خميرة

فيسبوكيات

جفرا سيف الدين

1
نعم موجود , أبحث مرةً أخرى في الإحصاءات
هل أنتَ مكتئب؟.. مؤرق؟.. تحب الشوكولا سوداء؟.. تشجع منتخب البرازيل؟.. تفضل الرواية؟.. القصة القصيرة؟.. التنورة القصيرة؟.. تتمشى بعد العشاء؟.. تقع في الحب بمعدل شخص كل سنة؟.. تتغوط في الساعة السابعة صباحاُ؟.. تفكر بأخت زوجتك و أنت تمارس العادة السرية؟.. تخاف من العتمة؟.. تفضل التفاح الأحمر؟.. تسر لنجاتك كلما شاهدت نشرة الأخبار؟.. مثقف نخبوي (غامض) في السويد حضرتك أم طفل (واضح) منتفخ البطن جوعاً في الصومال؟
كله موجود في الإحصاءات.. لست شريراً كما تعتقد ولا خيراً إن كنت تظن ذلك .. فقط موجود.. في الإحصاءات..
2
شمس يا جماعة شمس .. اعذروني فأنا اليوم حيوانة بكل معنى الكلمة .. تمرغتُ بالعشب كجرو صغير محبوب من صاحبه, غنيتُ عن الأمل و أتصلتُ بحبيبي السابق و قلت له « أغفر لك كل ما كان من إساءات و أغفر سلفاكل ما سأعانيه في غيابك و أغفر تمسكك بالكرسي الأخضر القديم، الذي كنت تحبه أكثر مني، و أغفر لك رفضك اعطائي معطفك في البرد كباقي المحبين» . اتصلتُ بأمي و قلتُ لها: أنا هنا, لقد عدت .. افتحي الشباك لن أبكي و نحن نشرب القهوة , اعدك».
اتصلت بأبي و قلت له : البلد ستكون بخير سنعالج الجراح بالقراءة و الفطائر المحلاة و السهرات الطويلة في الخرائب الكثيرة ..
ركضتُ وضحكتُ ثم فقدتُ الوعي شمال حقل البصل بجانب شجرة المايبل الكبيرة حيث رسمت قلباً بمسمار على الجزع العجوز, السنة الماضية في مثل هذا الوقت, عندما طلعت الشمس..
3
في العطل بعد أن أعتكف في المطبخ لمدة 10 ساعات على الأقل , ألتهم خلالها كل ما يقع تحت يدي لأعوض الحريرات التي صرفتها في أسبوع العمل الطويل يبدأ جسمي بالتململ فأنتبه له .. أه أنت هنا .. لدي كتف ..ماذا أفعل بك؟..
أنسى أحيانا أن لي جسد .. يفاجئني كثيراً .. لا أعرف ماذا أفعل به .. ماذا أفعل برأسي مثلاً؟ .. أنحني و اتركه يتدلى كبرتقالة عفنة؟.. أرفعه و أتنفس الهواء القادم من جهة الشرق، أم أن الهواء الغربي أوسع و أكثر إنعاشاً؟.. أخلعه عني و أعلقه على مسمار بجانب المعاطف و الأحذية؟.. لا يلزمني كثيراً, أنا في الأحوال العادية أفكر بأنفي .. أشم الأفكار لأفهمها.. لخبطة حقيقية في وظائف جسمي .. الحب يحصل في معدتي مثلاً, تتقلص و تنفتح أو تنكسر و تنغلق على نفسها.. قلبي له وظيفة أخرى بعد أن سرقتْ معدتي عمله، هو يندهش فقط .. يخفق كثيراً بدون أن ينفلت , لا أفهم ضرورته ..
تداعيات غريبة ..طبعاً فأنا ( المتعلمة , خريجة الجامعات) لا أستطيع ترك شيء , أي شي, يقوم بعمله بدون ثرثرة, يجب أن ألفق له معنى عميق جداً, عميق كعقوبة.. ماذا كنت أقول؟.. نعم.. المعنى.. أنا مشلولة و لا أريد أن أفعل شيئاُ.
4
أصابتني اليوم لعنة يوم الأحد
دعيتُ للمرة الأولى الى منزل أحد الأصدقاء لشرب القهوة , كانت الغرفة التي استقبلني فيها المضيف نظيفة جداً و مرتبة كمصيبة.. شعرتُ بضيق شديد فاعتذرتُ و هربتُ كطفلة الى كراكيب منزلي , صنعتُ فنجان قهوة كثيفة و موحلة, تماماً كما أحبها و جلستُ تحت الشمس خارج البيت أحاول السيطرة على الضيق الذي شعرت به.. هناك قررت الاستسلام, أقصد الاستسلام تماماً بشكل عميق و حازم, كمن وجد نفسه أمام التلفاز يشاهد أحد البرامج الوثائقية عن أصل الإنسان عندما اكتشف أن بيته يحترق.. يحترق بشكل نهائي , لا سبيل لإيقافه و لا مجال للهرب بأي شكل من الأشكال , فقرر أن يتابع مشاهدة التلفاز..
أظن أني مت في حوالي الساعة الثانية من بعد ظهر اليوم.
5
بعد أسبوع طويل قضيته على الطرقات بسبب العمل , غنيتُ حدَّ الصياح على «مش فرقة معاي» لفيروز, كأنني أنتقم من أحدٍ ما, و أنا أقود السيارة عائدة إلى المنزل، بنفس المزاج فتحتُ الباب لأجد الستيني مايك, أحد الأصدقاء , مدمع العينين و على وجهه ملامح شخص في حضور الموت.
شعرتُ أن قلبي سقط إلى معدتي و أنا سقطتُ في هذا الفراغ العبثي الممتد, هذا الشيء الذي نسميه (العالم), موت.. موت من يا مايك؟.. ضمني بشدة و قال : أنا غاضب و حزين على ما يحدث في غزة.
غطى وجهي المنافق على ما كنت أشعر به.. غزة يا مايك؟ غزة؟ ما هذه غزة ؟ بشر من الدرجة الثالثة تهدر قتلاً ..ما دخلك أنت؟ ظننت والدي قتل ببرميل يا رجل .. هذا العالم خراب .. ماكينة ضخمة و مشوهة كمسخ بالعام و الشخصي الذي فيه ..
نحن جميعا مذنبون و ﻻ يكفينا متابعة المونديال لننسى ..
خارج النافذة عصافير طنانة تشرب الماء المحلى من القطرميز الذي علقته خارجاً, و أنا أشعر بالندم و أعود لأدندن « على شو مسنود؟ على شي مش موجود».

