ملف

الذكرى الرابعة لانطلاقة الثورة

مروان عبد الرزاق

مازالت الثورة تراوح في المكان بعد أربع سنوات من الصراع المفتوح بين النظام والشعب. والأسئلة كثيرة والإجابات غامضة. ليس لأن الاسئلة صعبة، بل لأن الاجابات تأتي في الغالب، جزئية وفق مقاس الشخص ومفاهيمه الخاصة، وليست نتيجة قراءة موضوعية لتاريخ الثورة. الحلول غائبة لانعدام الإرادة الوطنية لكافة رموز المعارضة، التي أقامت دكاكينها المغلقة، ثم استراحت بانتظار العصا السحرية القادمة من البعيد.
الإنجاز الأساسي الذي حققته الثورة السورية هو، كسر جدار الخوف، وتحطيم، أو تفجير النفق المظلم الذي حفره الاستبداد عبر التاريخ الطويل الممتد لآلاف السنين. وأيضاً استمرار الثورة رغم مرور السنوات الأربع القاسية دون أن تنتصر حتى الآن.
-1-
وهذا ينقلنا إلى أهم إشكاليات الثورة وفشل الثورة في الاستجابة للتحديات التي واجهتها. وأولها: الإشكالية السياسية، حيث أن الثورة السورية هي ثورة سياسية بالدرجة الأولى. والأساس في الإشكالية السياسية، هو عدم تشكل البديل السياسي الوطني الديمقراطي الممثل للثورة خلال السنوات الأربع الماضية. حيث فشل شباب الثورة وتنسيقياتهم في الارتقاء إلى الفعل السياسي الحزبي، أو الجبهوي. وكذلك رهنوا أنفسهم إلى «المجلس الوطني»، ثم «الائتلاف الوطني» الذي عمل كل الموبقات، دون أن يعمل في السياسة، وخاصة حين اختار موقعه في الخارج كمتسول فقد كل مقومات الكرامة الوطنية. بمعنى آخر، لم ترتق العفوية السياسية التي بدأ بها الثوار انطلاقتهم الثورية إلى النضج السياسي المطلوب لقيادة الثورة. بحيث يمكن القول إن الواقع الراهن للثورة يُشير إلى «ثورة بدون ثوار». إذن كيف يمكن لثورة أن تنتصر بدون ثوار؟ والفشل في تشكيل قيادة سياسية للثورة، ومقيمة في الداخل أفرز تحديات كبرى، وإشكاليات عديدة على المستوى العسكري والاجتماعي.
-2-
الإشكالية الثانية: هي انتقال الثورة
من المرحلة السلمية إلى الكفاح المسلح. وهذا الانتقال ليس سلبياً، أو نقيصة في مسار الثورة كما يدعي البعض الذين يرسمون الثورات وفق مزاجهم الخاص، وليس وفق الظروف الموضوعية التي تفرزها. ويقدم التاريخ نماذج لاتحصى من الثورات العنيفة. لكن الإشكالية العسكرية في الثورة السورية ظهرت إلى السطح بعد العام الأول المزدهر من عمر الثورة، حيث لم ترتقِ العفوية العسكرية التي بدأ بها الثوار الكفاح المسلح إلى النضج العسكري الذي كان يمكن أن يتجسد بتشكيل قيادة عسكرية محترفة على رأس جيش وطني ثوري، يعمل بالتوازي مع قيادة سياسية إلى جانبها. ولذلك لم يكن ممكناً إسقاط النظام بالعنف العفوي المتشرذم الذي لا يملك المقومات الأولية للكفاح المسلح، وهي القيادة السياسية والعسكرية والجسد التنظيمي الثوري.1
-3-
الإشكالية الثالثة: المناطق المحررة.
