حكايا البيدر

قامشلو من مدينة الحب إلى مدينة الانتظار

شفان ابراهيم

كُلّ شيء في الانتظار، طوابير ضخمة، ومفترشي الأرض ملتحفي السماء بأعداد تفوق الخيال والتصور. بات كلّ شيء في قامشلو في دائرة الانتظار، حتّى الموت أو البراميل أصبحت من ضمن الرؤى المُنتظِرة.
يلعن هل عيشة.. كانت جملة خليل أبو شيرو المقيم في أحد الأحياء الكوردية الفقيرة كافية لشرح واقع قامشلو، إذ لا يتوفر فيها شيء إلا بشق الأنفس. يرى أبو خليل أن أياد آثمة تقف في الخفاء تزرع الرعب والقلق والخوف في نفوس الجميع. كان أبو خليل يعمل في دمشق حتى تاريخ 20/5/2013 قبل أن يضطر إلى اللجوء إلى قامشلو نتيجة النزاع المسلح في دمشق. أبو خليل مُعيل عائلة من خمسة أطفال مع زوجته ووالدته، ليصبح الأمر في غاية الصعوبة على مدخول فردي لا يتجاوز الـ (10$) يومياً. يسرد أبو خليل حوادثه مع كأس شاي يحتسيه بشراهة، وهو الذي بقي مستفقداً للشاي أكثر من أسبوع بسبب انعدام الغاز الذي إن توفر فبأسعار خيالية.

