ملف

قبل أن يكتمل العد على أصابع كف أو كفين

علاء الدين الزيات

الثورات أشبه ببصمة إبهام، كلما حاولنا وضع ملامح عامة كموديل، تأتي المتغيرات لتثبت أن ذلك تعميمي ودراسي، ولكنه لايمنح تسهيلات كافية للحكم، عليك تفحص الظاهرة ذاتها بعناية لأنك أمام بصمة جديدة كل مرة.
لذلك لن أُراكم هنا تصورات وأقوال ومراجع، بقدر ما أُلملم ملاحظات أولية حول الحدث السوري، وهو حدث انعطافي دون شك، يبدو كعقدة مرور متشابكة التركيب، ستكون مراكمة خبرة الخطأ والصواب مؤلمة فيها، إلى أن نتقن فهم المداخل والمسارات والمآلات. وعسانا ننفذ ناجين.
في البنية
قد يريح البعض الحديث عن الحدث السوري كثورة حرية وكرامة، وأن يُحدّد براحة أكبر تحميل السلطات المجرمة كامل المسؤولية، في هذا الإنشاء استسهال مقصود لاجترار المفهوم.
من ناحيتي أتصور أن إخفاق المشروع الوطني لبناء الدولة، وانحسار التنمية، وأيضاً الاستقطاب العام للثروة والسلطة ساهمت بالشراكة للتمهيد للحدث، وكان دور السلطة الأساسي هو في الهروب إلى أمام من استحقاقات الدولة الوطنية، عبر فكرة تصدير المشكلة، وفكرة الممانعة، وحتما باعتماد أداة القمع الشامل.
لقد كان – ومايزال – العامل الذاتي أعلى بكثير من العامل الموضوعي في تحقق متطلبات التغيير في سورية، ذلك العامل الذي ضخمته إلى حد بعيد قوى التدخل المختلفة (على جانبي الصراع) لتصبح القضية الأبرز مأزق وجود طرف رهن بنفي الآخر (يصلح تعبير ماركس في الديالكتيك هنا)، وهي واحدة من أسوأ الصراعات المأزومة لأنها بنيوياً تفتقر لمحركات التغيير، وبشكل ملفت تفتقر لاعتماد الناس كأداة وهدف للتغيير، ربّما واقع اليوم يبين بجلاء لماذا السياسة – وهي الحل الذي يهلل له الجميع – تبدو بأعلى حالات الشلل.
في المشروع
تتميز الثورات أساساً في أنها تناقض مفهوم المشروع، تكسره وتمزق كل التراتبيات الناشئة عن الحال السابق، تسميتها كثورات ينطلق من ذلك، لذلك يصبح المشروع العام للثورة هو تغيير المشروعية أولاً، ثم بناء مشروعية مختلفة تستند لموازين قوى ما بعد التغيير. حقق ٢٠١١ مجمل الجزء الأول من هذه القضية ولم تصعد الأدوات سلم المرحلة الثانية لذلك يتكون اليوم تآكل بطيء ولكنه ملموس لنتائج المرحلة الأولى.
إن إسقاط المشروعية للدولة الأمنية لا يُمكن أن يكون ناجزاً دون تكون لوحة قانونية بديلة، كل النماذج التي لمحت بأنها بدائل (تنظيم الدولة الإسلامية – النصرة – الجيش الحر – المحاكم الشرعية – الحكومة المؤقتة وقبلها الائتلاف) استخدمت الأدوات ذاتها في العنف والاستعلاء على الناس والضبط والتحكم والتبرير وأولوية العسكري على المدني في أداء لا يختلف عن النظام المُشكك بشرعيته إلا من حيث الشكل والحدة لكن منطلقاته متماثلة.
في الأداة
لِمَ يَغيْب الناس عن المشهد اليوم؟
وكيف استطاع الطرفان الانكماش إلى ساحة تَقاتل عنيفة تغيب عنها إرادة السكان أو استفتاء تصوراتهم؟
