حصيدة

النزوح الداخلي

محمد حاج قدور

انتشرت في شمال سورية مؤخراً، وخاصة في أرياف حلب وادلب، وبشكل كثيف ظاهرة الإعمار والبناء في الأراضي الزراعية، إذ توجه معظم الفلاحين و مالكي الأراضي الزراعية إلى البناء في أراضيهم الزراعية هرباً من بطش النظام وقصفه، وبات هذا الشكل من النزوح واضحاً بسبب كثرة البناء في الأراضي الزراعية بشكل مُتفرق، حيث يوجد في مدخل كلّ أرض منزل أو بناء معدّ للسكن، إلا أن لهذا الشكل من النزوح مساوئ كثيرة كما أن له مزايا أيضاً، إذ يخبرنا العم أبو جمال وهو أحد سكان مدينة تفتناز: « فضلتُ النزوح الى أرضي الزراعية بدل اللجوء إلى الدول المجاورة أو النزوح إلى مخيمات اللجوء حيث المعاناة بكل أشكالها وألوانها، فقمت ببناء منزل صغير في أرضي الزراعية، وأنا أعمل وأشرف على مزروعاتي بشكل مباشر، وأشعر بالأمان هنا فأنا لا أتعرض للقصف ولا أرى المدن من حولي وهي تُقصف يومياً، كما أن أفراد عائلتي يساعدونني في العمل الزراعي، ولا أذهب إلى مدينتنا إلا كي أُحضر حاجات منزلي الأساسية».
ولكن مساوئ هذا الشكل من النزوح كثيرة وبعضها خطير حيث تخبرنا المرشدة النفسية أم وسام : « أن عيش الأطفال بمعزل عن أصدقائهم وابتعادهم عن المدرسة واللعب مع الأطفال الآخرين يمكن أن يؤدي إلى مشاكل نفسية تجعلهم انطوائيين وعدائيين مستقبلاً، عدا عن الجهل الذي سيلحق بهم جراء عدم ذهابهم إلى المدرسة، وعدم قدرتهم على التكيف مع المجتمع مستقبلاً. وتتأثر العائلة ككل بجو العزلة الذي تعيشه والذي ربما يؤدي الى اضطرابات داخل العائلة بسبب الملل، وربما تؤدي العزلة الدائمة إلى الكآبة. فالانسان كائن اجتماعي ولايستطيع العيش بمعزل عن الآخرين».
وفي هذا السياق قال لنا أبو محمد وهو أحد سكان مدينة معرتمصرين بريف ادلب عند سؤالنا له عن أسباب بقائه في منزله في القرية بالرغم من امتلاكه العديد من الأراضي الزراعية قال:» إنني أُفضل العيش في منزلي في المدينة مع جيراني وأصدقائي على العيش منعزلاً في البراري، فالعيش هناك له مساوئ كثيرة أهمها أنني لا أستطيع إرسال بناتي وأطفالي في الطرق البرية للوصول إلى مدارسهم، فأنا أريد تعليمهم، عدا عن أن العيش في البراري يجعلني وعائلتي نشعر بالملل. إضافة إلى انقطاع الخدمات هناك مثل الماء والاتصالات، فإذا تعرضت لحادث فلا يمكن لأحد مساعدتي بسبب عدم قدرتي على الاتصال بأحد. كما أنني لا أستطيع الذهاب إلى مدينتنا ليلاً بسبب الخوف من وجود قطاع الطرق والحيوانات البرية وصعوبة التنقل وإحضار كل احتياجات المنزل، كما أنني معتاد على السهر مع أصدقائي عند جارينا في القبو، وأنا ملتزم بزيارة أقربائي والتواصل معهم والاطمئنان عليهم».
أخيراً، إن للنزوح إلى الأراضي الزراعية إيجابيات وسلبيات، فالبعض فضّل الابتعاد عن بطش النظام وقصفه الى أرضه الزراعية بسبب عدم القدرة على النزوح إلى دول الجوار بسبب تكاليف العيش الكبيرة هناك، وعدم الرغبة في العيش في مخيمات اللجوء الحدودية حيث المعاناة بكل ماتحمله الكلمة من معنى، و ربما عدم القدرة على الاستمرار وهجر الأرض. والبعض الآخر فضّل البقاء ضمن التجمع السكاني لأسباب مقنعة بالنسبة إليه، حيث تستمر معاناة النازحين أياَ كان شكل نزوحهم أمام واقع مرير حاول كل مواطن فيه إيجاد الحل البديل الذي يراه مناسباً.

حنطة28

برومو الشهيد ناجي الجرف