يقف أبو خليل لساعات طوال أمام أحد مراكز بيع الغاز على أمل الحصول على جرّة بسعر يقل عن سعر السوق السوداء بقليل، وفي نهاية الدوام تكون الغالبية قد عادت إلى بيوتها مقهورة ومذلولة.
يستمر أبو خليل في سرد مآسيه وقصصه مع الكهرباء ومولدات التحويل والأمبيرات، فهي الأخرى قصة مجهول يموت على أعواد المشانق من التعاسة والضياع. ولا ينسى أبو خليل البوح بحرقة قلبه عن سنوات الدراسة الطوال التي قضاها حتى حصل على الدبلوم في إدارة المنشآت من جامعة حلب كلية الاقتصاد، وهو اليوم يعمل عتالاً في الوقت الذي باتت بعض مواقع المسؤولية في يد من لا يستحقونها.
أما سعاد ابنة خليل، صاحبة الـ (17) ربيعاً حاصلة على معدل (227) في الفرع العلمي، قررت أن تتقدم ببطاقة المفاضلة إلى كليات جامعة الفرات في محافظة الحسكة، ويعود سبب إصرار سعاد على الدراسة في الحسكة على الرغم من عدم توفر أي مقومات الدراسة الجامعية، بدءاً من مباني الكليات، وانتهاءً بعدم توفر أغلب الاختصاصات والأقسام الجامعية في الحسكة، ومروراً بالظرف الصعب التي تعانيه المحافظة من نقص المواد وانعدام الخدمات، والانفجارات المتكررة التي تحصل هناك. مع كل ذلك تصّر سعاد على الدراسة في الحسكة بسبب التمييز الذي يتعرض له طلبة المحافظات الشرقية في جامعات باقي المحافظات. إضافة إلى الشعور بالقلق والخوف المستمر، وتسرد لنا سعاد إحدى القصص التي حصلت مع أختها نسرين الطالبة الجامعية في كلية الطب البشري في دمشق، إذ تعرضت للتهديد على أيدي بعض الشبان من الكلية بسبب مواقف الكورد من الثورة كما ادّعوا. سعاد هي الأخرى تتنهد في قصة الانتظار سواء في انتظار العربة التي تقلهم إلى الجامعة، أو التي تُعيدهم إلى بيوتهم دون أن ننسى الانتظار القلق على الحواجز. وترى سعاد أن كل ذلك كان يمكن أن يُنسى لولا عملية التأخير في إصدار النتائج الامتحانية في كليات الحسكة بسبب الازدحام وكثرة الطلبة.
أما شيرو خليل فقصته مع مؤسسة الطيران تكاد تكون أشبه بمسلسل هندي، فشيرو الذي استطاع أن يحصل على وظيفة مستخدم في دائرة الحبوب، يضطر للسفر إلى دمشق بقصد علاج جدته، وهو ما يحتم عليهم السفرَ بالطائرة حصراً، فالرحلة البرية لم تعد آمنة، وإن تم الوصول فالرهان مع ذلك خاسر، فإما الموت، أو الخطف والاعتقال، أو التشليح المادي. ويبقى الرهان على الطيران، وحال شيرو كحال المئات من أبناء قامشلو\ي الذين يضطرون للمكوث منذ ساعات الفجر الأولى على الأرصفة في شارع الوحدة.
لم يعد أمامي سوى السفر وإن كان للمجهول، عبارة أضحت من بين العبارات الاعتيادية التي تتردد في كل زقاق وشارع ومحل في قامشلو، لكن بدران خليل يعرض قصته مع جواز السفر بنكهة أفلام الأكشن الأمريكية. بدران اقترن من إحدى الفتيات المقيمات في السويد، وبعد حصوله على الموفقة من الجهات السويدية المتخصصة للحصول على الفيزا، وهنا تبدأ قصة بدران الذي كان يعمل كسائق تكسي لدى أحد العوائل، كان لابد له من رحلة البحث للحصول على جواز سفر إلى الحسكة في حي غويران. بدران سافر ثلاث مرات وفي كل مرة كان يدفع حوالي ( 1200) ل س، إضافة على اقتطاع أجره اليومي من عمله كسائق،ويعود أدراجه دون أي فائدة، فتارة شبكة الانترنيت مقطوعة، وتارة أخرى لا توجد دفاتر، ومرة الثالثة لا يوجد تسجيل دور. والقصة باختصار أن بدران توجب عليه دفع مبالغ معينة لتسجيل الدور، وحاله كحال كُل من تطاول على ذاته وقرر اقتناء جواز سفر سوري.
هو حال كل شيء في قامشلو. الانتظار حتى المخطوبات أصبحن ينتظرن المجهول، إذ ليس بإمكانهن الانتظار أكثر لطول فترة الخطوبة، وليس بمقدورهن الزواج لارتفاع تكاليف الأعراس وظروف المعيشة الصعبة، حتى وأن كانوا من الموظفين في الدولة فإن تأخر صرف الرواتب وخاصة المعلمين إلى أكثر من منتصف الشهر يسبب مشاكل كبيرة.
كانت ولا تزال الأحياء الكوردية تعيش حالة تعيسة، فانعدام المياه ونقص الخبز سببا إرباكاً كبيراً للأهالي، خاصة في فصل الشتاء، فكلاهما من الأساسيات في أي منزل. علماً أن شبكة قاطع مياه قامشلو كلها كانت في الهلالية وهناك أكثر من 10 أفران في الهلالية مع ذلك فإن أهالي الحي كانوا يضطرون لشراء الماء، والنزول إلى البلد لشراء الخبر بأسعار عالية، أو الانتظار في طوابير طويلة أمام الأفران ولساعات طوال تحت لهيب الشمس، وفي النهاية من المحتمل وشبه الأكيد أن يعود الغالبية دون خبز…
بين هذا وذاك ينتظر الآلاف من الشبان على الحدود بين قامشلو وتركيا للحصول على فرصة دخول تركيا، أو بين ديرك وكوردستان العراق بغية الدخول خلسة وتهريباً إلى هناك، هذا هو حال قامشلو اليوم.
بالأمس كُنا نُعرف باسم العشاق في مدينة العشق، اليوم أضحينا نوصف بالهاربين من مدينة الأشباح ومدينة الانتظار.

حنطة30

برومو الشهيد ناجي الجرف