جرن حنطة

مازلتُ أبحث..

محمد صالح – كاتب سياسي

النظام سيعمل كل جهده ليبقى في السلطة ولن يسمح بالتغيير إلا بإذنه وتحت رعايته، بل لن يسمح لك بتحيته بدون إذنه لأن مخاطر الحرية غير محببة بالنسبة له.
ماذا فعلت قوى المعارضة لتفتح الطريق نحو سورية الجديدة؟
خرج السوريون بأغلب المناطق السورية احتجاجاً على الظلم وتراكم المظالم وليس بسبب أطفال درعا وإنما كانت حادثة أطفال درعا سبباً مباشراً، وكما يعلم الجميع كان هناك دعوات في 5\2 \2011.كان الشارع هو المحرك وبدأت محاولات التنظيم للحراك القائم وتقدمت الأحزاب التقليدية محاولة قيادة الحراك كما تريد وهي أحزاب منهكة وفاشلة تاريخياً وبنفس القيادات الفاشلة. إضافة إلى تجمع الشباب الثائر بلجان التنسيق المحلية واتحاد التنسيقيات، وبدأت الحرب الإعلامية بين النظام وأتباعه من جهة وبين أعداء النظام من جهة أخرى. أقصد تماماً العبارة الأخيرة أعداء النظام ولكن ليسوا أصدقاء سورية، بل بعضهم أشد عداء منه لسورية ديموقراطية كما كانت الشعارات الأولى.
الإعلام الثوري كان بأغلبه موتوراً ولامصداقية له وخاصة لنفيه كل شيء يسيء لهذه الثورة بدلاً من انتقاد ذلك والاعتذار للسوريين المتضررين منه، وأهم نقطة كانت إنكار العنف الحاصل والتغطية عليه ونفيه واتهام قوى النظام. لكل شيء فعله النظام ولكل شيء فعله غيره. والناس هنا تعرف الحقيقة لذلك كان ينظر باحتقار إلى بعض الأبواق الإعلامية وتسبب لنا خسائر كبيرة بنظرة الناس إلينا.
خرج إلى الإعلام أُناسٌ طائفيون يتحدثون باسم ثورة سورية في مقابل إعلام مناصر للنظام يعتبرها ثورة سلفية، وكان لهؤلاء الطائفيون دورٌ بارز بتأجيج الصراع المذهبي داخل سورية وخاصة في مدينة حمص إذ بدأ مسلسل القتل والخطف الطائفي قبل أن يتطور إلى مواجهات طائفية بعض الأحيان وحصل ذلك في جب الجندلي.
أولى التجمعات الجديدة كانت هيئة التنسيق وكانت من مؤتمرها الأول في أيلول واضحة بضعفها وواضحة باستبداد عقل مؤتمريها حيث منع إعلام النظام من المشاركة وتم انتقاد النظام لعدم سماحه للإعلام غير المرغوب بالحضور إلى سورية.
أتت بعدها تداعيات تأسيس المجلس الوطني برئاسة غليون الشكلية وقيادة قطر الفعلية وكانت أولى لقاءات غليون كارثية ومنذ أول تصريح تبين أنهم جميعاً يسعون إلى موت صوت المواطنة الذي صرخنا من أجله (تصريح غليون أن ليس للعلويين مكاناً في الجيش والأمن في سورية المستقبل، ونحب أن نطمأن الأقليات بدولة المواطنة المنشودة) بربكم هل هذا حديث متزن لرئيس هيئة سياسية كالمجلس الوطني الذي خاطب السوريين كطوائف ومذاهب ولم يخاطبهم كسوريين. وربمّا علينا بالعودة إلى نداءات جورج صبرة في ذلك الحين (السيد صبرا وجه رسائل لكل طائفة بشكل منفرد).
كان هؤلاء القادة والمثقفون العلمانيون يدقون الأسافين بين السوريين عبر إعلام مسموم مكملين بذلك دور إعلام النظام، فكل الإعلام بدأ يتحدث لغةً طائفيةً وقحةً وأسئلته كانت تصب بهذا الاتجاه.