الجواب يكمن في أنها حرب بقوانين خاصة جداً.
أو للدقة في أنها حرب بدون أية قوانين، وفي أن دافعي الضريبة فيها تطوروا من فاعلين تدريجيين فيها إلى أدوات سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوه، وسواء تأقلموا مع ذلك أو رفضوه، لأن المحصلة اليوم دوران رحى الطاحون مع اختلاط للرؤية بين مزود ومسهل وداعم ومرحب وممول.
في التشبيك
أخفقت بكل جلاء تحالفات الاقتصاد، في حين تتقدم بشكل أفضل تحالفات مجتمعية مبنية على وحدة المصير، بعضها يضم تشكيلات ماقبل الدولة، ونادراً ما تجد الرؤية الوطنية بمعناها القديم. بل هي أيضاً خاضعة لإعادة الإنتاج، وهي مسألة لايمكن نقاشها من موازنة السلبي والإيجابي. بل يجب إقرار واقعيتها أولاً ثم البدء بتحليلها للحكم عليها.
وعلى طرفي الصراع عزز كل طرف تشابكاته وكانت كل خطوة بهذا الاتجاه مبنية على ابتعاد خطوتين عن مشروع الدولة الوطنية، سيطرة القوى الراديكالية بجهة، والمؤسسة الأمنية عالية التطرف بجهة ثانية لا يعني مطلقا قدراتهما على إدارة الصراع بقدر ما يعني الخضوع لشبكة الإمداد. من هنا نفهم لم العام الأخير خاصة كانت الحرب بأهداف عسكرية أقل وبأهداف اقتصادية أعلى، إن المتصارعين فيها يبحثون عن ديمومة أدوات الصراع بمعناه الاقتصادي ويبدو المشهد كلياً اليوم صورة عن اقتصاديات حرب نشطة وفعالة وغير معنية بالتغيير. على العكس ربما هي معنية بالتوازن في الصراع، خضوعاً للداعمين ولإرادة التمويل وللوفورات الناتجة عن اقتصاد من هذا النوع.
في المآل
مهما حاولنا التعمية، وبالرغم من تداخل المسارات، ولكن مسألة الدولة الوطنية هي المأزق الرئيس، هي مأزق ثلاثي:
1- للنظام لأنه غير قادر على تقديم نموذج حل خارج المؤسسة الأمنية، تعبيره ومنتجه الأهم خلال سنوات حكمه.
2- وللمعارضة التي لم تر في صناعة
السياسات سوى مواجهة النظام ، القديمة السياسية، والحديثة المختلطة سياسياً وعسكرياً وإعلامياً.
3ـ والمأزق على الضفة الثالثة هو للمجتمع السوري الذي أغلقت عليه أبواب المبادرة من السلطة الأمنية، ويجري تحنيطه سلفاً من قبل قوى المعارضة، ووجد نفسه يخسر نصف قرن من التنمية بسبب عوامل ذاتية عالية الأثر لم تنضج لمستوى المشروع ولم تسقط مشروعية النظام ولم تخفف من أثر المنظومة الأمنية في العيش بل فاقمتها، مع أزمة عالية الأثر في يوميات المواطن، ومع خضوع كل مجريات الحياة لاقتصاد النزاع.
خاتمة كفاتحة
قبل أن تصبح الدولة غاية سيكون صعباً رؤية ضفة كمرسى للصراع..
وحتى تكون الدولة غاية سيكون مطلوباً مواجهة كل تشكيلات ما قبلها..
وحتى تكون المواجهة منتجة رغم آلامها لابد من قراءة درجة نضج المجتمع السوري بعناية، على العامل الذاتي يمكن بناء مشروع تغيير ولا يمكن ضمان نجاحه، وليس على العامل الموضوعي لوحده صورة مختلفة عن ذلك.
ولذلك، تعالوا نقرأ مع الناس ماجرى
معهم ولأجلهم.

حنطة11

برومو الشهيد ناجي الجرف