ع البيدر

الدكتور وليد الصالحي ضيف بيدر حنطة

حاوره ثابت اسماعيل

س1. دكتور وليد، هلاّ تفضلت وعرفتنا عن نفسك
مواليد فلسطين كلاجئ فلسطيني في مدنها ومخيماتها، نشأت في مدارسها وجامعاتها وخضت تجربة العمل السياسي والطلابي من خلال اتحادات الطلبة منذ أواسط الثمانينات، ثم تحولت للعمل المدني والتفعيل المجتمعي منذ أواسط التسعينات دون التحيز لحزب أو لطائفة سوى العمل الوطني العام والمشاركة المجتمعية العامة في خدمة مبادئ العمل الإنساني والمشاركة المدنية وشاركت في إعداد مسودة قانون منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية الفلسطينية عامي 1998- 1999، كما شاركت في قيادة فريق أهلي مكون من 100 مراقب ومراقبة من منظمات المجتمع المدني في الرقابة على الانتخابات الفلسطينية الرئاسية والتشريعية والبلدية، كما واكبت العمل التطوعي والخيري الإنساني والمجتمع المدني منذ بداية الثمانينات في فلسطين.
تجربتي في ميدان العمل المدني منذ ثلاثين عاماً، شاركت خلالها في المحافل الوطنية والإقليمية والدولية في أكثر من 25 دولة عربية وأوروبية وآسيوية، وكنت عضواً في المجلس التنفيذي للإتحاد العربي للعمل التطوعي لدورة واحدة، وعضو مجلس إدارة المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن في بريطانيا، وكذلك عضو مجلس إدارة الأخصائيين الاجتماعيين ومقر تسجيلها جنيف بسويسرا لمدة ثماني سنوات، وكنت في ليبيا في الأعوام 2012-2014 إذ شاركت في بناء قدرات منظمات المجتمع المدني والمجالس المحلية أثناء المرحلة الانتقالية والمجالس البلدية والحكم المحلي وأعضاء المؤتمر الوطني العام الذي كان بمثابة البرلمان الليبي الأول من أواسط عام 2012 وحتى نهاية 2013، كما شاركت في إعداد مسودة قانون منظمات المجتمع المدني الليبية الأولى والثانية عامي 2012 و2013 في طرابلس وبنغازي، وكنت مشاركاً كمراقب دولي مع مركز كارتر للسلام على انتخابات المؤتمر الوطني العام في ليبيا عام 2012، وبدأت بالعمل مع المنظمات السورية منذ شهر تشرين الأول عام 2014 كمتطوع في الأردن وتركيا
خريج كلية العلوم الإنسانية من جامعة مانشستر في بريطانيا بعد حصولي على منحة فورد فاوندشين.
س2. بحسب خبرتك، وبعد اطلاعك على تجارب عديدة لمجتمعات مرّت بتحولات عنيفة. بالمقارنة، كيف ترى الوضع السوري؟
تعيش سورية في واقعها متقاطعة مع غيرها أو غير متقاطعة من دول الربيع العربي التي خرجت من عنق زجاجتها، تونس وصلت لاستراحة وتنفس لا نعرف لمتى مداها؟ مع قربها من جارتها ليبيا التي لا تزال تمر بمرحلة المد والجز السياسي والنزاع المسلح وبروز شبح طول أمد حل مشكلتها للواقع! جنباً إلى جنب مع لقاءات وجلسات الحوار المباشرة وغير المباشرة بالرعاية الأممية أو الأفريقية الجزائرية والمغربية منها والتي ستنضم لمارثوانها التونسية نتيجة لأصوات من داخل تونس تدعو لاستضافة بعض جلسات هذا الحوار، تشارك فيها الجهات الشرعية بحسب كل طرف! أو الجهات السياسية والتكنوقراطية أو القبلية! مع صعوبة السيطرة على اتساع رقعتها الجغرافية البحرية في شمالها والبرية من الناحية الجنوبية من منطقة النيجر وتشاد التي تشهد عمليات الهجرة غير الشرعية والتسلل للعديد من المخاطر من خاصرتها الجنوبية هذه المخاطر داخلة إلى ليبيا أم مهربة منها، كما أن سورية تواكب شقيقتها اليمن التي تشهد النزاع المسلح ومحاولات السيطرة. وتشهد تحول الأنظار فيها إلى عدن وحوارات صنعاء والرياض التي أيضا تحاول الأمم المتحدة جاهدة الاستمرار معها للخروج بحل!. ولكن تجاور سورية لشقيقتها العراق جسدت هموماً مشتركة وتناغماً في بعض إشكالاتها والتهديدات التي تواجهها، من الانتشاء العرقي والمذهبي والطائفي ومحاولات السيطرة على مقدراتها البشرية والاقتصادية الزراعية والبترولية منها، وإن