خميرة

أصنص شبيح3

مضر عدس

انطلقت جاراً ورائي القضيب و هو يصدر شرراً أحمرَ ينذر المندسين بالخطر ، بالطبع كالعادة ، بعد أن انطلقت سمعت على الفور صوت المعلم .

 _ الحيوان .. هجوووم يا شباب ( لم ينهِ شباب حتى انتفض الجميع و تسابقوا للوصول أولاً إلى المعركة ، إلى ساحة التظاهر ، ولكن هيهات فأنا في المقدمة بفارقٍ كبير ) ..

طبعاً المعلم قبل أن يكون معلمنا ، كان ضابطاً في التوجيه السياسي ، و هذا ما أحمد الله عليه دائماً ، فأردف صائحاً ..

 _ أريد أن أملأ الباصات بالمعتقلين .. أريد جثثاً تملأ الأرض فنسمي يومكم هذا معركة بلاط المندسين … أريد .. أريد أن أكون معكم …

 انطلق المعلم كالثور الهائج .. كالثور الهائج !! .. يا إلهي لقد جننت ، أنعت المعلم بالثثث الهائج .. أنا هو الثور الهائج .. ابن عاهرة أنا .

 توقفت هنا عن الركض و بدأت أهرول ثم سرت ببطءٍ شديد ، و كأن السباق انتهى بخبر وفاة الحكم ، و رحت أتذكر موقفاً جرى منذ سنوات..

_ يا ولدي ستصبح أحمقاً و لن ينوبك من العمل إلا المهانة .

_ أنت تريديني أن أبقى في مكاني هذا ؟! .. و بعد أعوام أكون سائق حافلة و في أحسن الظروف أملك مقهى .. فالوظيفة للمتعلم يا خالتي .

_ نعم أنا أريدك أن تكون هكذا ..

_ و لكن لماذا .. لماذا ؟

_ لأنك ستصل إلى يوم تتقبل مهانة على حساب مرؤوسك يا ولد .

_ لا مستحيل .. كرامتي أكبر من أي شيء .

_ اسمع .. سأقول لك أمراً .. و أتمنى أن تصلك الرسالة ، على ثقتي بعد وصولها أكثر من أذنيك .

_ همممم ( تنهدت ثم أضفت متردداً و منزعجاَ )  … لا بأس سأحاول .

_في القرن الثالث قبل الميلاد .

_ ماذا !

_اسمع ( صرخت يومها في وجهي للمرة الأولى و الأخيرة ) .. في القرن الثالث قبل الميلاد قرر حكيم أن يختبر شباب المدينة و أن يعرف أيهم أكثر ولاءً للأمير .

_ و كيف وصل لمراده ؟

_ أتريد أن تعرف ؟

_ طبعاً .

_ إذا طبعاً .. سماع .. ( تنهدت تنهيدة كبار السن المشمئزين من جلسائهم و أضافت ) .. جمع الشباب و أخبرهم عن نيته بتشكيل كتيبة النخبة العظيمة و انطلق يخطب بينهم قائلاً :

يا شباب مدينتنا و يا أهلها و خيرة رجالها ، أميركم و مالك الأمر فيكم يريد أن يشكل كتيبة النخبة العظيمة ، هي كتيبة عظيمة إذ يجتمع فيها نخبة شبابنا و فلذات أكبادنا ، و النخبة لأن الفرد الواحد منها عليه أن يواجه صعابًا شتى ليصبح فرداً فيها ، فهو نخبة النخبة و أصل القوة ، والمدافع الأول و الأخير في إمارة أميره ، لذلك من شاء منكم الانضمام للنخبة ؛ فعليه أن يلتحق بالجماعة الأولى و التي ستخوض العباب و تصارع السحاب و تجابه المرحلة تلوَ المرحلة و الاختبار تلوَ الاختبار حتى يستقر الرأي بعد عام واحد على فرسان كتيبة النخبة ، وإن للكتيبة ميزات لا تعدّ و لا تحصى ، لكل فارس ما شاء من المال و ما أراد من النساء و الخلّان و الخمور ، وما عليه إلا أن يقاتل دفاعاً عن سيده أمير المدينة و يموت دونه .

 _ المهم يا ولدي .. عمّت الفرحة صفوف الشباب ، و تسابق الجميع للالتحاق في مغامرة العام الأول ، لعل الفائز أن يصبح من حاشية الأمير و ينال الرضا و المال و المتعة معاً ، و كانت تلك الأيام يا حسن مليئة بالفرسان الفحول .

_ ماذا جرى بعد ذلك ؟!

_ اجتمع غالبية شباب المدينة على هذا الأمر ، و انقسموا إلى مجموعات صغيرة ، و قام ضباط الجيش بتدريبهم لمدة ستة أشهر على أساليب القتال و فنون المعارك و جميع أدوات الحرب ، بعد انقضاء الفترة لم يبقَ من الألفي شاب إلا مئتين .

_ فقط !

_ أكيد ، فالمئتا شاب هؤلاء هم خيرة أهل المدينة ،  فقد تحملوا ما لا تتحمله الجبال ، لم يُقبَل أي أحد  لحسن جماله أو رشاقة بنيانه ، أكاد أجزم أنك و بهذا الحجم و هذه العضلات ، لم تكن لتقبل أبداً ..

_ ولماذا ؟

_ عضلات من دون عقل .. ما الفائدة ؟!

_ خالتي ؟!

