رحى

سرقة النفط السوري بين الأمس واليوم

سعيد محمد

سابقاً قبل حوالي أكثر من سبع سنوات، طفت على السطح ظاهرة من الظواهر السلبية الكثيرة التي كانت تنخر مجتمعنا، ظاهرة التعدي على خطوط النفط، الواصلة ما بين مصفاة حمص ومحطة عدرا، والتي تمتد ضمن مسافة تقدر بـ 165 كم تمر عبرها الأنابيب وتقطع العديد من القرى، وهذه المنطقة عبارة عن مناطق صحراوية، وأهالي تلك المناطق أكثر الناس الذين يعلمون تضاريسه. إلاّ أن اللافت في المسألة أنه وعلى مدار سنوات، لم تجد الجهات المسؤولة من حكومة أو أجهزة أمنية في ردع ظاهرة التعدي على أنابيب النفط، وكان الموضوع يبقى دائماً ضد مجهول، وتحميل تبعات الأمر إلى المهربين.
قُدم آنذاك الكثير من الحلول لردع هذه السرقة الموصوفة في وضح النهار، وكان أبرزها المطالبة بتسيير طائرات بشكل يومي لمراقبة الخطوط. وقتها كانت الناس تعتقد أن الموضوع لا يتعدى مجموعة من اللصوص تحاول السرقة لأهداف مادية في حين كان حقيقة الأمر وباعتراف من كان على علم بالموضوع أن من يقف وراء هذه الظاهرة أشخاص على قدر كبير من المسؤولية، أبرموا اتفاق مع اللصوص الذين كانوا عبارة عن كومبارس يؤدون دوراً مناط بهم، بمتابعة سرقة مادتي المازوت والبنزين، مقابل حماية من أصحاب النفوذ.
وكانت جميع الكتب التي توجه من فرع محروقات المنطقة الجنوبية بريف دمشق وفرع حمص، تضع إداراتهم في صورة التعديات اليومية التي تحصل على خطي البنزين والمازوت من قبل عصابات كانت تثقب الخطوط وتسحب المادة. عبارة عن خطابات لا تتعدى قيمتها قيمة الحبر الذي كتب عليه، في حين كانت أسعار مادة المازوت في تلك الفترة تُعتبر أقل بكثير مقارنة مع أسعار دول الجوار وخاصة في لبنان الذي كان الوجهة الرئيسية للمهربين، المحميين من قبل أصحاب القرار الذين أطلقوا أيديهم في السرقة ضمن اتفاق أبرم مسبقاً، يكون ظاهره تصاريح خلبية تتركز على القضاء على هذه الظاهرة، في حين الحقيقة هي سرقة موصوفة من قبل المتقنفذين للنفط، بطريقة حضارية، تختلف عمّا يقوم به الآن “تنظيم الدولة الإسلامية” والجماعات الإسلامية الأخرى التي تسيطر على حقول النفط.
في السابق كان مسرح العمليات في المنطقة الوسطى واليوم بات مركز العمليات في المناطق الشرقية وخاصة في ريف مدينة دير الزور، التي أصبح ظاهرة انتشار لصوص النفط الخام أمراً واقعاً بقوة السلاح، مستغلين حاجة الناس في هذه الفترة من العام، كما أن جشع اللصوص لم يتوقف عند سرقة النفط، بل تعداه إلى نهب معدات وأجهزة الاستكشاف والحفر وأنابيب النقل الممتدة على مسافات كبيرة التي تقدر قيمتها ملايين الدولارات، والتي يقوم البعض ببيع تلك المعدات كنوع من الخردة، غير مكترثين أن هذه المعدات ملك للشعب، وإعادة الأعمار في سورية تتطلب تكاتف الجميع في المحافظة على ما تبقى من موارد، إلا أن هذا المنطق لا يتعدى من قدرة استيعاب عقلية اللصوصية التي تنتهجها تلك الجماعات وخاصة أن طمعها وصل بها الحد إلى إضرام النار في عدد من الأنابيب في حال لم يتوصلوا إلى اتفاق في تقاسم الغنائم، مطبقين شعار (إما لي أو لا أحد) وهو لا يختلف كثيراً عن شعار (الأسد أو لا أحد).
ما بين الأمس واليوم لا يوجد ذلك الاختلاف الجوهري في سرقة النفط، سوى الشكل، في السابق من كان يقوم بسرقة النفط لصوص نالوا الحماية من أصحاب القرار، ولكن بطريقة اكثر حضارية مقارنة مع ما يقوم به لصوص النفط حديثي الولادة.
إن الطريقة البدائية في عمليات تكرير النفط سببت انتشار الأمراض الخبيثة، وبدأت تظهر آثارها في الوقت الحالي، ورغم ذلك لم يمنع أهالي دير الزور بلهجتهم المحكية من التندر على خلفية ما يقوم به اللصوص، وتأليف أغنية مستوحاة من التراث العراقي تقول «ثورتنا ثورة تكرير درناها من بير لبير هي احنا سباع نشفنا الكاع، للشحيل نحن تعنينا عبينا الصهريج وجينا هي نحن سباع مشونا بساع» ورغم هزلية الأغنية، إلاّ أنها تعكس واقعاً حقيقياً لا يمكن الهرب منه من استباحة واستنزاف للاقتصاد الوطني.
تشابه كبير ما بين الأمس واليوم إلى حد كبير بهدف البقاء على الوضع الراهن والابتعاد قدر الإمكان عن أي حل، في السابق كانت الحلول جزئية وضحك على اللحى بتكليف حرس الحدود بمراقبة خطي المازوت والبنزين الممتدين من مصفاة حمص إلى المستودعات في عدرا، وهي حلول أثبتت عدم جدواها بدليل كان مع كل إجراء يتخذ، كان التهريب يزداد. أما حلول اليوم، فإنها لم تدخل حتى في إطارها الجزئي، بل اقتصر الأمر على تناحر بين القوى المتواجدة على الأرض في اقتسام الغنائم فيما بينها، بعيداً عن أي حلول قد تساهم في التقليل من استنزاف ثروات الوطن التي هي حق لكل مواطن سوري.
ووفق تقرير صادر عن «المركز الوطني السوري للتنافسية» 2013 أوضح إن احتياطي النفط السوري يقدر بنحو 2.5 بليون برميل يكفي لنحو 18 عاماً، بمعدل إنتاج يبلغ 377 ألف برميل يومياً.
ويشكل إنتاج النفط نحو 24 في المئة من الناتج الإجمالي لسورية و25 في المئة من عائدات الموازنة و40 في المئة من عائدات التصدير.

حنطة39

برومو الشهيد ناجي الجرف