إن الفشل السياسي والعسكري أدى بدوره إلى الفشل في إدارة المناطق المحررة والذي أفرز نتائج كارثية: أولها الفشل في تقديم نموذج واقعي للثورة يمكن البناء عليه وتعميمه على كافة المناطق المحررة. وثانيها: مراوحة الثورة في المكان، وخسران الثورة لحاضنتها الاجتماعية كما توضحت في العام الأول. وثالثها: اختلاط الأوراق، وفوضى السلاح، وتداخل الثوري مع قاطع الطريق وأمراء الحرب وتجار الحروب. ورابعها: صعود التكفيريين حيث وجدوا الوضع الملائم لدخولهم إلى ساحة الصراع، وسيطرتهم على مساحات واسعة من سورية. وتشكل بما يمكن تسميته بمستنقعات الثورة التي أصبحت عائقاً حقيقياً أمام تقدمها. وتعاظم معاناة الشعب في الداخل والمهجر…الخ.
-4-
الإشكالية الرابعة: أسلمة الثورة. وهذه «الأسلمة» لم تكن واضحة خلال الشهور الأولى. وتسمية أيام الجمعة خلال (2011) كانت معظمها تسميات وطنية تُعبّر عن مطلب الحرية والعزة والكرامة. وكانت شعارات وهتافات المتظاهرين في أغلبها تُعبّر عن الحرية ووحدة الشعب، كما وجدناه بشكل خاص في اعتصام حمص ومظاهرات حماه الكبرى، وكذلك في كل المدن السورية. لكن مع الانتقال إلى الكفاح المسلح بدأت الكتائب المسلحة الاسلامية المعتدلة بالظهور في كل الريف السوري الذي وجد فيه حاضنة شعبية رائعة شعرت للمرة الأولى بالحرية.
والأسلمة «أو تديين الثورة يعود بشكل عام إلى:
1- عدم وجود قوى ديمقراطية سياسية
وعسكرية مسلحة.
2- مواجهة الموت خلال الصراع مع النظام بحاجة لعقيدة تحمل السلاح، كما حصل في كل الثورات المسلحة في العالم. وفي سورية لم تكن سوى العقيدة الدينية هي القادرة على حمل السلاح.
3- القمع والقتل الفظيع الذي مارسه النظام ضد الثوار كان بدوافع طائفية، مما جعل ردة الفعل على نفس المستوى، وأعاد إلى الأذهان المجازر الطائفية للنظام في حلب وحماة في ثمانينات القرن الماضي، والتي مازالت آثارها تخيم على الجميع حتى الآن. لكن من المفيد أن نلاحظ أن النظام فشل حتى الآن في جر المجتمع إلى حرب طائفية بغيضة، وذلك بسبب التدين المعتدل للشعب السوري بكل طوائفه.
4- المال السياسي والعسكري والذي تمّ تقديمه للثوار من دول الخليج والسعودية كان يشترط التدين، أو «تسنين» الثورة في مواجهة النظام الذي أُضيفت اليه الصفات الطائفية العلوية والشيعية والصفوية، إضافة إلى الاستبداد.1
5- ومع تزايد التطرف في العنف، من الطبيعي أن يزداد ويتعمق أكثر التطرف العقائدي الحامل لهذا العنف. وبالتالي تحولت الكثير من الكتائب المسلحة المعتدلة، نحو التطرف الديني، ورافق ذلك دخول كتائب «القاعدة» التكفيرية، مثل «النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية» حيث وجدت المناخ الملائم لنموها وانتشارها الواسع.
-5-
قوى الثورة والقوى المضادة للثورة
إن التعرف إلى خريطة قوى الثورة المجتمعية، وتحولاتها خلال مسار الثورة مهم للغاية. حيث تشكلت قوى الثورة عند انطلاقتها من الشباب الذين ينتمون لكل الطبقات والطوائف والقوميات. وأغلبهم من طلبة الجامعات أو خريجيها. ورغم أن الشباب عبروا عن الثورة بأنها ثورة كل الشعب بكافة فئاته وطبقاته. والرأي العام للمجتمع السوري كان يميل إلى الحلم بإسقاط عائلة الطاغية بما فيهم أغلبية الطائفة العلوية التي يدعي الدفاع عنها. لكن هذا الحلم الذي كان يراود كل السوريين، تحول باتجاهات مختلفة مع إعلان النظام الشعار الوجودي « إما أنا، أو أحرق البلد». والعفوية السياسية عند الشباب، وكذلك قوى المعارضة القديمة البائسة، فشلوا في استقطاب قوى المجتمع التي كان يجب أن يكون لها الدور الأكبر في ثورة الحرية والديمقراطية، وهي بشكل خاص البرجوازية والطبقة الوسطى. فالبرجوازية «طبقة التجار والصناعيين الجدد» التي نشأت في حضن النظام، والمستفيدة من شبكة الفساد ونهب المال العام، من الطبيعي أن تقف ضد الثورة. وكذلك وقفت الطبقة الوسطى «المحامين، الأطباء، المهندسين، تجار وصناعيين» على الحياد مترقبة تطور الصراع على الأرض، والتي وجدت مصالحها في الوقوف على الحياد، خوفاً من بطش النظام من جهة والذي حول النقابات المهنية إلى أبواق للطاغية، وعدم وضوح آفاق الثورة وبرامجها من جهة أخرى. ولذلك لم تنهض المدن الكبرى «حلب ودمشق»، وهو ما خطّط له النظام. وكذلك العفوية السياسية للشباب فشلت في استقطاب الأقليات الدينية والأكراد. إذ لا يكفي أن تتم تسمية أسماء يوم الجمعة مثل «الجمعة العظيمة، صالح العلي، آزادي» حتى تنضم هذه الطوائف إلى الثورة.
لكن النظام نجح في خرق شعار الثورة «الشعب السوري واحد» ونجح في تقسيم المجتمع طائفياً، وطبقياً، ومناطقياً. وعمل على الحفاظ على المدن والسيطرة عليها، من أجل محاولة الاستمرار في وجوده كدولة متماسكة. وترك الريف للثوار الذين وجدوا حاضنتهم الاجتماعية، لكنهم لم يستطيعوا حماية هذه الحاضنة من التدمير، وانعدام الأمن، فلم يجدوا أمامهم سوى النزوح، أو الهجرة إلى دول الجوار.
-6-
المجتمع الإقليمي والدولي
تاريخياً، وفي كل الثورات في العالم، لم يكن الصراع الداخلي المجتمعي بقوى داخلية فقط، رغم أن أسباب الصراع قد تكون داخلية صرف. ودائماً كان هناك قوى خارجية تنضم إلى الصراع، وقد يكون لها الدور الأكبر في حسمه لصالح أحد الأطراف. ومأساة الشعوب العربية التي ابتليت بأنظمة ما بعد الاستقلال الاستبدادية، توصلت إلى نتيجة بسيطة بأنها غير قادرة على إسقاط هذه الأنظمة بقواها الذاتية. وتُطل «الجبرية» من جديد، والقابعة في نفوسنا من آلاف السنين، لكي تنفي عن الشعوب أية قدرة على الفعل وتحيله إلى القوى العظمى وخاصة أمريكا التي يمكن أن تقول للشيء «كن فيكون».