تشابهت سورية مع العديد من شقيقاتها في النزاع المسلح والتهديدات العسكرية اليومية لحياة مواطنيها إلا أنها لا تصل أو لا ترقى إلى مرتبة الاهتمام الجاد والفاعل والعميق من قبل الأمم المتحدة الذي يترأس إدارة فريقها ( الكوتش دي مسيتورا ) في حل أزمتها الجاثمة على أرضها منذ 4 سنوات. والضريبة يومياً تُدفع من قبل أطفالها ونسائها وشيوخها، وأخشى ما أخشاه مع بداية العام الخامس للقضية السورية ونشوء ما يسمى بالأوتشا للاستجابة الإنسانية للاجئين والمواطنين السوريين بقطاعاتها الثمانية والتي أصبحت الآن عشرة قطاعات، أخشى أن تصبح الأوتشا للسوريين وكالة غوث وتشغيل اللاجئين السوريين مثل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والتي بدأ تأسيسها في نهاية عام 1948 واعتمدت في 8 كانون الأول عام 1949 بموجب قرار الجمعية العامة رقم302 أي قارب عمرها الآن رسمياً 66 عاماً
بناءاً على ما سبق لا بد من سبر غور جدية الأمم المتحدة وصناع قراراتها تجاه القضية السورية وعلى رأسها المصالح والسياسات الخارجية للدول التي تمتلك حق الفيتو، والأهم من ذلك تماسك وتعاضد ولحمة مكونات وأطياف وتجمعات المجتمع السوري تجاه قضيتهم وتنظيم صفوفهم باستثمار المصالح والأجندة الوطنية السورية لعقد حملات الضغط والمناصرة.
س3. التقيت بالعديد من المنظمات والناشطين في مجال العمل المدني، ما أهم مشكلات السوريين في العمل المدني؟
سأتكلم حول هذا الموضوع من خلال تجربتي وعيشي في واقع منظمات المجتمع المدني السورية والحياة اليومية للناشطين والناشطات في هذا الميدان في مدن جنوب تركيا ومخيمات اللجوء فيها،وستكون هذه النظرة لها محدد قد يؤثر على تقييمي لهذه المنظمات والناشطين، ألا وهي عدم عيشي معها في أي من المناطق السورية في الداخل والواقع السوري اليومي،التي ربما تثري هذا التقييم وذلك التحليل، وعلى أية حال يمكن الحديث حول الرياديين والرياديات منظمات المجتمع المدني السورية ضمن إطار مقولتي (من فضاء البزنس إلى كوكب الخدمة المجتمعية). فحين النظر في الوقت الراهن في مدن الجنوب التركي إلى كوادر العمل أو الطاقم الوظيفي والمتطوعين والمتطوعات في هذه المنظمات نرى أن العديد من هذه الكوادر والمتطوعين قد جاء من خلفية أو عقلية العاملين في مجال الشركات أو المنشآت أو المصانع، أو ممكن كان لهم نصيب في العيش في دول الخليج أو من ولد فيها حيث انتشار الجمعيات الخيرية المتعددة وكانت لهم فرص العمل فيها، بالإضافة لمن ولدوا في الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكيا اللاتينية وكندا أو الدول الأوروبية،حيث توفر لهم الفرصة للعمل في المنظمات الدولية غير الحكومية أو مؤسسات الأمم المتحدة الرسمية لامتلاكهم لسان اللغات الرسمية في الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي من الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، في حين جاء البعض من الداخل ممن كان يعمل في برامج أو مؤسسات وصناديق الأمم المتحدة مثل اليونيسيف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونسكو وغيرها قبل ثورات الربيع العربي كما يحلو للبعض بتسميتها، ثم انضم هذا النوع إلى الحراك الثوري الشعبي وانحاز للثورة،أما بالنسبة للفئة الأخرى من الناشطين والناشطات فهي التي كانت تعمل في نطاق التنمية البشرية والتفكير الإبداعي والبرمجة اللغوية العصبية والطاقة الإيجابية، وغيرها من الموضوعات التي كان العمل مسموح بها من قبل النظام السياسي الذي كان يضع الستار الحديدي والسور الواقي أمام قضايا التربية المدنية والمشاركة المدنية مثل : موضوعات الديمقراطية والمواطنة والتوعية في مجال الانتخابات والرقابة الأهلية عليها،وحرية الرأي والتعبير، وحقوق الإنسان والقيادات الشابة والمشاركة المجتمعية الفعالة.
