ملف

لابد أن تستمر الثورة وإن طال الطريق

رياض درار

لقد كانت الثورة السورية خامسة ثورات الربيع العربي الذي هدف إلى تحطيم أغلال الاستبداد، لكنها تحملت وحدها آلام المخاض عبر درب الآلام والمعاناة والتضحيات الجسام، فلقد استطاع النظام في سنته الأولى أن يدفع بالثورة السلمية إلى التسلح عبر المواجهة الدامية للتظاهرات واعتقال الناشطين والمذابح القاسية وتدخل الجيش واحتلال المدن الثائرة، تلك كانت لعبته حين قال سيده تريدونها حرباً فأهلاً وسهلاً. لقد كان السيناريو قيد الإعداد، وكان يجب التنبه لهذه الإشارات والبناء الصحيح واعتماد الوسائل الأقل دموية وخوض حرب العصابات إذا ما كانت الضرورة للتسلح والمواجهة، لكن احتلال المدن والمواقع -مع عملية جسر الشغور في حزيران 2011 بعد أربعة شهور من الانطلاقة السلمية- أعطت الضوء الأخضر لبداية الانحراف، وصارت الكتائب تتشكّل دون مرجعية سياسية، وبدأ المال يتدفق لشراء الموالين، وبدأ التخبط والسير في طريق الفشل.
لم يتزامن التشكيل المسلح مع المحاولات السياسية لتشكيل قيادة سياسية تواجه الأحداث والمتغيرات وتقود الجماهير، والبدايات المتخبطة في أنطاليا (حزيران) وفي بروكسل (حزيران) ومن ثم اسطنبول (تموز) ومن ثم الدوحة (أيلول) إلى حين عقد مؤتمر اسطنبول وتأسيس المجلس الوطني (تشرين أول 2011) الذي تزامن مع تشكيل هيئة التنسيق في الداخل بعد فشل لقاء الدوحة وفشل التنسيق بين إعلان دمشق والتجمع الوطني الديمقراطي.
هذه المعارضة لم تستطع قيادة المسار بل خاضت حرب الاعتراف بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج وتبادل التهم والتخوين لقد بدأ الانحراف مع قوى معارضة التي وقعت في المحظور عندما اعتقدت أنّ استماتة النظام في الدفاع عن وجوده بقتل المدنيين وارتكاب الجرائم بأنها جزء من حرب إقليمية يقودها محور إيران الشيعي ضد محور الاعتدال العربي – التركي السنيّ، وهكذا تم تحوير الصراع من ثورة شعبية ضد نظام مُستبدٍ فاسدٍ ظالم إلى صراع دمويّ بين قوى متعددة رفعت لواء الطائفية وفسّرت الأحداث تفسيراً طائفياً، وحملت السلاح وحولت سورية إلى ساحة تصفية للحسابات، وطلبت العون الخارجي مساهمةً في القضاء على كلّ أمل في بناء سورية دولة ديمقراطية تعددية، وأدخلت البلاد في نفقٍ مُظلمٍ جعل الكثيرين يترحمون على النظام الفاسد بكل إجرامه لما رؤوا من حجم الإجرام والفساد وسقوط القيم وظهور الجان من مغاور التاريخ رافعاً رايات دينٍ دمويّ قاتلٍ لا يَرْحم، أو من أنّ الحرب لا يُمارسها إلاّ الجهلة والمغفلون وطُلاّب المصالح ومن باع قضيته للأعداء الخارجيين، وفي التمرّد السّوريّ الذي حاول أن يكون ثورةً كانت الحرب وسيلةَ تخريبٍ لها وساهمت بتهديمها بعد أن تحوّل كلّ شيءٍ عن مساره ممّا دعا البعض للقول أنها مذ تسلحت فشلت، ذلك لأن المسلحين سطوا على الثورة وسرقوا حلم الشعب في التغيير السلمي الذي لم يعد ممكناً في ظلّ الحرب التي سمحت للقوى الإقليمية والدولية أن تكون أطرافاً قويةً فيها، وأصبحت سورية رهينة إرادة دولية موزعة بين قوى ليست على عجلة من أمرها ولا يهمها زيادة عدد القتلى والضحايا والمشردين والنازحين. لقد تسلمت قطر أوراق اللعبة، ومنذ بدأت الإنفاق عليها ورضيت المعارضة بقبض الثمن بدأ الانحراف، ومع محاولتها فرض جماعة الإخوان المسلمين في قيادة المعارضة في مسار المجلس الوطني الذي جاء ببرهان غليون مجرد واجهة إعلامية، وما تلاه. وفي قطر أيضاً تمّ تنصيب الشيخ معاذ الخطيب رئيساً للائتلاف المعارض الذي اعترف بأن القوى الظلامية جزءٌ من الثورة، وفي عهده بدأ الجيش الحر يُسلّم مواقعه شيئاً فشيئاً للنّصرة أو لتنظيم الدولة الإسلامية، وتحولت الثورة بسبب فوضى الحرب إلى إماراتٍ يُديرها أمراء حربٍ لا هدف لهم إلاّ السيطرة للمنافع الشخصية أو لفرض أيديولوجيا ظلامية حرفت الوجه السمح للإسلام وجعلت منه بسبب عقولهم المريضة صوراً من مشاهد الدّم والجثث المحروقة والأجساد المصلوبة والرؤوس المقطوعة والمعلقة على الأسوار.
ربّما لا يجرؤ المعارضون الذين ساهموا ببيع الثورة لمن اشتراها كأيّ نادٍ رياضيّ أو مُنشأة سياحيّة، لا يجرؤون على الاعتراف بالخديعة إذا لم نقل الخيانة، ولكنّ النتائج أظهرت أنّ الشعب تُرك وحيداً مهمشاً أمام آلة القتل وأنهم مازالوا يتنعمون بالمال السياسي ويُلقون باللوم على من خذلهم من الدول التي وعدت ولم تفِ بوعودها. ولم يعد ينفع أن يُردّد البعض الآخر أنهم حذروا ونبهوا، لقد فات أوان الندم واللّوم ، فالشعب تمزق والعالم تخلى وصار السوريون في بلاد اللجوء والنزوح والتشرد عبرة أخرى للعالم وتغريبة جديدة تنتظر نهايتها.
لقد وصلت الثورة إلى مرحلة خطيرة تُهدّد وجودها واستمرارها، وصارت أمام خيار الاندثار والفناء أو إعادة إنتاج نفسها بصورة جديدة تتلافى الأخطاء وتعيد رسم السياسات والتحالفات بعد رصّ الصفوف ووضع قواعد الاتفاق على المستقبل المشترك. صارت الثورة بحاجة إلى تأسيس (منظمة تحرير وطني) بعد أن باع النظام نفسه للسياسات الإيرانية وصارت أجزاء من سورية تحت الاحتلال الإيراني، الثورة السورية لا يجب أن تتوقف لأن مصير المنطقة متوقف عليها، ومن خلالها يمكن إعادة إنتاج الروح الثورية للإسلام ولكن على أرضٍ تجديديةٍ ومفاهيمَ وطنية، لأن الإنتاج الذي أظهره الإسلام السياسي انتهى بتنظيم الدولة الإسلامية، وتنظيم الدولة هو الوجه المتشيطن للإسلام.
ثورة الإسلام تكون بروحه السمحة وعطاءاته الحضارية ومشاركته الإنجاز الإنساني في آخر ما وصل إليه من حقوق للإنسان والديمقراطية والعدالة والمساوا،ة لقد فشلت الثورة إلى حين ولكنها نجحت في كشف الزيف في مواطن أُخرى يجب العمل على استثمارها لتحقيق نصرٍ تاريخيّ وإنجاز وطنيّ يُعيد لسورية مكانتها ومساهمتها في دائرة العالم الحديث. لقد نجحت الثورة في كشف عورات المعارضة وكشف زيف المعارضين، نجحت الثورة في كشف المخططات المعدة لتقسيم سورية على أُسس طائفية ودينية، لقد نجحت الثورة في إظهار الوجه المستتر للإسلام السياسي وأبعاده التدميرية. إن قوانين الثورات في معظم الوقت يمكن التنبؤ بأخطائها، ولكنها في النهاية ستكون إلى جانب الإنسان الذي يطمح إلى المساواة والعدل والعيش بكرامة، للثورات آلامها ولكن الإنسان لكي ينال حقوقه من حاكميه عليه أن يخوض غمار الثورة وربما أكثر من ثورة ليتمكن من نيل حقوقه الطبيعية وتلك التي منحته إياها السماء وهذا حتّم على السوريّ أن يناله وإن طال الطريق.

حنطة6 حنطة7

برومو الشهيد ناجي الجرف