خميرة

القنّاص / VII «روحكَ أوسعُ أن تلبسها رصاصة»

عباس علي موسى

نصّ بعنوان «القنّاص »، وهو يعُنى بفلسفة الرصاصة عن طريق الأدب، والقتل بعيني القنّاص الذي يقتلك أحياناً، وفي أحايين أخرى يقتل عدوّك، أو يصيرُ نافذةً على هذا العالم. هذا النص عبارة عن فاتحة لتجريد الطلقة من الرصاص، وحشوها بالحبر. هذا النص جزءٌ من نصوص عديدة تحمل العنوان ذاته، أريد أن أحيلها إلى القرّاء، حيث لم يعودوا قرّاءً فقط، إنهّم ثائرون. 

I
هل رأيتم قنّاصاً مسّه الجنون ذات مرة؟
كان صديقي إلى جواري يدخّن سيجارة حاجباً جمرها في حركة صوفية (كان مريدو الشيخ الخزنوي يدخنون بهذه الطريقة تواضعاً)، النسيمُ كان رطباً واستلّ جمرة السيجارة من أصابعه فتناثر.
وكأنما بجذبة صوفية أصابه القنّاص/ القاتل، وكأنني هو وقد قتلت صديقي، نشتركُ في امتهان القتلِ ونفصّل الكلمة على مقاساتنا.
ما هذه الحياة التي ندعّي بأننا
سنعمّرها بالقتل؟
قتلنا إلى الآن اثنين وعشرين رجلاً كان يعدّ الضحايا الذين أقتلهم.
طوال الليل كنتُ أهدهد له أغنيةً عن النجوم والشهادة وذرفتُ لأجله إحدى وعشرين دمعة.
إلى الآن وكلما أصبتُ أحدهم أذرفُ دمعة لأجل صديقي.
لمْ أعرف لمَ كان يجمع فوارغ الرصاص في جعبته؟! لكنّه لم يضع في جعبته فارغته. وضعت فوارغ الرصاص التي جمعها في جعبته على جسده حين دفنته شهيداً.
يُقتلُ صديقي فيُمسي إلى شهيدٍ
ويُصبح إلى معنى.
حين يعودَ المقاتلون إلى منازلهم، والشهداء إلى حياتنا مشتعلين كالقناديل وحين يغدو قتلاي إلى جحيمهم سأحملُ صليبَ قنّاصتي/صليبي وأقفُ في العراء وخلفي المدنُ المضاءةُ بغدي وأصلبُ نفسي وسأطلبُ من صديقي الذي كان يحصي قتلاي الصفح.
أنا الثالثُ والعشرون يا صديقي/ هي رصاصة النصر، وليطلق بعدها من يشاء إحدى وعشرين رصاصة.
II

حينما كنتُ صغيراً ككل الأطفال كنّا نحبُ ألعاب المسدسات، نقتلُ بعضنا وضحكاتنا تقتلُ الفراغ، نعودُ كلّنا إلى منازلنا دونَ أن يحتفلَ الموتى بوافد جديد يكسر رتابتهم.
لم أستطع يوماً أن أفصلَ رأس العصفور/الصيد، ولا بقْرَ ضفدعة، لذا صُدمَ صديقُ طفولتي إلى قنّاصتي أحملها لأزرعَ فيها الرصاصَ وأحصدَ بها ضحايايَ الأوغاد.
أتذكرُ حينَ جالسته كيف تحوّل كل شيء إلى معنى لديه، بعد حديثنا عن كلّ المفاهيم التي حدّثوني عنها، وأتذكرُ جيّداً حينَ وضعَ حذائه التي يجوبُ بها الشوارعَ الخائفة وكيف أنّه لبسَ
عقداً لناب ذئبٍ.
كلّما أزّت رصاصةٌ فوقَ قامتي/ قامته الشهيدة أقولُ «ها هنا نحنُ راقدون إلى سلامٍ بانتظار الغد».

حنطة44

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف