ملف

هل نحن فاعلون؟

لما قنّوت

زجّ النّظام كلّ إمكانياته العسكرية والأمنية لإجهاض الثورة وتشويه صورتها وسمعة المشاركين /ات بها، وأخرج جهاديين من سجونه وزجّ فيها السلميين المطالبين بالحرية، ودفع باتجاه التسليح والتطرف والتطييف، وفتح البلاد أمام ميليشيات طائفية إقليمية للقتال معه.
لا أميل شخصياً إلى فتح باب استخدام كلمة «لو» إلاّ من أجل تعلّم الدروس المستفادة لأنها ستفتح باب الندب على ثنائيات استهلكت الوقت بدل العمل، مثل قدسية السلمية وشيطنة التسليح، معارضة الدّاخل ومعارضة الخارج. لقد ضيّعت المعارضة فرصاً مهمة وهي تتسابق من أجل تمثيل الشارع الثائر بدل أن تقوده لتحقيق تطلعاته في الحرية والعدالة والمساواة وبقيت، كما كانت سابقاً، لا تمون على تحريك حارة مقابل رجل دين يحرك العشرات. بالعكس خسرت العديد من النخب السياسية بأدائها البائس رصيدها في الشارع، الذي كانت تحظى به بسبب القمع الذي طالها قبل الثورة، وظهرت بعض القوى وكأنها في سباق محموم على السلطة.
استخف البعض بأسلمة الثورة بدءاً من تسمية أيام الجمع إلى تسمية الكتائب المسلحة إلى ابتلاع الجيش الحر من قبل مجموعات سلفية تكفيرية، مالبث أن بايع بعضها تنظيم القاعدة، وهادنها البعض واعتبرها جزءاً من المجموعات التي تقاتل النظام، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تنظيمات متوحشة إرهابية تتسابق مع النظام في الإجرام و التوحش. بين إرهاب النظام وإرهاب المنظمات التكفيرية أُفرغت البلد من كل الناشطين والناشطات، وازداد حجم الاستبداد بكل أشكاله، وابتعد العديد من السياسيين والسياسيات، والناشطين والناشطات عن السياسة ولجؤوا إلى العمل ضمن منظمات مجتمع مدني استهلكتها الورشات وجزأت العمل الديمقراطي العام إلى أهداف صغيرة تصلح لفترة الرفاه لا لفترة يحتاج فيها الوطن إلى كل أبنائه و بناته لإنقاذه.
لا أعتقد أن هناك عاقلاً يبني آمالأ على أخبار التسليح غداً أو بعد غد لثلاثة آلاف أو خمسة آلاف يزعمون تدريبهم لقتال «تنظيم الدولة».
قزّم الحلّ السوري من خطة كوفي عنان إلى تجميد النزاع في حلب وربما غداً إلى حيّ فيها، وإلى قليل من المعونات للاجئين واللاجئات. سيرحل دي ميستورا كما رحل من قبله، لأنّ كلّ المُعطيات المحليّة والإقليميّة والدوليّة تُفيد بأنّه لاحلّ على المدى المنظور من أجل إعادة إحياء المفاوضات دون توافق دولي يبدو بعيداً. كلّ تصريحات أوباما تتحدث عن أولوية الحرب على الإرهاب فقط، ويشاطره الرأي المجتمع الدولي الواقع تحت تأثير حملات استعراض الإجرام الإعلامية التي يقوم بها «تنظيم الدولة» رغم كل أصوات السياسيين و الإعلاميين والخبراء في شتى المجالات التي تملأ المنابر، و تؤكد على أنه لا نجاح لأي حملة ضد الإرهاب على أرضنا مالم تنطلق عملية سياسية تستند إلى جنيف1 بالتوازي معها، تُنهي الاستبداد المديد وتؤدي إلى الإنتقال الديمقراطي.
بدأت مؤشرات تعويم النظام منذ فتح السفارة السورية في الكويت، و لن تنتهي مع الإطلالات الإعلامية المتلاحقة للأسد في كُبريات الصحف الغربية التي لم تعد تتحدث إلاّ عن جرائم «تنظيم الدولة» في تجاهلٍ لجرائم النظام التي لم تتوقف لحظة واحدة. عجزت المعارضة عن الظهور أمام الرأي العام المحلي والدولي بمظهر البديل الديمقراطي المقنع، مقابل نظام يصرف الملايين لأن يبدو المشهد من الخارج على أنه يحارب مجموعة من التكفيريين ذابحي الأقليات .
أصبح جلياً أنّ المنطقة تشهد تفكك الدول لصالح جماعات مسلحة، وسيولة في العنف لن تؤدي إلاّ إلى مزيد من التطرف والعنف، وتدفع ثمن مفاوضات النووي الإيراني مقابل ترسيخ هيمنة إيرانية مباشرة على تلك الدول.
لاشئ ينتظر سورية التي تحولت إلى ساحة صراع إلاّ أن تصبح مكبّ نفايات لكل إرهابيي و مجرمي العالم، تتنازع مع بعضها البعض، حتى يصبح الحل الوحيد، بنظر دول القرار، تقسيهما إلى كيانات مذهبية متناحرة، مقابل دولة يهودية على أرض فلسطين المحتلة.
ماذا علينا أن نفعل؟
توحيد رؤية المعارضة باتجاه رسم خطة طريق تُنقذ الوطن وتساهم فيها كلّ قوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني باتجاه الحل السياسي المستند إلى جنيف1. وحملات حشدٍ ومناصرةٍ وبناء تحالفات مع هيئات نقابية ومنظمات مجتمع مدنيّ دولية نُحرّك فيها الرّأي العام الإقليميّ والدوليّ تجاه عدالة قضيتنا التحرّرية كما فعل الفلسطينيون من قبلنا. لاشئَ يُؤثّر في المجتمع الدولي إلاّ الرّأي العام، وهذا ماأهملناه طوال السنوات الأربع الماضية، فهل نحن فاعلون؟!.
في النهاية سأقول كما قال بابلو نيرودا شاعر تشيلي العظيم:
قد يقتلون الأزهار كلها»
لكنّهم لن يستطيعوا أن يحولوا دون قدوم الربيع».

حنطة15

برومو الشهيد ناجي الجرف