تنظيم الدولة الإسلامية» بالعمل وِفْقَ منهجِ نظامِ الأسد، لكنْ تحتَ مظلة الدين، حيث عمل بدايةً في الرقة على تصفية النشطاء من قتلٍ واعتقالٍ وخطف، ومِنْ ثُم بدأَ بمحاربة المجموعات الثورية الناشطة في مجال العمل المدني الثوري، ثم انتقل إلى المواجهة العسكرية للمجموعات الثورية المسلحة وقتلِ أعدادٍ كبيرةٍ منهمْ، وبعد أن تمكنتْ من فرضِ سيطرتها غلى الرقة وما حولها، بدأتْ بالمَدّ التوسعي نَحوَ الشمال الشرقي حيث محافظة دير الزور ومحافظة الحسكة آخِذَةً في حُسبانِها تحقيق أمرَينْ، القضاءُ على الثورة في النصف الشمالي من سورية، ولتكون أيضاً السّد المنيعَ لِمنعِ تَقدُمِ الثوارِنحو دمشق. في الطرف المقابل إِستفادَ النظام السوري إلى جانب التخفيف من حِدّة نجاحات الثوار، وإِشغالُ المجتمع الدولي بما يسمى «تنظيم الدولة الإسلامية» والعملُ بشكلٍ إجراميٍ أكثر ضِدَ المدنيين والثوار ليصل عدد الضحايا التقريب من السوريين خلال الأعوام الأربعة إلى أكثر من 12 مليون سوري بين شهيدٍ وجريحٍ ومعتقلٍ ومفقودٍ ولاجئٍ ونازح.
وَيستمرُ النظام السوري كل يومْ في قتل الشعب السوري ليُسَجِلَ لكَ العدّادُ الرقمي أنّهُ في كلِّ أربعةِ دقائق يَعتقِلْ النظام مواطناً، وكلِّ 10 دقائق يجرحُ النظام مواطناً، وكلّ 15 دقيقة يقتُلْ النظامُ مواطناً، فَمَا الإحصائياتُ الإجماليةُ لشهداء الحرية في سورية على مدارِ أعوام الموتْ، وهَلْ رائِحةُ الدمِ السوري لَمْ تصِلْ بَعْدُ إلى القانون الدولي، أمْ أنَ المجتمع الدولي أصبح يَستنشِقُ الأوكسجينَ مِنْ القتال الدائر في سورية.

حنطة37

برومو الشهيد ناجي الجرف