رحى

«النظام و التنظيم « في الميزان الخلدوني.. حلقة 2

د. عبد الفراتي

كنّا قد تعرضنا في الحلقة الأولى من هذه البحث إلى انعكاسات النظرية العصبوية الخلدونية على مراحل نشأة وتطور النظام السوري وصولاً إلى مرحلة الثورة السورية مع الشهر الثالث من عام 2011، وكنا قد فصلنا لمراحل تطور النظام إلى شكل الدولة مروراً بالأطوار الثلاثة التي حددها بن خلدون لمراحل عمر الدول: وهي دور النشأة والتأسيس، دور الازدهار والتوسع، ودور الشيخوخة والهرم. وعلى ذات النهج الذي سرنا عليه في الحلقة الأولى، وعلى نفس الميزان الخلدوني، نتابع في هذه الحلقة تطور تنظيم الدولة الإسلامية وفق الأطوار الثلاثة، ونستجلي مدى انطباق النظرية العصبوية الخلدونية مع مراحل نشأة وتطور تنظيم الدولة الإسلامية.
«إن الجيل الوحشي أشد شجاعة من الجيل الآخر، فهم أقدر على التغلب وانتزاع ما في أيدي سواهم من الأمم، بل الجيل الواحد تختلف أحواله في ذلك في ذلك باختلاف الأعمار فكلما نزلوا الأرياف وتقبلوا النعيم، وألفوا فوائد الخصب في المعاش والنعيم، تنقص من شجاعتهم بقدر ما ينقص من توحشهم وبداوتهم..». ذلك ما قاله ابن خلدون عن بداية العصبية، لكن المقاربة تختلف عما هو الحال عليه في حالة النظام السوري، وما سبق الإشارة إليه من أحوال الطائفة العلوية في الماضي وما لحق بها من تطورات متلاحقة، إذ أن البنية الاجتماعية والايديولوجية للتنظيم، تخلق من مقارنته بالنظام على ميزان الدول، ضرباً من الجدل بين معترف به كدولة قائمة، ومُنكر لها. ويُعزّز ذلك الانتفاء التام للعصبية القبلية البسيطة، ونعني عصبية الدم والقرابة التي جمعت العلويين كطائفة عصبوية ولم تجمع التنظيم المكون من عديد من الأجناس البشرية ليس بينها قرابة دم. ولذا في سبيل المقارنة، سيُعمد إلى العودة بالتنظيم إلى الأصول المرجعية والأبوية له المتمثلة بإعادة إنتاج فكر القاعدة، وبإسقاط تلك المقاربة على النظرية العصبوية الخلدونية، سيكون الجيل الوحشي، هو الجيل الأول من تنظيم الدولة الإسلامية المنشق عن جبهة النصرة في النموذج السوري مع منتصف عام 2012، وهو الجيل الذي بدأ صغيراً قليل العدد، متعصباً، وانتهى إلى تكوين عصبوية صغرى داخل العصبية الأم – جبهة النصرة – وتمدد داخلها تدريجياً، ليفضي إلى عصبية جديدة ذات منهج ومشروع جديدين.
وكما هو الحال في تغلب عصبية النظام – كما سبق وأشرنا في الحلقة الماضية – على سائر العصبيات الأخرى، وهي المكونات الاجتماعية للمجتمع السوري من أقليات وأكثريات، فإن إسقاط ذينك العاملين الذي وفرا لذلك التغلب أسبابه على حالة تنظيم الدولة الإسلامية، سيكون وفقاً لما يلي:
أما العامل الأول: والمتمثل بجمع أبناء العصبية حول فحواها، فعلى خلاف حالة النظام الذي استقطب وجيّش الطائفة عبر قرابة الدم والقربى. فإن تنظيم الدولة الإسلامية، استغنى عن هذا العامل نهائياً، بل سعى لإزالته عبر الاندماج في العقيدة الأكبر، وهي أخوة الإسلام والجهاد، فلم يعد معها يُؤبه للقرابة والعشيرة والعائلة واللون والجنس والجنسية، بل اندمج المنتمون للعصبية في الإيديولوجية الواسعة التي ضمت في جنباتها كل تلك الاختلافات، فتهيأ معها الجيل الأول عصبوياً.
