حصيدة

كوباني

فرهاد باكير – محامي وكاتب سياسي سوري

كوباني، تلك المدينة الآمنة المُتكئة على سكة القطار التي تربط بغداد ببرلين وتفصل سورية عن تركيا في أقصى شمال البلاد دفعت الفاتورة الأكثر دموية خلال الثورة السورية كونها كانت سبّاقة بمشاركتها بالثورة. بدأت هذه الفاتورة بالحصار المحكم من قبل كل الفصائل التي تنتمي إلى الجيش الحرّ بسبب خلافاتها مع حزب الـ (ب. ي. د) والتي بدورها كانت تتحكم بزمام الأمور في مدينة كوباني إلى أن قام تنظيم الدولة الإسلامية بإحكام سيطرته على كامل المناطق المحيطة بمدينة كوباني من جهاتها الثلاث وذلك منذ أواسط عام 2013 حيث قام التنظيم المذكور بالسيطرة على جميع الطرقات المحيطة بالمنطقة واعتقال المدنيين ومنعهم من السفر ومصادرة كافة المواد التي تدخل المنطقة وتلك التي تخرج منها. كما قام بقطع التيار الكهربائي عن المنطقة من سدّ الفرات ممّا حرم المنطقة من نعمة الإنارة وأيضاُ قامت بقطع المياه الصالحة للشرب من منبعها من نهر الفرات وسرقة المضخّات وتعطيل الأنابيب ممّا جعل الأهالي يعيشون حالة من الفقر المدقع والعيش بأدوات بدائية، إضافةً إلى الحالة السياسية الخاصة بالحراك الكردي حيث تفرد حزب الـ (ب. ي. د) بزمام الأمور وعدم إشراك أحد بإدارة المنطقة إلاّ ممّن يقدمون لهم الولاء ويسير وفق مشيئتهم. إضافةً إلى تشتت وتشرزم وعدم أهلية الفصائل الأخرى لتقديم إمكانيات وطاقات ومشاريع جادة، الأمر الذي خلق حالةً من الذعر وعدم الاطمئنان، والبطالة والخوف ممّا دفع بالكثير من الطاقات والكفاءات العلمية والمهنية وحتّى اليد العاملة للهجرة تهريباً إلى كافة أصقاع العالم. واستمر الأمر حتّى تاريخ 19 \ 9 \2014 حيث الهجمة الشرسة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية والتي عجزت دولٌ بأعتى ترسانة عسكرية من الوقوف في وجهه إذ قام هذا تنظيم الهجوم على مدينة كوباني من محاورها الثلاثة: شرقاً من تل أبيض، وجنوباً من ناحية صرّين، وغرباً من منطقة جرابلس، مستخدمةً أسلحة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة فردية برفقة الانتحاريين الذين يحرقون الأخضر و اليابس بطريقهم، ممّا أدّى إلى انهيار المنظومة الدفاعية للقوات الكردية أمامها بسبب افتقارها إلى الأسلحة الثقيلة و اعتمادها على أنصارها فقط (التفرد بالدفاع) وبالتالي خلق حالة من الخوف للتعرض إلى جينوسايد إسلاموي بين الأهالي المدنيين العُزّل (الذبح – سبي النساء) مما دفع الأهالي إلى التوجه للحدود التركية وهو المنفذ الوحيد من الجهة الشمالية حيث كان بانتظارهم مأساة أخرى إذ كان عليهم أن يجتازو حقل الالغام الذي يصل عرضه في بعض المناطق إلى خمسين متراً ما أدى إلى مقتل البعض وبتر أقدام الكثير بينهم أطفال ونساء. بعد ذلك كانت المأساة الأكبر تراجيديا قاتمة بالطرف التركي حيث الجوع والعطش والمرض والخيم في هذا الشتاء القارص والفقر بسبب عدم تمكن الأهالي من اصطحاب احتياجاتهم الأساسية و الاضطرار استئجار منازلَ بأسعار باهظة أو السكن بأكواخ بعض القرى المتاخمة للحدود، وحتى ببعض الدكاكين والمباني غير الجاهزة، إلى جانب التشتت في عمل المنظمات الإنسانية و الإغاثية ممّا خلق حالة من الفوضى عند توزيع الإغاثة عليهم. ولا زالت هذه المأساة مستمرة على الرغم من إيجاد بعض الحلول الجزئية لها.
كل هذا إلى جانب قيام تنظيم الدولة الإسلامية بتنفيذ إعدامات بالنحر في بعض القرى بحق بعض المدنيين الذين فضلو البقاء بقراهم إما لعجزهم أو لأسباب أُخرى، وأيضا حرق البيوت و نهب القرى ونقل الممتلكات إلى المدن المجاورة كغنائم لهم ولأنصارهم. ولا يُخفى تدمير ما تبقى من المدينة بسبب القذائف التي تنهال على المدينة من كل حدب و صوب، من الأرض والسماء.
في الختام أود أن أذكر نقطة بأن ما تعرضنا له كانت مأساة حقيقية و نحن كأكراد نقاوم الإرهاب العالمي أي نحمي السلم العالمي بدمائنا و أموالنا و هذه المسؤولية تقع على عاتق العالم المتحضر بأكمله.

حنطة27

برومو الشهيد ناجي الجرف