خميرة

أصنص شبيح 2

مضر عدس

اليوم هو اليوم السادس قبل الأخير للمكافأة التي منحني إياها المعلم بعد إنجازي المهم
الذي قمت به يوم الإنفجار.
طوال الفترة السابقة كنت أبقى نائماً للساعة الواحدة ظهراً، أستيقظ على مهل وأبقى مرتدياً ثياب النوم للساعة الخامسة من دون أن أفعل أي شيء.
في السادسة مساءً أخرج لأستنشق الهواء، أمدد جسدي و أمارس بعض الحركات
الرياضية.
منذ أن وضعت وشم صورة رأس المعلم الكبير وأنا أحاول أن أبقي حجم عضلات يدي اليمنى كما هي، ففي الحقيقة أخشى أن تتشوه معالم الصورة وخصوصاً في مثل هذه الفترة العصبية من تاريخ سورية الأسد.
أكثر ما أزعجني خلال إجازتي، الحديث اليومي الذي يدور بيني وبين جارتي أم سالم عندما أخرج لأمارس الرياضة.
صباح الخير يا خالتي.
صباح الخير أم سالم.. تفضلي لشرب المتة.
لا شكراً.. علي أن أنهى جمع القمامة.
أعانك الله.
كم أصبح عمرك يا خالتي ؟
سبعةٌ وعشرون عاماً.
الله يطول عمرك… ( بعد الدعاء تصمت لدقائق وهي تنظر إلى السماء قليلاً بسعادة و قليلاً إلى وجهي بقرف… متقلبة المزاج كلما حركت رأسها.. و بعد موجة الصمت تباشر بالقول ).. أليس من المعيب أن يعمل والدك و أنت بحجم تيس أبو عبدو ولا تعمل.. عيب يا خالتي عيب.
أأأخ… يا خالتي لا تقلقي ؛ فقد وعدني عُدي اللحام أن يسمح لي بالعمل لديه في الشهر القادم.. أما غداً سأعمل مؤقتاً على خط الميكرو.
سائق؟
نعم سائق .
طبعاً الحديث طبيعي ولا إزعاج فيه، لكن إن كان يومياً وفي ساعة الرياضة ، سيكون مزعجاً بشكل أو بآخر.
اليوم قررت أن أجيبها بشكل مختلف وحقيقي.
الله يطول عمرك…. أليس من المعيب أن يعمل والدك و أنت بحجم تيس أبو عبدو ولا تعمل.. عيب يا خالتي والله عيب.
يا خالتي.. أبي توفي منذ أربعة أعوام و أنا أعمل ليلاً نهاراً لأحمي الوطن من المخربين و المندسين.. أما أبو عبدو الذي لا أدري من هو فقد كان فلاحاً في الضيعة قبل أن تتزوجي، أي منذ أكثر من أربعين عاماً.
المندس : لقب أطلقته الحكومة السورية و شخصيات كبيرة في النظام على المتظاهرين السوريين، و المراد منه أن المتظاهرين هم أشخاص دخلوا خلسة: اندسوا) بين صفوف الشعب وبدؤوا المشاغبة والقتل والتخريب مدعيين بأنها ثورة شعبية).
ماذا تقول.. كذاب.. كذاب.. ( بدأت بالصراخ و بصوت كاد أن يختفي ).. أنا لم أتزوح بعد وأنت لا تعمل و أبوك على قيد الحياة… ( ثم لاذت بالصمت ).
بعد أن نظرت إليّ مطولاً وبدا عليها القلق والخوف، دخلت إلى منزلها وأنا انفجرت ضاحكاً.
الله يشفيك يا خالتي أم سالم.
بعد أن عكّرتُ مزاجها انتقاماً، انطلقت لأرتدي بدلة الرياضة وحذاء الرين؛ فعلي أن أمضي بقية النهار مع خطيبتي فغداً سأعود إلى العمل.
في طريقي إلى منزلها رن هاتفي النقال، رفعته لأرى من المتصل.
المعلم ؟!
قلتها مستغرباً، أنا في إجازة ولا عادة له أن يتصل بي، حتى ولو كانت أوضاع البلد غير طبيعية، والذي يجري في البلاد أقل من عادي… أيام معدودة و المندسون في خبر كان.
ألو.
أين… أين أنت !؟
أنا في طريقي إلى ( قاطعني صارخاً ).
اترك كل شيء.. تجمع كبير للمخربين في
برزة.. تعال على عجل.
ولكن أيضاً قاطعني.. ولكن ما قاله يا جماعة فقط محبة فيني لا أكثر
تعا يا حيوان.. بدون لكن.
حاضر معلم.
بدأ العرق يتصبب بغزارة، ليس خوفاً من الحمقى المشاغبين أو من المعلم فهو والدي الأول.