أما العامل الثاني، فتمثل في ضعف العصبيات الأخرى الموازية لعصبية الدولة الإسلامية، وفي هذه الحالة، وفي النموذج السوري تحديداً، تمثلت تلك العصبيات الضعيفة، بجبهة النصرة، والجيش الحر، وسائر الحركات وفصائل المعارضة السورية، التي رغم تفوقها – في مراحل متعددة – كماً ونوعاً، إلا أنها لم تشكل عصبية متماسكة ومنظمة قادرة على مقابلة العصبية المتماسكة لتنظيم الدولة الإسلامية، وكما هو الحال في حالة الأكثريات والأقليات في النظام السوري، فقد ألفت هذه العصبيات الصغرى، رغد العيش والتنعم بعدما سيطرت على ما يقارب من ثلاثة أرباع مساحة البلاد وتهيأ لها العديد من الموارد، ولا سيما النفط، إلا أن ضعف التنظيم وتشتت الولاءات وروح الفردية والتنافس على الفتات وغياب الأفق، وغيرها من العوامل التي سادت الحال آنذاك، مهدت لهذه العصبيات الصغرى طور الشيخوخة والهرم، وهيأت – على غير قصد منها عصبية الدولة الإسلامية، لتدخل المرحلة الثانية من تطورها، وهي مرحلة الازدهار والتمدد، والتي تدرجت من السيطرة على مساحات واسعة من سورية، خاصة في محافظات الرقة ويدير الزور وحلب في سورية، تزامناً مع التوسع في العراق، والسيطرة على مساحات واسعة من محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى والأنبار، بل وتهديد إقليم كردستان العراق، وتوجت هذه المرحلة فعلياً بإعلان الخلافة الإسلامية، ومبايعة البغدادي أميراً للمؤمنين، وعند هذه النقطة انتهى طور النشأة والتأسيس، وبدأت مرحلة التوسع والازدهار لتصل إلى أوج اتساعها.
وعلى ذات النسق مما ذكرناه في الحلقة السابقة، فإن توافر ذينك العاملين المهمين- أشار لهما ابن خلدون سابقاً- في الحالة السورية، عزز إلى حد بعيد وصول تنظيم الدولة الإسلامية لهذه المرحلة من تطوره في مراحل الدولة، فالعامل الأول تمثل في « الشوكة والعصبية «، وهذا العامل توافر على نحو يكاد يتفرد به التنظيم حتى على الدول القائمة من ناحية الكفاءة والتكتيك العسكريين، إلى جانب العنصر المعنوي ذو التأثير الأكبر، الذي مكّن التنظيم من الاستغناء عن الأعداد الهائلة من الشرطة والأمن من خلال منهجيته في بث الرهبة في قلوب خصومه من خلال ما يعرف بـ» إدارة التوحش «، فتحققت له الشوكة، وعززت العقيدة العصبوية التي يُبنى عليها منهج التنظيم كله، فتحقق العامل الأول.
وأما العامل الثاني فقد انصرف للمال، والذي بدونه لا يمكن صناعة الدولة ولا استمرارها، وهو يتناسب كما ذكر ابن خلدون مع تدرج الدولة وتطورها، إذ يلاحظ في بداية عهد الدولة أنها تكون قليلة الإنفاق نظراً لاقتصار دورها على ما يعرف بـ « الدولة الحارسة « المتمثلة بالأمن والقضاء والدفاع، وهي أولى المهام التي شرع التنظيم بالعمل عليها منذ بدء سيطرته على المناطق المذكورة سابقاً، فجاءت الشرطة الإسلامية، والمحاكم الشرعية، إلى جانب المقاتلين الذين يتولون الأعمال العسكرية، العصب الأول والرئيس للتنظيم. ولأجل تلك الأهداف فقد كان لزاماً على العصبية الجديدة المتمثلة بعقيدة تنظيم الدولة الإسلامية، إيجاد الموارد المالية اللازمة لهذا الغرض، فبدأت السيطرة على حقول النفط، وبيع الإنتاج في السوق السوداء، وكذلك فرض الإتاوات والغرامات والضرائب والجزية على السكان في مناطق سيطرته، إلى جانب عمليات الخطف وطلب الفدية، وغيرها من العمليات التي مولت التنظيم، وقوت من الشوكة والعصبية، وأمنت لها توافر العامل الثاني، ليفضي التنظيم في أوائل هذا العام وقد سيطر على مساحة تعادل دولتين من دول الجوار، وأًصدر موازنة عامة بقيمة 2.5 مليار دولار، ما يجعل تنظيم الدولة الإسلامية أحد أغنى التنظيمات الراديكالية على مر التاريخ المعاصر.