_ لا بأس .. لا تحرد  .. عقلك يزن بلد .. و لكن المهم أن المئتي مقاتل لم يكونوا فقط مقاتلين  ، ولكن كانوا من الأشداء والعقلاء وذوي الصبر الحديدي .

( الحرد : كلمة عامية يقصد بها الانزعاج الشديد الذي يصيب أحدهم ، فينزوي بنفسه بعيداً عن أهله و أصحابه ، و يقال له إن أصابه هذا حردان )

_ الحديدي ..  ماذا بعد ؟

_ بدأت المرحلة الثانية .. ستة أشهر أخرى ، لاختبار المتبقين من الفرسان وانتقاء الأفضل للمهمة ..

_ الأفضل بماذا يا خالتي ؟! .. أشداء و عقلاء و أصحاب بال طويل .. ماذا تبقى للرجل لكي يصبح كاملاً بنظر هذا الحكيم ؟

_ أن يكون الفارس عزيزاً أمام الناس ، ذليلاً أمام أميره و سيده .

_ ليس ذلاً بل طاعة … فأين المشكلة في أن يكون الجندي مطيّعاً لقائده .. ما المشكلة هاا ؟

_ المشكلة ليست في الطاعة .. بل في الولاء و منعكساته يا ولد ..

_ الولاء جزء من الطاعة .. و إن كان الولاء أعمى فهذا لا يرتبط بالكرامة .. الكرامة محفوظة .. و دائماً ..

_ الكرامة محفوظة إذا علمت أين الحق و أين الباطل .. و ليس في أن تكون أعمى تسير وراء من واليت .. أوليس هذا صحيح ؟

_ الحق و الباطل في المكان الذي اختاره الأمير .. فهو الأعلم .

_ ( نظرت إلي بانزعاج و أضافت متأففة ) وبمثلك حَكَمَ الظلم العالم .

_ هااا .. من ؟ … أنا ؟ .. و الظلم ؟ سامحك الله ..

_ لا عليك .. دعني أكمل القصة .. ليست كل طاعة طاعة .. فالطاعة التي يطلبها الأب من ابنه تختلف عن التي يطلبها القائد من عساكره .. المهم …  في المرحلة التالية بدأت تجارب الولاء للأمير .. كانت كالسم في البدن … فالفارس عليه أن يختار بين ولائه لقضية تخص الأمير أو شيء ما يخصه هو ..

_ أين الغرابة في ذلك ؟

_ أين الغرابة قلت لي ..  قل لي يا حسن .. إذا خيّرك معلمك غداً بين حياتي و بين حياته .. من تختار ؟

_ بينك و بينه ؟؟!! .. و لماذا سيخيّرني ؟

_ افرض أنه قال لك .. إنّ أمن المعلم الأكبر بخطر لو بقي لخالتك روح في جسدها .. ماذا ستقول ؟

 في هذه اللحظة عدت إلى الزمن الحاضر ، بعد أن تلقيّت لكمة قوية من أحد المخربين ، أمسكت يده بيدي اليسرى و لطمته على وجهه باليمنى ، فسقط أمامي كورقة شجرة يابسة ، نظرت من حولي ، كانت المعركة قد بدأت ، فلم يمضِ على ضياعي و هروبي إلى الماضي سوى دقائق ، كنا في البداية أقل منهم ، و لكن ما إن بدأ الضرب حتى هرب نصفهم وبقي النصف الثاني يقاوم .

أمسكت الشخص الذي ضربني ، و رفعته إلى وجهي .

_ أتضربني يا ابن الكلب .. سنتواجه في الفرع .. و سأعلمك أدب العبيد مع أسيادهم .. خذوه ( صحت في اثنين من زملائي و الذين هم أدنى مني مرتبة في العمل ، و قد كانت مهمتهم في هذه الجولة،  الإمساك بالمندسين و سحبهم إلى الباصات ) .

 توجهت على الفور لمنتصف مكان التقائنا بهم ، لأنال حصتي من تفريغ الغضب ، كان جلهم يصيح ( الله أكبر ) ، مع تلقيهم للضرب ، أو حتى عندما كان أحدهم هو الضارب .

 ما إن وصلت حتى مِلتُ بقضيبي على رأس أحدهم ففتحت له فتحة تليق به ، فسقط أرضاً ، فسحبته و ألقيت به إلى الوراء ليُسحب إلى الباص كزملائه الحمقى ، كان عددهم يقل إما هرباً أو سقوطاً ، أما عددنا يزداد بنقصان عددهم  و بقدوم عناصر جدد.

 طبعاً الصراع لم يدم سوى دقائق ، خصوصاً بعد أن أمسك المعلم مسدسه و أطلق النار في وجه مخرب كاد أن يصل إليه ، فأرداه قتيلاً .

 أحصينا القتلى من الطرفين ، منا ثلاثة جرحى فقط ، أما هم قتيل و لا أدري عدد الجرحى فبعض جرحاهم استطاع الهرب بنفسه ، و عشرون معتقل جلهم مصابون .

 بعد أن عدنا إلى الفرع ، خطب بنا المعلم و أشار إلى جميل صنائعنا وإلى ما قمنا به اليوم من خدمة عظيمة للوطن و سيد الوطن ، و في نهاية هذا اليوم الجميل ، نام المعتقلون ليلة لم و لن ينسوها ما عاشوا ، وأنا عدت إلى داري لأستحم و أذهب لزيارة عمار ..

حنطة46 حنطة47

برومو الشهيد ناجي الجرف