و لكن في الحقيقة أنا في الفرع منذ أكثر من تسع سنوات و لم تُقطع إجازتي حتى يوم جند الشام.
إذاً الأمر خطير.. خطير.. تكسي.
توقف التكسي ولحسن الحظ كان السائق أحد أقاربي.
هلا حسن.. طلب أم سلبطة ؟
السلبطة: كلمة عامية، تعني أن يقوم الإنسان بالأكل أو الشرب أو الكسب غير المشروع من أحد معارفه القريبين أو البعيدين رغماً عنهم ولكن بأسلوب بعيد عن العنف، كالتخجيل مثلاً
طلب أم سلطبة !! ( قلتها صارخاً ).. أنت مجنون يا عمار.. أنا ذاهب لأدافع عن أرض الوطن وأنت تطلب نقود… والله لو لم تكن ابن خالتي لكنت قتلتك.
اصعد اصعد…. أصبح مزاجكم معكراً منذ
أن اندلعت المشاغبات.
ليست مشاغبات… خذني إلى برزة.
أمرك… قل لي ماذا إذاً… ثورة ؟؟ّ!!
اخرس.. لا تقلها ولا تنطق بها.. مجنون.. مؤامرة مؤامرة.. هي مؤامرة.. لا تقل لي بأنك تسميها ثثث.. ( لا أستطيع أبداً أن أنطق بهذا الاسم.. بل ممنوعٌ حتّى).
هاا… لا والله مؤامرة يا أخي مؤامرة…
أشم رائحة مندس.. مندس يا عمار
صارخا ؟! 1
لا أعوذ بالله.. بالإضافة أنت ابن خالتي وأولاد ضيعة واحدة و أكيد أثق بك.. لذلك لا تقلق لن أخفي عليك إذا كنت معارضاً… لكني لست مندساً ولست ممن يخرب أملاك الوطن.. فأنا ابن الوطن كما أنت.
معارض!! أنا أسميها مؤامرة و أنت تتلفظ بأسماء بعيدة عن الواقع… قال معارض قال.
لا يا عمي لا.. أقسم بالله بأنها مؤامرة… و لك يلعن شرف هالمندسين
أحسنت.. إنها كما قلت.. مؤامرة.. و عالمية أيضاً
وكونية.. أخي بعيداً عن السياسة والإندساس.. قل لي أين السيارة التي وعدك بها رئيسك في العمل؟
وعدني بعد انتهاء الإجازة.
لذنا بالصمت قليلاً.. بدأ عقلي يأخذني إلى أماكن أخرى، هل من المعقول أن يكون عامر منهم.. أن يقف مع الجانب الآخر… غسلوا دماغه !!.. لا لا.. ولكن إن كان في المكان الخطأ
فجأة صحوت من دوامة أفكاري على صوت عمار و هو يقول حسن.. حسن.. لقد وصلنا
تفضل
عيب.. اليوم علي والمرة القادمة عليك
ولكن !؟
أنت من حماة الوطن اذهب
_ شكراً لك إلى اللقاء ( ابتعدت عن النافذة و عدت ).. عامر
ماذا تريد؟
لو كنت تقف إلى جانب الثورة ( صارخاً ).. س )قاطعني )
ماذا ستقتلني؟ بيدي هذه أشرت إلى اليسرى.. فسأكون غالباً ممسكاً بكأس المتة باليمنى
تقتل ابن خالتك.
أقطع اصبعي لو سوغت له نفسه.
لا تقلق.. أنا معك.. أينما كنت أنا معك.
كن معنا.. وانسني أنا.
من أنتم؟
نحن… الدولة.
حسناً… اذهب إلى العمل.
إلى اللقاء الآن… ولكن أراك مساءً لأشرح لك ماذا يحدث
بانتظارك.. إلى اللقاء.
أسرعت إلى مكان تجمع الشباب حيث أخبرني المعلم، عندما اقتربت أكثر كان الصوت قوياً صاعقاً غريباً مزعجاً، تمنيت لو أن عمار معي ليسمع ماذا يقولون.
أمعائي بدأت تتشاجر فيما بينها وكأني تناولت سماً صافياً، ورأسي بدأ يصرخ من الألم.
لم أستطع أن أتمالك نفسي عندما أصبح المشهد واضحاً
المئات من المندسين الشباب يصرخون.. الله سورية حرية وبس
الله سورية حرررية وبس !!! قالها رأسي ؛ فلم يجرؤ لساني على النطق بها
ثوانٍ و انفجرت غضباً، أمسكت قضيباً من الحديد كان مرمياً على طرف الرصيف وانطلقت راكضاً قبل أن أتلقَ أوامر الهجوم، أو حتى أن أقول مرحبا للمعلم.

الله سورية بشار وبس يا عرصاااات

 

حنطة46 حنطة47

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف