ملف

أين نجحنا وأين فشلنا

عصام خوري

عندما يُخطئ ابنك لا يمكنك أن تلومه أمام الآخرين كي لا تجرح شعوره، ولكن عندما ينجح تفرح وتعلن أمام الملأ الخبر وكأنك أنت من نجح. الثورة السورية هي بنت السوريين جميعاً الموالين منهم والمعارضين أيضاً.
وبدأت بكلمة الموالين الذين اعتادوا السخرية من الثورة لسبب عريض وهو أنّ الموالي لم يكن ليجرؤ أن يتكلم في سياسة بلده إن لم تتفجر في نفسه ثورة.
الثورات هي بنات الأفكار، ولا يمكن للفكر أن يتحرك بدون كسره للقيود والعوائق.
الثورة ضرورة طبيعية:
في سورية اليوم تنسيقيات عديدة أسست شبكات أخبار متنوعة مُنتجةً فضاءات إعلامية حقيقية تتفوق على الإعلاميْن الرسميّ والمعارض، أي أن الثورة استطاعت خلق رأي شعبيّ لديه نافذة نحو العالم. واللافت للنظر أن العالم الحر احترم هذه النافذة أكثر من احترامه للبيانات والخطابات والمؤتمرات الرسمية، فهذه النافذة أو النوافذ المتعددة كوّنت بحقّ الرأي الشعبي السوري الحقيقي، وهذا الرأي يحمل رؤية عريضة وهي أننا لا نريد الفوضى ونبحث عن الاستقرار لكننا نرغب بأن نستمر بالإطلال على نوافذنا.
إن أكبر عدو للنوافذ في التجربة السورية هو النظام والحركات الراديكالية المتطرفة الجهادية اللذان سعيا بحق لعسكرة المجتمع السوري ومحاولة خنق صوت الكلمة، فكلمة الحرية بمعناها المجرد لا تعني شيء، ولكنها تعني الكثير إن جاءت بإيمان ومن مواطنين حقيقين.
في التاريخ السوري البعثي الأمني، كانت كلمة «الحرية» تُردّد في المدارس ضمن تحية الصباح، وتُردّد بصوت عالٍ ولكن هذا الصوت لم يكن حقيقياً بل كان صوتاً مجرداً من الإحساس، في حين رنين أن كلمة الحرية بعد أحداث آذار2011 كانت تحمل الأمل وهو ما جعل الناس تصدقها وتندفع من أجلها بالآلاف في الشوارع متحدية الرصاص والاعتقال والقهر.
الثورة حالة فكرية قبل أن تكون حالة ممارسة ميدانية، لأنها قادمة من شعورٍ وإحساس، وعندما يكون الإحساس كاذباً فإن الثورة تفشل كما فشلت ثورة 8آذار وثورة الحركة التصحيحية، فهاتين الثورتين السوريتين كانتا ثورتين أمنيتين عسكريتين لا تخدمان الشعب بل تخدم قطيع بسيط من العسكر تقلّص مع الأيام حتّى تحول إلى أسرة واحدة هي أسرة الأسد وحاشيته.
نعم كان لابد من الثورة، فلا يمكن لإحساس المواطن أن يُختزل بفكرة أن يكون فرداً ضمن قطيع يُساق بقرارات وبكلاب يقودهم فرد يحمل رتبة عسكرية ويدعي أنه ملك الملوك، وكل ملوك الأرض يتمنون التقرب منه!.
لقد غالت الأسرة الحاكمة في سورية من بطشها وهيمنتها على المواطنين، وجردتهم من أهم حق يمتلكونه وهو حق الكرامة وحق المواطنة، وبات المواطنون عبارة وجوه باردة المعالم أمام حق الحياة.
في عام 2007 كتب الصديق منذر مصري مادة بعنوان (تم القضاء على المعارضة السورية.. انبسطوا!)، وبعدها بعامين كتبتُ مادة مشابهة (مبروك قضيتم على المجتمع المدني)… نعم هذا مافعلته السلطة السورية بكل فخر، لقد سجنت الكثيرين ومنعت سفر الآلاف، وحاربت المعارضين ونشطاء المجتمع المدني في أرزاقهم وخوفتهم بكل وسائل الحقد، كي ينهار من عقولهم فكرة التغيير، ولكنها وضمن تسليتها هذه نسيت أنه يوجد شعب وبدأت ملامح الجوع تظهر.
نعم النظام السوري لم يكن يرى شيئاً سوى استمراره للسلطة ولم يفهم أن معايير القرن الحادي والعشرين تتطلب الانفتاح وتتطلب وجود المختلف. فظل الأسد يسخر من نشطاء ربيع دمشق وينكل بهم، حتى بات اليوم مضطراً للتفاوض مع أزعر عسكري يحبسه في دمشق ويدعى «زهران علوش»، نعم تحول الأسد من حاكم لسورية إلى شخص حدود حركته البرية يمتد من قصر المهاجرين حتى حدود حي جوبر.
من أوصل سورية لهذه المرحلة وأوصل منصب الرئاسة لهذا المستوى الهزيل ليست المعارضة السورية أو أحزابها «غير الناضجة أساساً» بل هو العقلية الأمنية العسكرية التي لم تعرف أن قرار الحياة في الدول المعاصرة يجب أن يمرّ عبر برلمانات حقيقية وبحوارات مع فاعليات اجتماعية ونقابية وشعبية وازنة.
من سرق الثورة:
الثورة كما أسلفت سابقاً هي إحساسٌ، والإحساس لا يمكن أن يُسرق، ولكنّ الإحساس يتبدل وفق أولويات المرحلة وأولويات المرحلة هذه تتفاوت بالتقدير والتحليل بين مثقف وهاوٍ وثائر وعسكري، ومن الطبيعي أن نرَ فيها الكثير من الانتهازيين واللّصوص والمرضى النفسيين والمتملقين، لأن الثورة السورية ليست ثورة مثقفين أو أحزاب معارضة بل هي ثورة شعبية نشأت وتأججت في الشارع المنوع التوجه. من هنا علينا أن نتوقع فيها كل شيء خاصة وأنّ النظام دمّر سابقاً كلّ المؤسّسات التي تُنظم وتُؤطّر المواطنين في تجمعات منظمة، وحول تلك المؤسّسات إلى خلايا أمنية تُؤتمر بقرار رئيس الفرع الفلاني الذي يجب أن يؤدي تحية العلم يومياً أمام صورة الرئيس المزروعة على جدران مكتبه والتي عمّمها هو ومن سلفه في كل الشوارع وفي كل المؤسسات الخاصة والعامة مُحولين سورية من دولة إلى مزرعة.

حنطة10

برومو الشهيد ناجي الجرف