بدأت المحطات بالدم السني الواحد لتنتهي بالجيش المجوسي النصيري ممّا أدى إلى اعتبار فرع القاعدة في بلاد الشام جزءاً من الثورة السورية من بعض القوى التي تدّعي تمثيل السوريين، بل إنّ بعضها يدّعي وحدانية التمثيل، وبرغم التصريحات السابقة التي اعتبرت أنّ النصرة صنيعة النظام أصبحت هذه الصنيعة جزءٌ من الثورة. فهل أنتم والنظام شركاء إذاً؟ وماهي أهداف هذه الثورة إذا كانت القاعدة في بلاد الشام جزءاً منها؟ وهل هي ثورة سورية فعلاً أم هي ثورة سنية سلفية كما قال النظام؟ إنكم تؤكدون المرة تلو المرة على صحة إعلام النظام المغرق بالكذب، ومن هنا أقول بلا أدنى خجل أنّ كل من اعتبر النصرة جزءٌ من الثورة هو شريكٌ في سفك الدم وفي المساعدة على تقسيم سورية مذهبياً. والحجة المعتمدة هي أنه يتم قصفنا بالسلاح الروسي وطائرات الميغ الروسية، وأنا لاأعرف إذا كان هناك فرقٌ في موتنا برصاص روسي أو أمريكي.
خرج بعدها الدغيم ومناصريه بقصة العلم الآخر وتقسيم جديد للسوريين سرعان ما تلقفه الكثيرون واعتبروه علم الثورة رغم انعقاد مؤتمر التنسيق والمجلس الوطني تحت علم الجمهورية الحالي، هذا العقل الذي يريد فرض كلّ شيء يراه مناسباً يُشبه تماماً العقل الحاكم.
كان العقل الطائفي قصير النظر يُدير الاحتجاجات وتسمية الجُمع، وأولّ جمعة كانت ملفتة بالنسبة لي هي جمعة صالح العلي إذ كان التبرير هو القول للعلويين بأنّ الثورة ضد الطائفية. وهنا كانوا يقولون أنتم مختلفون عنّا ولكنّنا سنكون معاً، أنتم مع النظام ولكن يجب أن تعيدوا النظر، واسْتُقبل الشّباب باعتصام حمص بصفة ضيوف نعم، وبالفم الملآن على المنصة: أهلاً بضيفنا العلوي محمود عيسى.
جمعة اللا حوار كانت هي الأُخرى تُعبّر عن عقل إقصائي رديء فهل من سياسيّ يقول أنا ضدّ الحوار وبنفس الوقت ضدّ الحلّ العسكريّ؟ ماذا تريد بالضبط؟ تريد أن يعمل الآخرون على إيجاد حلّ لك وذلك كان واضحاً من خلال تصريحات الموتورين بأنّ أيام النظام معدودة وقريبة، وأنهم جاهزون لاستلام السلطة. كان توزيع الوهم وتصديره عبر الشاشات عندما كان التصريح تلو التصريح لم نذهب للتفاوض إلاّ لاستلام السلطة، لكن من يُريد أن يُسلّمك السّلطة لاحاجة لك وله للتفاوض. وقدّم المعارضون أنفسهم للعالم أنهم يريدون الحل العسكري وليس التفاوض، وهذا قمة بالغباء. فالكل يعلم أن النظام لايريد التفاوض مع أحد من السوريين، هو يعرف أن يُملي شروطه أو يقبل شروطاً تُملى عليه من القويّ، ولكن أين القوة التي يمتلكها المعارضون هنا؟
لم تُقدّم القوى التي كانت تسيطر على الأرض نموذجاً لإدارة المنطقة الخارجة عن سيطرة النظام إلاّ النسخة الأسوأ لممارسات النهب والسرقة، ومعامل حلب التي تمّ تفكيكها خيرُ مثال، والرقة مثالٌ آخر. إضافةً إلى تفريغ المنطقة من كل المذاهب الأُخرى بالتصفية الجسدية، ليأتي الدور إلى من يخالفهم الرأي حتّى لو لم يكن مُسلماً على مسطرتهم. قدموا أنفسهم للعالم كإرهابيين لا كثوريين، وهناك عشرات الأمثلة التي تم تسويقها، حتّى أنّ بعض الدول تناست دور النظام المعادي لكلّ شيءٍ إنسانيّ في سورية.
حتّى نرتقي إلى تضحيات السوريين علينا تقديم خطاب جامع لكلّ السوريين موالين ومعارضين بغرض كسب الشارع كله أو أغلبه، علينا أن نكون سوريين أولاً، وأن نُقدّم مصالح سورية أولاً لا مصالح الدول التي ارتبطت بها المعارضة، إذ يُفترض من القيادات السياسية في كلّ أرجاء العالم أن تعمل لمصلحة شعوبها من خلال تحالفاتها. ولكن أن يُقرّر وزير خارجية الولايات المتحدة أنّ هذه الهيئة أو تلك انتهى دورها ونمتثل له فتلك مأساة حقيقية، إذ امتثل قسمٌ لقطر وتركيا، وامتثل قسمٌ آخر لإيران أو روسيا، نحتاج إلى قيادة سورية تعمل لمصلحة السوريين تُشبه السوريين بالواقع ولا تُشبه السياسيين على الإعلام. وما زلتُ أبحث عن هذه القيادة.

حنطة36 حنطة37

برومو الشهيد ناجي الجرف