6
كسرتُ إلى نصفين و أدعو ذلك سحراً..لا أدري متى بدأت هذه المشكلة , أمي تقول بأني ولدتُ هكذا
انفصل النصفان بطريقة غريبة كأن شبحاً كان يسكنني, قرر اقتلاع نفسه من روحي بالقوة و الاستقلال بذاته , كما يحدث في أفلام الخيال العلمي.. رتب نصفي حقيبته و تأكد من أخذ حصته كاملة من كل شيء.. عين, أذن , كتف , قدم و فردة حذاء واحدة.. كسر الخسارة الى قطعتين كأنه يكسر رغيف خبز ووضعها في نصف حقيبة اليد الذي حمله، تمت العملية بهدوء, كل شيء بالتساوي .. أومأ لي, تمام؟
استغربتُ : ألن تأخذ نصف قلب أيضاُ؟..
لكنه غمم بكلام غير واضح , ظننتني سمعته يقول : لا أريد قلباُ.
لم يكن ذلك عادلاً .. عندما غادر, كان يرتجف كعصفور تأخر عن موسم هجرته ..هو أقل قليلاً مما يجب و أنا أكثر قليلاً مما يجب ..
في تلك الليلة, كتب نصفي الباقي قصيدة سيئة عن الفقد و حلم بأنه كامل يركض في حقل القمح .

حنطة43 حنطة44

برومو الشهيد ناجي الجرف