جرن حنطة

معوقات نشر الديمقراطية ومعوقات الحل السلمي في المشهد السوري

وائل واصل – محامي.. مركز المواطنة المتساوية

هناك برأينا أربع معوقات في وجه نشر الديمقراطية في سورية، وهي:
أولاً: معوقات متعلقة بالنظام الحاكم ورموزه
ورجالات الأمن..
ثانياً : معوقات معلقة بالشعب ذاته
ثالثاً : معوقات متعلقة بالقوى المعارضة
رابعاً : معوقات دولية منها إقليمية إسرائيلية، وإيرانية، وعربية، ومنها دولية أمريكية
أولاً: معوقات متعلقة بالنظام الحاكم ورموزه ورجالات الأمن
بدايةً، إن النظام ورموزه ورجالات الأمن يعرفون أنهم حكموا في ظل نظام عالمي كان وما زال مؤيداً لهم، ويعلمون أن أي نظام آخر في سورية سيكون ويبقى بدعم النظام العالمي له فقط. دعمٌ يؤمن استقرار التوازنات المقررة من الحكومة العالمية، إذ لن يُسمح للسوريين بسيادة واستقلال مطلقين، ومـادام الوضع كــذلك فلماذا لا يبقون في السلطة بما أنهم استطاعوا – نوعاً ما – الحفاظ على تلك التوازنات، وبذلك يكون بقاؤهم في السلطة والدفاع عن هذا البقاء أهم قرار لهم ولو كان ذلك على حساب المصلحة الوطنية أو أي شيء آخر، سيما وأنهم يخشون مصيرهم، فهم لا يريدون أن يعودوا مواطنين عاديين بأحسن التوقعات، ويخشون عزلهم ومصادرة أموالهم وإفقارهم، أو يخشون إقصاءهم وأهاليهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، أو محاكمتهم في أسوأ التوقعات. 1
وهم بهذه الرؤية يتساءلون كيف سيكون مستقبلهم في سورية الديمقراطية، إذ لا مصلحة لهم بالسماح في الانتقال بسورية إلى سورية جديدة ديمقراطية.
إن هذا التفكير وهذا الموقف يمكن تبريرهما إذا كانا مبنيان على الخوف، أما بناءه على المصلحة الشخصية والاعتقاد باستمرار الدعم الدولي فيُوقعهم بفساد الاستدلال والبناء، ويصب في غير مصلحتهم الشخصية، فلا مصلحة لهم لا على المدى المتوسط أو البعيد، ولا حتى على المدى القريب أيضاً، ولن يكون من مصلحة النظام ورموزه ورجالات الأمن استمرار سلطتهم ونفوذهم بقوة الحديد والنار، هذا مع الافتراض جدلاً بإمكانية استمرارها، وذلك لسبب بسيط جداً يجب أن يكون نصب أعينهم دائماً، سبب تاريخي يظهر في حتمية وجود نهاية متمثلة باتفاق سياسي، وبالتالي سيكون هناك نهاية سياسية ما لهذا التأزم، يمكن أن تأتي فجأة وبوقت غير متوقع، ويمكن أن تأتي من خلالهم أنفسهم إذا كان لهم دور في رسم هذه النهاية، وقد تأتي على حساب كثيرين منهم، وبكل الأحوال سيكون هناك تضحية وبعدة طرق وبعدة شخصيات من النظام ورجالاته، أكان ذلك بالعزل أم بالمحاكمات أم بالتصفيات والنفي والسجن والإعدام وغير ذلك، ناهيكم عن الانتقامات الفردية التي قد تطالهم أو ذويهم أو أولادهم، وناهيكم كذلك عن عيشهم لحياة يملؤها الشعور بالخوف المستمر والحاجة إلى الحماية المباشرة مدى حياتهم على نحو مستمر، وكذلك إمكانية تدخل عسكري محدود ومركّز، ومن غير الحكمة استبعاد هذا «الخيار».
إضافةً لما سبق يجب على النظام ورجالاته توقع نظام سياسي جديد قادم في سورية بالتأكيد سيضع حداً للنفوذ المطلق الذي يتمتع به النظام ورموزه، ومن العبثية أن يدعّي النظام ورموزه ورجالاته ضمان بقائهم إلى الأبد، كما من الخيال الإدعاء أن أياً منهم لن يكون من كباش الفداء.
هذا من ناحية، من ناحية أخرى، وإذا افترضنا بقاءً طويلاً للنظام ورموزه، فلن يكون هؤلاء محظوظين وسعداء بالاستمرار باستلام بلد مدمر والسيطرة عليه وتحمل مسؤولية النهوض فيه بمفردهم، حيث الأعباء والمهام الجسام الاستثنائية وحيث لن يشارك أي رأس مال مهم سوري أو أجنبي بالاستثمار في هذا البلد، إلا إذا كان استثماراً فاسداً أو صغيراً وقابلاً للانضواء تحت لواء النظام، ولن يكون هناك أي فرصة لبناء الثقة بالبلد كبلد قانون.
والكل يعلم أنه لن يكون هناك إمكانية لاحترام القانون في ظل وجود هذا النظام بأدواته غير المتطورة وغير المنتجة والعديمة الإنجازات على الصعيد العام والوطني وحتى الشخصي، لذلك لن تتعزز الثقة في الدولة، لاسيما في القضاء الذي هو أهم عامل لتمكين الاستثمار وعودته إلى البلد، لاسيما رأس المال السوري، ناهيكم عن تدني المستوى المهني والعلمي وسوء السلوك غير الحضاري لموظفي إدارات الدولة، الذين باتوا ينشدون استغلال وظيفتهم لابتزاز الناس والكسب غير المشروع، وقد اعتادوا الكسل وصاروا غير محبين للعمل الذي هم أصلاً لا يتقنوه، فكثيرون منهم حصلوا على وظيفتهم بالمحسوبية والرشوة، وبذلك يكون لا أمل لإدارة البلاد بذات السلوك وذات الإدارة ورموزها، وتأكيداً لعدم إمكانية إحداث تطور حقيقي بالواقع السوري في ظل النظام نفسه وإداراته وسلوكه، فلننظر إلى مرحلة الثمانينات بعد أحداث حماة أو بعد عام الألفين وقبل بدء الثورة وتفجر الأوضاع في سورية، فإننا لا نجد أي شركة مهمة أو أي بنك مهم أو شركة تأمين أو أي مجال أعمال دولي أو سوري مهم تأسس في هذا البلد الذي يتحكم فيه الفساد على كل المستويات ويغيب فيه القانون والعدالة، وحيث تعطل القضاء بشكل شبه تام، وهذا كان في ظروف أقل خطورة بكثير مما هي عليه البلاد الآن من دمار وامتهان للفساد ولاقتصاديات الحروب والأزمات.
كما لن يكون هذا النظام ورموزه ورجالاته محظوظين وسعداء بالاستمرار باستلام بلد بحجم الأعباء الجسام التي ستلقى على كاهل النظام الذي سيحكم سورية، من مثل أعباء الفقر والتعويضات ومعالجة أزمة اللاجئين والمهجرين وإعادة البناء والبنى التحتية، وغير ذلك مما لم ينجح فيه النظام قبلاً حتى ينجح به في مثل هذه الظروف المفجعة، والتي ليس لها مثيل، وفي وقت لن يجد فيه من يساعده إلا بالفتات ولغايات خاصة، فأي عبء سيكون على نظام لا يحظى برضىً من الشعب وتعاونه.
ومن ناحية أخرى أيضاً يكون من الخطأ وفساد الرؤية الاعتماد على الدعم الدولي، إذ أن الدول التي تساعد النظام بالظاهر وخفيةً، لن تستمر بدعمه طويلاً ولو أنه من الممكن أنها لن تتخلى عنه، ولكن ماذا ستقدم له وهي تعاني أكثر منه اقتصادياً، كما يمكننا أن نسأل ماذا لو تخلت هذه الدول عنه كلياً في لعبة المصالح؟.