ولكن «الساسة» السوريون الذين احتكروا تمثيل قوى الثورة والمعارضة «المجلس الوطني ثم الائتلاف»، ذهبوا بمبدأ الجبرية إلى أبعد مدى. فرهنوا الثورة منذ البداية إلى السعودية ودول الخليج العربي وأمريكا، معتمدين على القراءة السطحية لمواقف هذه الدول الإعلامية ضد النظام مستلهمين التجربة العراقية والليبية كأمثلة يمكن إعادتها في سورية، دون أن يلتفتوا إلى ساحة المعركة الأساسية، وأهمية تنظيم قوى الثورة في الداخل. إضافة إلى أن هذه الدول معروفة تاريخياً بأنها ضد الثورات وأهدافها. وينفرد «الائتلاف» السوري بأنه الوحيد من بين المعارضات في دول الربيع العربي الذي اختار مركز إقامته خارج الثورة، متسولاً حتى مصاريفه الشخصية، وكأنه يريد قيادة الثورة عن بعد، حتى دون أن يمتلك جهاز الاتصال «الروموت كونترول». ومع ذلك يتباكى أكثر اعضاء الائتلاف على فقدانهم القرار الوطني المستقل، وهم الذين يدعون أن «الثورة عروستهم الفاضلة» وهم الذين أدخلوا «كل زناة العالم إلى حجرتها» وسحبوا «خناجرهم الخشبية» للدفاع عن «بكارتها»، دون أن يعرفوا أن «المغتصبة ستصرخ» وستفضح كل المتسلقين والانتهازيين الذين قبضوا ثمن شرفها وكرامتها.
-7-
حتى الآن توصف الثورة السورية بالعظيمة لجسامة التضحيات التي قدمها الشعب السوري. لكن تقييم الثورة ونجاحها أو فشلها لا يعتمد على الأهداف، والتضحيات، والمقدمات التي انطلقت منها «إنما بنتائجها وما تحققه من أهداف». وهنا نجد أن النتائج مأساوية. مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعاقين والمعتقلين، أكثر من عشرة ملايين نازحين ومهاجرين، وأكثر من نصف أطفال سورية بدون تعليم ورعاية صحية. ..الخ. وقد وُصفت المأساة السورية بأنها الأعظم في العصر الراهن. ولم تحقق الثورة أي من أهدافها: الحرية والكرامة والدولة المدنية الديمقراطية.
لكن الثورة بالمقابل لم تفشل. هي ثورة مستمرة إلى أن يسقط الطاغية، وكافة أشكال الاستبداد القديمة والجديدة. وخاصة أن الطاغية لم يعد قادراً على إعادة الشعب إلى حظيرة الطاعة من جديد.
إنها ثورة دائمة، مازال يحمل لواءها العديد من الكتائب المسلحة الثورية، والتي لم تختلط باللصوص والانتهازيين، وإن يكن صوتهم أصبح خافتاً في هذه المرحلة. ومجموعات سياسية جديدة ستبرز من رحم المخاض الجديد الذي تمر به الثورة، والتي سيفرزها النقد الشعبي الحقيقي والنابع من معاناة الملايين من السوريين المشردين في دول الجوار، والنازحين في الداخل الذين لا يجدون قطرة ماء، والمنسيون في السجون. وستلفظ صيرورة الثورة كل من تسلط عليها من تكفيريين واشباههم إلى مزبلة التاريخ، وستنتج من جديد صفحتها المشرقة رغماً عن الجميع. إن من يبشر بانتهاء الثورة -مع حسن النوايا-لا يرى إلا ذاته الفاشلة والتي لم تكن الثورة وفق مزاجه الضيق والمهزوم. فالثورة أكبر من أي فرد مهما كان.
-8-
لا يوجد حلول سحرية لإشكاليات الثورة. كما أنها ليست بحاجة إلى شعارات خطابية لا فائدة منها. الثورة بحاجة إلى نهضة حقيقية من شباب الثورة، فحواها العمل الفعلي للإجابة على أسئلة الثورة، ولماذا لم تنتصر الثورة حتى الآن، وقراءة حقيقية للواقع الراهن، وكيف يمكن الانطلاقة من جديد. ومن جديد نُعيد أن بداية العمل على الإشكالية السياسية هي المقدمة الكبرى لإعادة انطلاق الثورة من جديد، ورفع رايتها عالياً.

حنطة12 حنطة13 حنطة14

برومو الشهيد ناجي الجرف