جرن حنطة

هل يجلب الطاغية شوكولاتة إلى أولاده؟

عبد الرزاق دحنون

« إذا ذاق المرء قطعة من لحم البشر تحول إلى ذئب, ومن يقتل الناس ظلماً وعدواناً, ويذق بلسان وفم دنسين دماء أهله ويشردهم ويقتلهم, فمن المحتم أن ينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية, ويتحول إلى ذئب»
أفلاطون في جمهوريته
1
تُرى كيف ينسج «الطاغية» رداءه؟ وكيف يطرز قميصه ويشكل يديه ولسانه وأنفه ثم جسده كي يكون في خدمة الآلة الكبرى التي تمسح وتبتر وتشوه القيم الإنسانية في الفرد؟ أي قوة وأي قسوة وأي وحشية لابن الوطن وهو يعذب ابن وطنه؟ أي سرداب موحش هذا الذي يدخل فيه ليحول البشر لآلام لا تدمر المرء, ولكنها تمنع وجوده, وهي لا تستبده, ولكنها تعتصره وتوهنه وتخمده وتخدره , بل وتفعل ذلك في الأمة كلها, لكي لا تكون شيئاً أكثر من قطعان حيوانات خائفة مذعورة ؟ هل يحوّل «الطاغية» الوطن برمته إلى ثكنة عسكرية كما فعل هتلر أو مخفر شرطة كما فعل موسو ليني أو مسلخ بشري كم فعل فرانكو؟ كيف يُمارس «الطاغية» الحُبَّ ؟ وكيف يُنجب أولاداً؟ أي رائحة لبيته؟ ما لون سريره ومخدته التي ينام عليها؟ ما نوع الأزهار المرسومة على شرشفه؟ ما شكل لحافه الذي يلتحفه في الشتاء؟ ما نوع اللهفة المتوحشة في الأنفاس اللاهثة للجنس والسرير الأنثوي؟ هل يجلب «الطاغية» شوكولاتة إلى أولاده؟ ما طعم قبلته على خد زوجته؟ كيف ينظر إلى نفسه في المرآة ورغوة الصابون تطلي وجهه وقت الحلاقة؟
2
هذه التساؤلات اللجوجة الجارحة أطلقها المسرحي العراقي المتميز «جواد الأسدي» في قراءة نص مسرحي قام بإخراجه من تأليف سعدالله ونوس وقد اقتطعتها من سياقها وسقتها هنا بتصرف لأصل إلى كتاب «الطاغية» من تأليف الأستاذ الدكتور «إمام عبدالفتاح إمام» وهو دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي. و الكتاب لخطورة أفكاره وجرأتها, والتي شابهت ما طرحه جيمس سكوت في كتابه الخطير «المقاومة بالحيلة, كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم» فقد طبع مرات عديدة وصودرت أغلب طبعاته في كل الدول العربية حتى الطبعة الأولى المحترمة التي صدرت عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية رقم/183 / في مارس- آذار- عام 1994 والتي لا نعلم عدد نسخها لم تصل هي الأخرى إلى القارئ العربي. يتساءل المؤلف في مقدمة كتابه: من يجرؤ على القول في حضرة «الطاغية» ما بقي متربعاً على كرسي الحكم؟ نعم… من يجرؤ على القول في عهد هتلر أو موسو ليني أو فرانكو ؟ فإذا ما تنفس الناس الصعداء بعد زوال هذا أو ذاك, نسوا, أو تعمدوا نسيان تلك الأيام السوداء التي عاشوها في ظله, وظنوا -واهمين- أنها ذهبت إلى غير رجعة. مع أن الأمر مختلف عن ذلك أتم الاختلاف, لأن طول ألفة الفرد مع «الطاغية» لم يعُد يجد -أي الفرد- معها حرجاً ولا غضاضة في الحديث اليومي عن إيجابياته وما فعله من أجلهم من جليل الأعمال. فحتى لو افترضنا صحة هذه «الإيجابيات الهائلة» فما قيمتها إذا كان ثمنها تدمير الإنسان وتحطيم قيمه وتحويل أفراد الشعب إلى جماجم وهياكل عظمية تسير في طول البلاد وعرضها منزوعة الضمير والوجدان, شخصيات تافهة تطحنها مشاعر الدونية والعجز و اللاجدوى, صغيرة النفس, منخورة العزيمة؟
