ملف

حصاد أربع سنوات من الحلم والجنون والعنف

جديع عبدالله نوفل

قال أهلنا في شهر آذار: «أنا آذار الهدار فيي سبع ثلجات كبار غير الدقدق والصغار..»، ومؤكد أننا سنقول: آذار يا شهر الموت والدمار.
نحن مغرمون وعشاقٌ للخطابة، ونظنّ أنّنا بالخطابة والشعر والمقالات نتطور ونهزم عدونا ونُغيّر واقعنا وواقع عدونا كما نحلم. أربع سنوات أُحرق الأخضر واليابس، أُحرق البشر والحجر، مُدنٌ تدمّرت كليّاً أو جزئياً: العملية التعليمية في خبر كان، انهار الاقتصاد، ارتفعت الأسعار خمسة أضعاف، تفككت العلاقات الاجتماعية، النسيج السوري في خطرٍ حقيقي. حوالي سبعة ملايين سوري مهجرٍ في الداخل، وحوالي ثلاثة ملايين مُهجّر أو مهاجر إلى دول الجوار ودول ما بعد البحار، والأخطر والأكثر بشاعة وبعداً عن الإنسانية انتشار العنف والعنف المضاد المنفلت من أية ضوابط، العنف الأعمى الذي لا يُفرّق بين المتقاتلين والبشر الذين لا ناقة لهم ولا جمل.
ولأن الحكومة أوالسلطة بالأحرى، وعموم السوريين وعلى اختلاف تنويعاتهم فسروا ما جرى في البلاد حسب رغباتهم، وصلنا إلى ما وصلنا إليه، سلطة متمسكة بالمؤامرة الخارجية على البلاد و(سياسة البلاد) إن صحت التسمية، وأجرة المتظاهر 200 ليرة سورية، وهو يتعاطى المخدرات، المتظاهر الذي كان يهتف: واحد واحد الشعب السوري واحد… وحرية حرية، حتى صارت كلمة حرية عند قامعي المظاهرات سبباً لكل ما حدث. الأجهزة القمعية ترفع وتيرة القمع من جهة، ومن جهة أخرى ينمو قمع آخر(من تحت رماد قرون عنف المنطقة) يتحيّن الفرصة ليمسك بزمام الأمور. وأقسامٌ هامة من السوريين يروون في سلوك النظام عبر خمسين عاماً من الفساد والرشوة وكبت الحريات والقمع المنفلت -وأي انفلات- السبب. إن ما ذكر أعلاه عن تصرف السلطة هو الشكل لجوهر أساسي وهو غياب الدولة بالمعنى الحديث، أي غياب القانون إذ لم يعِ السوريون أننا كنا وما زلنا في المزرعة تحت مسمى (الدولة)، والمشكلة الأكثر تعقيداً الآن المزارع الجديدة (مزارع مسلحة) التي نشأت تحت ألف اسم واسم.
باختصار : عدم معرفة أسباب الانفجار في سورية شأنها في ذلك شأن بلدان ما سُمّي بالربيع العربي أوصلنا جميعا لسلوك أرعن عنفي ولا علاقة له بالعقل، وتحليلات استندت على الرغبة وعلى غياب قاعدة بيانات قريبة من الصحيح ولو قليلاً، وها نحن نحصد الآن النتائج. يقول الأستاذ والمفكر جاد الكريم الجباعي: «ذهب كثيرون وذهبنا معهم إلى أن الثورة السورية السلمية تحولت أو حُوِّلت إلى حرب، وانشغلنا بتوزيع المسؤوليات صراحة أو ضمناً، وذهبنا بعيداً في هذا وذاك، حتى ساغ لبعضنا أن الجيش الحر والألوية والكتائب المسلحة هي الذراع العسكرية للثورة. وبدا ذلك معقولاً، في ضوء ما نعرفه عن الثورات الكبرى التي اقترنت بعنف مفرط وحروب أهلية، كالثورة الأمريكية والثورة الفرنسية والثورة البلشفية وغيرها، ولأن صفة الثورة أطلقت على أحداث سياسية ليست من الثورة في شيء، كالانقلابات العسكرية في سورية وفي غير مكان، علاوة على ولعنا بالثورة ونسبة كل ما نحبه ونريده إليها. وقد تبين لنا من مراجعة أفكارنا نقدياً أن هذا المذهب يهدر القيمة المعرفية والثقافية والأخلاقية