وبالعودة إلى مصطلح « المصطنعين إلى العصبية « الذي أورده ابن خلدون في حديثه عن أولئك المنضوين تحت راية العصبية دون أن يكونوا منها، ولا تجمعهم بالعصبية سوى وشائج من عصبية أخرى هي العصبية النفعية من سلطة وجاه ومصالح، ينتسبون لأجلها إلى العصبية ويخوضون معها، إلا أن الفرق الذي يجب ملاحظته هنا، أن العصبية التي تبتنى عليها إيديولوجية التنظيم دينية، وتحمل في طياتها عقيدة الولاء والبراء والمبايعة، ولذا فهي أصعب تحقيقاً نسبياً من العصبية النفعية الكلاسيكية، إذ يصعب على المنتسب لهذه العصبية تحييد فكره عن العصبية العامة التي تسم الفكر والحياة اليومية، قولاً وعملاً، وغير ذلك تخضع – في جانبها العراقي – إلى شروط موضوعية أخرى، تتعلق بـ» المظلومية السنية» في عهد المالكي، وانخراط عديد من جنود وضباط الجيش السابق في التنظيم، لا اعتقاداً وتسليماً بفكره، قدر امتطاء صهوة الرعب والانتقام من الطرف الآخر الشيعي، وهو ما ينسحب إلى حد ما على بعض الفصائل في سورية التي بايعت التنظيم، رغم اختلافها الإيديولوجي عنه، كما أن ما يوفره التنظيم من دعم لوجستي ومادي وإغراءات أخرى ساعد من توسيع شريحة المنضمين إليه، يائسين من انفراج مالي أو نوعي يقلب موازين القوى في صراعهم مع النظام أو مع التنظيم نفسه.
ومع توافر هذين العاملين، فإن طور الاتساع والازدهار استمر، بل وتدرج معه التنظيم أكثر تعقيداً وغموضاً مع تعدد الأجهزة التي أنشأها، من استخبارات وشرطة عسكرية وغيرها، كما اتسع في التنظيم المالي وتمدد لمؤسسات التعليم والخدمات وكل مرافق الدولة، ليضفي عليها الصبغة الإسلامية، محدثاً فصاماً قسرياً لـ» دولة بلا هيكل وهيكل بلا دولة»، فمن مؤسسة الزكاة، إلى هيئة الخدمات الإسلامية، إلى الشرطة الإسلامية… تستمر إدارة التوحش ومأسسة الفصام، ومعها تزداد العصبية ترسخاً، ويزداد الإنفاق وهو ما حدا بالتنظيم حتى لطرح عملة خاصة به من الذهب والفضة والمعادن، ليحقق استقلالاً مالياً واقتصادياً.
وبغض النظر عن ذلك فإن طور الاتساع والازدهار، قد يكون مستمراً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، الفشل العملي للتحالف الدولي لإنهاء وجود التنظيم، وقد يكون انتهى فعلاً مع بدء عمليات التحالف، التي حدت من اتساع التنظيم إلى حد ما- جغرافياً ومالياً على الأقل، وبوتيرتين مختلفتين بين العراق وسورية- كلا الاحتمالين وارد، وليس بوسع أحد عملياً أن يتنبأ بتاريخ محدد أو حقيقي، بدء طور الهرم أو الشيخوخة لعصبية تنظيم الدولة الإسلامية، إذ يرتهن ذلك بمدى قدرة التحالف على إنهاء ما عزم عليه من هزيمة التنظيم، وكذلك بمدى قدرة التنظيم على الصمود والمراوغة، وهو الذي احترف ويحترف حرب العصابات، لكن انكفاء التنظيم إلى الدفاع أكثر منه من الهجوم، وإيديولوجيته التي تقوم على تحدي العالم ومحاربة الجميع -التي تعطي انطباعاً مسبقاً عن رغبة الاستنزاف – قد تؤشر إلى حد ما إلى بداية دخول طور الهرم، أو الاقتراب منه على أقل الاحتمالات، وحدها الأيام ستكشف ذلك.

حنطة41 حنطة42

برومو الشهيد ناجي الجرف