3
في «النظريات السياسية القديمة والحديثة» هناك فكرة واحدة لا خلاف عليها هي أن حكم «الطاغية» هو أسوأ أنواع الحكم وأكثرها فساداً, لأنه نظام يستخدم السلطة استخداماً فاسداً ,كما يسيء استخدام العنف ضد الموجودات البشرية التي تخضع له. وقد لا حظ أرسطو بحق أنه» لا يوجد رجل حر قادر على تحمل مثل هذا الضرب من الحكم ,إذا كان في استطاعته أن يهرب منه» فالإنسان الحر لا يتحمل مثل هذه الأشكال التعسفية من الحكم, إلا مرغماً, أي إذا سُدتْ أمامه كل أبواب الانعتاق. لذلك فإن عبارة أرسطو تُعبّر بدقة عن أولئك الذين يعشقون الحرية, ويمقتون العبودية, وينظرون إلى الطغيان على أنه تدمير للإنسان لأنه يُحيل البشر إلى عظام نخرة. والمستبد يرغب في أن تكون رعيته كالغنم دوراً وطاعة, وكالكلاب تذللاً وتملقاً, والمثل الصيني يقول: ليس أمام الغنم اختيار عندما تكون بين براثن ذئب. ولا شك أن الاستبداد يهدم إنسانية الإنسان, والطغيان يُحيل البشر إلى عبيد, وإذا تحول الناس إلى عبيد أو حيوانات فقدوا قيمهم, فلا إخلاص, ولا ضمير, ولا وجدان, ولا أمانة, ولا صدق, ولا شجاعة, بل كذب ,ونفاق, وتملق, ورياء, وتذلل ومداهنة ومحاولة للوصول إلى الأغراض والغايات من أحط السبل وأقذرها.
4
وهكذا يتحول المجتمع في ظل «الطاغية» إلى عيون وجواسيس يُراقب بعضها بعضاً, ويُرشد بعضها عن البعض. وليس بخاف ما نراه في الكثير من المجتمعات العربية من أخ يُرشد عن أخيه, وجار يكتب تقارير عن جاره, ومرؤوس يكتب زيفاً عن رئيسه. ومهما أنجز «الطاغية» من أعمال, ومهما قام من بناء ورقي جميل في ظاهره, فلا قيمة لأعماله, إذا يكفيه أنه دمَّر الإنسان. إن تاريخنا هو تاريخ الاستبداد والتسلط على رقاب العباد من أقدم العصور حتى الآن, وقد حكمنا الطغاة على تنوع نحللهم وأشكالهم وألواعهم, ولو فكرنا في الأمر لوجدنا أن حكم «الطاغية» هو السبب الحقيقي وراء تخلفنا الفكري والعلمي والاقتصادي, وأن الاستبداد هو المصدر الأساسي لكل رذائلنا الخلقية والاجتماعية والسياسية, لأن المواطن إذا فقد حريته الفردية, أعني وعيه الذاتي أو شخصيته المستقلة, وأصبح مدمجاً مع غيره في كتلة واحدة لا تمايز فيها كما هو الحال في قطيع الغنم فقد ضاعت آدميته في اللحظة نفسها, و قُتل فيه الخلق والابداع وانعدم الابتكار, بل يصبح المبدع إن وجد, منحرفاً والمبتكر شاذاً وخارجاً عن الجماعة. ومن ينظر في تكوين شخصية «الطاغية» ويسبر أغوار هذه النفس الآثمة يجد خواء يسده البطش… فقيرة وصغيرة هي نفس «الطاغية» التي تبطش بالأشياء والأحياء بطش الصبيان. فقيرة يا- أبا العلاء المعري- هي تلك النفوس التي لا تُخفف الوطء لأنها لا تدري أن أديم الأرض هي من هذه الأجساد.

حنطة40

برومو الشهيد ناجي الجرف