أما بالنسبة للفئة الأخيرة وهي الأهم والأوسع فهي التي انطلقت من رحم الثورة والدفاع عن الأحياء والمدن والاستجابة لحالات الطوارئ للأهالي في مناطقها وتقديم خدمات الإسعاف وخدمات الإنقاذ والإغاثة وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، أما حينما نريد النظر لمنظمات المجتمع المدني السورية ككل من ناحية الحجم ونوع الخدمة التي يقدمها من جانب آخر فنرى أنها تقع ضمن خمسة مستويات، حيث ينشط المستوى الأول داخل المناطق السورية محاولاً الاستمرار في تقديم الخدمات الخيرية والإيوائية وتوفير الطرود الغذائية، وهذا النوع الذي يعمل بمبادرات مجتمعية محلية اجتهادية تم تحديد هويتها عرفياً بين أهل المنطقة دون أي نوع من إجراءات للتسجيل والعلم لغياب المرجعيات الرسمية نتيجة للزلزال الذي هز المنظومة السياسية السورية، أما بالنسبة للمستوى الثاني فهو الذي يعمل في مدن الجنوب التركي ضمن إطار المبادرات المحلية لمناطق جغرافية محددة وبطريقة الاجتهاد الفردي دون أساسيات منظومة العمل الاحترافي ويعتمد على التبرعات الشخصية والفردية من أبناء سورية المقتدرين وهو امتداد لمبادرات في الداخل السوري، أما بالنسبة للمستوى الثالث وهو الذي لديه وعي لأهمية التسجيل ضمن إطار القانون التركي كما لديه وعي بأهمية العمل الاحترافي لمنظمات المجتمع المدني والأهلي ولكن نتيجة لانعدام موارده المالية واعتماده على جهود المتطوعين والمتطوعات فأحياناً تستمر جهوده بين مد وجزر، وأحياناً يخفق. وإما أن تنجح المنظمة أو الجمعية، وإما أن تذوب بذوبان متطوعيها ومتطوعاتها.أما بالنسبة للمستوى الرابع فهو الذي قد سجل وترخص بحسب القانون التركي رقم 5253 ولديه مكتب في مدن الجنوب التركي وحصل بعض المنح الصغيرة والوسطى وطاقمه الوظيفي صغير الحجم مكون من (4-7 موظفين وموظفات ) وله بعض الامتدادات في بعض مناطق الداخل السوري ويطمح في استكمال خطواته في العمل الاحترافي من امتلاك الأدلة المالية والإدارية ووضع الخطط التنفيذية والإستراتيجية وإعداد الميزانيات المدققة، في حين المستوى الخامس والأخير وهو الذي يمتلك كل ما لدى المستوى الرابع علاوة على ذلك لديه طاقم كبير من الموظفين والموظفات قد يصل أحياناً إلى 40 موظفاً وموظفة ولديه كل الأدلة المالية والإدارية ودليل الموارد البشرية والخطط التنفيذية والإستراتيجية، كما لديه العديد من مراكز العمل القوية في الداخل السوري ومنتشر جغرافياً في أكثر محافظة، عد هذا التقييم وهذا التحليل ممكن الآن الحديث حول أهم المشكلات والتي ألخصها باختصار
أولاً: مشكلة عقلية البزنس لدى العديد من الأفراد والعاملين في هذه المنظمات والسبب عدم نشأة العديد منهم في محاضن العمل التطوعي وقيم العمل المجتمعي التي كانت محرمة وممنوعة خلال العقود الأربعة السابقة، عدا عن فقدان العديد منهم لمصالحهم وممتلكاتهم في الداخل السوري.
ثانيا: عقلية الفردية في العمل (يا أنا لعيب يا أنا خريب) وضعف التنسيق والتشاور والعمل الجماعي وضعف روحانية التكامل، ولكن لا بد من الإشارة أنه قد بدأت بواكير التشاور والتنسيق والتشبيك مع نهاية عام 2014 والأشهر الأولى من عام 2015.1
ثالثا: مشكلة الإطار القانوني وعدم وضوح المرجعيات القانونية لهذه المنظمات ولا سيما العاملة على الأرض في الداخل السوري.
رابعا: غياب وعدم وجود أي مدونة لقواعد السلوك والتي ربما تكون إطار شرف ومرجع قيمي مؤقت يتلاءم مع الظروف الراهنة لمنظمات المجتمع المدني السورية.
خامساً: ضعف التنسيق مع المجالس المحلية المنتخبة في مناطق الداخل السوري.
سادساً: تفرد التمويل الأجنبي بهذه المنظمات والذي يشكل ما نسبته 90% من التمويل للجمعيات والمنظمات السورية، وتخصيص أو ذوبان جزء لا بأس منه للخبراء والمستشارين الدوليين لنفس جنس الدولة المانحة.
سابعاً: مشكلة سيطرة بعض المجموعات المسلحة باختلاف آرائها ومشاربها على المناطق المستهدفة من خلال مشاريع وبرامج هذه المنظمات.
ثامناً: مشكلة التنافس غير المحمود وعدم تقبل الآخرين على الرغم أن هذه المنظمات يجب أن تتمتع بالحياد وعدم الانحياز والاستقلالية في مبادئ العمل الإنساني.
تاسعاً: مشكلة مغريات الهجرة واللجوء إلى دول الشمال، مما يعني التأثير الدائم وتشكيل عقبات مستمرة لهذه المنظمات بهجرة موظفيها ومتطوعيها ولا سيما الخبرات والدماء الشابة الهامة لبناء سورية المستقبل.
س4. برأيك ما دور منظمات المجتمع المدني في الخروج الجدي من النفق المظلم الذي تمرّ به البلاد؟
حين الحديث حول هذا الدور كما أشرت في إحدى مقولاتي أيضا لمنظمات المجتمع المدني السورية وفي أكثر من مناسبة سواء كانت هذه المناسبة لقاء مفتوح أو ورشة عمل أو محاضرة أو مؤتمر أو جلسة استشارية ( لا بد للمنظمات المشاركة في الخروج من منطقة الكوريدور – الممر إلى المرحلة الانتقالية) وهي مرحلة المشروع الوطني الذي يشارك فيه كل أطياف ومكونات المجتمع السوري قاطبةً، مع خلع القبعات والمعاطف الحزبية والابتعاد عن التعصب للآراء السياسية والمناطقية والإثنية والعمل التوافقي ضمن ضمير وطني سوري يحفظ الحقوق والكرامة للإنسان.
منظمات المجتمع المدني السورية كونها تنشط في معظم دول الجوار السوري وفي عشرات من دول المهجر وتواجدها في دول صنع القرار السياسي واتخاذه وبمناسبة بدء السنة الخامسة للثورة، تستطيع تنظيم حملات مناصرة وضغط رسالتها واحدة واضحة عنوانها نعم للحياة لا للحرب، وذلك باستغلال مواقع التواصل الاجتماعي الفتاكة للتخاذل والتواطؤ والمصالح الضيقة، حيث أتبت منظمات المجتمع المدني السوري قدرتها واحترافيتها ونجاعتها باستخدام هذه المواقع في تجنيد الأموال واجتذاب الدعم الإنساني، وبالتالي ومن باب الأولويات تستطيع هذه المنظمات تجير هذه القدرات وهذا الاحتراف باتجاه رسالة حملة المناصرة والضغط نعم للحياة لا للحرب. وكذلك كسب تأييد شعوب الدول الأوروبية والولايات المتحدة للتأثير على حكوماتها، من ناحية أخرى يمكنها أن تقوي وتحسن علاقتها مع المجالس المحلية المنتخبة في الداخل السوري لتنظيم صفوف الأهالي والمبادرات المجتمعية لتوفر أوراق ضغط متوازية مع العمل الخارجي لهذه المنظمات، كما أنه من الضرورة بمكان أن تنسق خطواتها مع الأطياف السياسية الفاعلة في الواقع السوري والجهات المحركة للعمل الوطني السوري وأجهزتها التنفيذية، وهذا كله يولد القوة الداعمة لحملات المناصرة والضغط نعم للحياة لا للحرب.

حنطة20 حنطة21 حنطة22

برومو الشهيد ناجي الجرف