يجب على النظام ورموزه ورجالات الأمن والمرتبطين بهم أن يجابهوا ويصارحوا أنفسهم، كيف اعتادوا الإحساس بأنهم أعلى الناس زوراً وبهتاناً، وأن باستطاعتهم فعل أي شيء، والحصول على أي شيء بحق أو بدونه. هذا الإحساس جعلهم ويجعلهم يرفضون نقل سورية إلى الديمقراطية، لأن الديمقراطية ستعريهم أمام أنفسهم وسيكتشفون انعدام شعبيتهم، وتفوق الآخرين عليهم بمعظم مجالات الحياة. هم يعرفون في أعماقهم فقرهم الثقافي والمعرفي والاجتماعي ويشعرون بضعف ثقتهم بأنفسهم وعدم قدرتهم على الصمود اقتصادياً إذا ما تركوا السلطة، حتى لو بقيت ثرواتهم الطائلة معهم، هذه الثروات التي جمعوها باحتراف طرق غير مقبولة إنسانياً وقانونياً، ويجب أن يصارحوا أنفسهم بحقيقتهم وحجمهم وأن يتساءلوا ولو في قريرة أنفسهم كيف يمكن أن نقلّص من الخسائر عند انتقال البلاد إلى الديمقراطية، لا أن يكابروا ويغشوا أنفسهم بأنهم أبديين في مقاعدهم، وليضعوا الخطة ب والخطة ج وحتى الخطة ياء لو تطلب الأمر.
هذا إضافة إلى من ارتبطت مصالحهم بالأزمة أو ما بات يعرف باقتصاد الأزمة الذي نما من خلال احتراف الخطف والرشوة والسرقة والنهب واستغلال حال التسيب، هؤلاء المرتبطون بهكذا اقتصاد، يستثمرون باستمرار الحرب والنزاع وهم يخشون على مكتسباتهم من أي انتقال للسلطة أو أي إصلاح حقيقي فيها، مثلهم مثل النظام ورموزه، خاصة من امتهن الخطف والسلب والسرقة، ورغم أن تأثيرهم ضعيف في مقاومة أي حل يمكن اقتراحه لحل الأزمة ولو كان على مصالحهم، ولكن دورهم مهم في استمرار تعنت السلطة وبعض رموز المعارضة في رفض الانتقال السياسي، ويجب إيجاد مصلحة لهم بإنهاء النزاع بأن لا تكون العدالة على حسابهم فقط إلا من كان معروفاً منهم فسيحاكم.
أسباب كثيرة يفترض أن تدفع النظام ورموزه ورجالات الأمن لأن يجدوا طريقاً ما، يستطيعون من خلالها استرداد سيادة القرار السوري وبطريقة تسمح لسورية الانتقال إلى الحرية والديمقراطية، مع الحفاظ لهم على آفاق مستقبلية تكون بالنسبة إليهم كريمة وعادلة، لا يكون فيها تمييز ويكون لكن امرئٍ حجمه الذي يتقبله بسلام فيلتفت لحياة العمل الحقيقي السياسي والاقتصادي والمنافسة العادلة فهذا وحده فيه مصلحتهم، ويقطع الطريق أمام كل من يريد أن يضحي بأيّ من رجالات النظام مهما قلّ عدد هؤلاء الرجال أم ازداد، كما يمكن لهذا التوجه وضع حد لهذا الاحتقان الحاد والحقد المتنامي بين مكونات الشعب، ويؤسس لمصالحة حقيقية بين مكوناته وقواه، كي تتضافر الجهود والنوايا في استشفاء النفوس واستنهاض الهمم وتوحيدها لإعادة البناء والتطلع إلى الأمام، وهذا التوجه وحده يمكن أن ينمي مشاعر إيجابية لتكون وتشكل قاعدة للصلح والمصالحة والمسامحة والعفو الذي يحتاج أكبر قدر من الإيمان والمحبة، وهو أصعب المواقف التي يمكن أن يتبناها إنسان (العفو عند المقدرة) وبذلك نضع حداً للآلام المتنامية، كما أن المصالحة الحقيقية التي تعطي كل ذي حق حقه، وحدها التي ستقلب الطاولة على أعداء سورية الذين يستثمرون في استمرار مشاعر الحقد والتعالي والإقصاء والانتقام من الآخر، والمسامحة حتى تصير واقعاً تحتاج إلى الاعتراف بالآخر وبمخاوفه وطلباته المحقة.
وهذا يمكن تحقيقه مرحلياً بشكل يوازن بين مصلحة الشعب ومصلحة هؤلاء الرجالات والرموز.

حنطة38 حنطة39

برومو الشهيد ناجي الجرف