للثورة السلمية وما تعبر عنه من تحولات على هذه الصعد كافة، ويخضعها قسراً لنموذج الثورة المستقر في الأذهان، ويخفي أو يريد أن يخفي دور الفئات أو الشرائح الاجتماعية التي نهضت بها والمبادئ والقيم التي وجهتها. فإن من أولى ميزات الثورة السلمية أنها غيرت مفهوم الثورة وفصلته عن العنف والحرب، فأهدت لعالم القرن الحادي والعشرين بشارة بإمكانية تغيير قواعد السلطة وقواعد السياسة بما يتناسب وثورة المعرفة، وارتقاء الفكر والعمل، ونمو الروح الإنساني. ومهدت الطريق لاستيلاد سلطة المجتمع المدني وتنظيماته الحرة والمستقلة عن السلطة المركزية، وزعزعت قواعد المركزية الذكورية ذاتها، فأضافت شيئاً جديداً، بل أشياء جديدة إلى علم السياسة والفلسفة المدنية، يضع حداً لمفاهيم السياسة التقليدية التي لا تزال تحكمها تصورات ماكيافيلية، وقد تكون موضوعاً للفكر السياسي في مستقبل قريب. والأهم من هذا وذاك أنها بشارة بإمكانية وضع حد نهائي للحرب، لأنها هي ذاتها ثورة على الحرب، وعلى السياسة بصفتها حرباً، وعلى السلطة بصفتها حرباً، وعلى الجيوش بصفتها عيباً، وشيئاً بدائياً متوحشاً، ومرضاً خبيثاً لا تتعافى الجماعة الإنسانية منه إلا بالقضاء عليه».
إن جوهر المسألة هو الانتقال من حالة معينة إلى حالة أخرى أكثر تطوراً وتقدماً انتقالاً سلمياً. ولأن فكر المنطقة السائد عند السلطة (المزرعة) والقوى السياسية(القبائل) والقسم الأعظم من المتدينين (الذين دخلوا في دين الله أفواجاً) لا يؤمنون بالانتقال السلمي جرى ما جرى.. أما العلمانيون فهم شكل أخر!.
الانتقال في الفكر السائد في المنطقة يتم عن طريقين لا ثالث لهما: 1. انتقال بمشيئة الله عز وجل. أو 2. انتقال عن طريق العنف. وفي الانتقاليين لا علاقة لفعل العقل فيما يجري، اللاعقل هو الفاعل. ويقول الأستاذ جاد الكريم الجباعي: «أن العدوانية غريزة حيوانية افتراسية لا تظهر لدى البشر إلا في ظروف حيوانية، تحكمها شرعة الغاب». ولم يكن الراحل ممدوح عدوان مخطئاً يوم كتب عن «حيْونة الإنسان». التربية العسكرية والتربية القومية الاشتراكية التي كانت ولا تزال تدرَّس في المدارس الثانوية والمعاهد والجامعات السورية، إلى جانب التربية الدينية هي التي كانت تزرع بذور هذه الحرب القذرة. ما يحتاج إلى تحليل ونقد هو السلطة الشخصية التي لا تولد إلا من الحرب ولا تعيش إلا بالحرب وفي بيئة الحرب. هل نعي جميعاً أينما كانت مواقعنا، أنه لا بديل لنا عن بناء دولة عصرية حديثة، دولة المواطنة التامة، دولة المؤسسة الحديثة، دولة تحترم وتطبق مبادىء حقوق الإنسان، دولة تنبذ العنف وتدينه وتعاقب مرتكبيه حسب القانون. فلا الحل في الدولة الإسلامية التي ولى زمانها، ولا في دولة المزرعة التي أقصاها التاريخ، ولنا فيما كان يسمى (المنظومة الاشتراكية) والأصح تسميتها دول منظومة القمع الممنهج مثالاً.
الحل ليس في السماء ، ولا في الهجرة، ولا في الصلوات والدعاء… الحل في جلوس السوريين المعنيين بسورية المستقبل إلى طاولة الحوار بعيداً عن كبريائهم الفارغة على أن ينظروا ويفكروا بسورية المستقبل، وليس بسورية الغنيمة. فهل يستطيعون؟

حنطة4 حنطة5

برومو الشهيد ناجي الجرف