خميرة

القنّاص VIII « لفّوا جسدي بمخازن الرصاص»

عباس علي موسى

نصّ بعنوان «القناّص »، وهو يعُنى بفلسفة الرصاصة عن طريق الأدب، والقتل بعيني القنّاص الذي يقتلك أحياناً وفي أحيان أخرى يقتل عدوكَ، أو يصيرُ نافذةً على هذا العالم. هذا النص عبارة عن فاتحة لتجريد الرصاصة من البارود، وحشوها بالحبر. هذا النص جزء من نصوص عديدة تحمل ذات العنوان، أريد أن أحيلها للقرّاء، فالقراء في زمن الثورة لم يعودوا قرّاءً فقط، إنهّم ثائرون.
l
لا معنى للتذكار إلا بمقدار صورة معلّقة إلى الجدار، أو كتابة في صفحاتٍ ما، وبعض الدموع.
ماذا سيحصلُ إن لم تروا جسدي حينها، حين أُقتل أنا في علوّ كنتُ أرقبُ منه ضحايايَ الأوغاد؛ في العلو ذاك حين يقتلني قنّاصٌ مثلي، قنّاصٌ يعرف مسالك الرصاص كمعرفتي بها، ربما أقلّ ضراوة أو أكثر!.
قنّاصٌ هناك، جاء حديثاً وصنع عشاً، قنّاصٌ لم آنس إليه بعدُ. للقنّاصين أيضاً أخلاقياتهم التي تبدو مقيتة، ربما لكم، لطالما أننا نمتهن القتل ذاته.
لا نقتل بعضنا إن فشلنا في ثلاث محاولات.
هذا القنّاص الجديد هناك يتحيّن قتلي، لم أعرف أنّه حديث العهد بالقنص، لكنّه قتلني على أيّة حال، لم أتأوه أو هكذا هُيء إليّ. لم آخذ نفساً عميقاً بما يكفي من هذا الهواء الآسن في الأعالي، لكنني كنتُ أنظر إلى الأعلى، لطالما كانت الأعالي مرمى عميقاً. كم وددتُ أن أطلقَ مخزن رصاصٍ كاملاً بالعشوائية ذاتها التي يقوم بها المقاتلون الأغرار، أو أولئك الذين يطلقونها لانتصاراتهم في أعماق المدن.
كان صاحبي بعيداً عني بمسافة سيجارة، كنتُ سأقول له، حينَ أُقتل أو استشهد لفّ جسدي بمخازن الرصاص. أبتسمُ بغبطة الآن، دون أن أعرف الفاصل ما بين الحياة أو البرزخ الذي لا أظنّني أنكره في هذه اللحظة طالما أنّي اختلط الزمن عليّ. في أثناء السكرات ثمة لحظة فاصلة بين حياتين، أو حياة وذكرى، يتداخل فيها الزمن؛ إنّه الزمن صفر اللامتناهي.
أبتسمُ لأنّي أعرف أنّ صديقي قريبٌ مني بمسافة سيجارة، سيعثر على جسدي وسيلفّه بمخازن الرصاص، وسيطلق لأجلي إحدى وعشرين رصاصة.
وفي نهاية المطاف حين سيحمل قنّاصتي سيتذكر كلّ كلمة لي، عن القنّاصة؛ شعراء الحرب سيئيي الصيت، عن القنّاص المرابض الآخر.
سيتذكر الأغنيات التي كنّا ندندنها في دواخلنا وكنّا نعزفها بأصابعنا الخرساء. في الفسحات القليلة من الكلام بصوت خفيض، كنتُ أسرّ له بأسماء أغنياتي التي أدندنها داخلي، لقدّ تعلمت الدندنة بصمت من المتصوّفة، في طقوس أورادهم الليلية (كان من طقوسهم الليلية أن يلصقوا ألسنتهم في أعلى الحلق، ويذكرون اسم الله لمرّات محسوبة).
II
مشهد لأيام لاحقة
صورة معلّقة إلى خاصرة الجدار، في بيتٍ ما
امرأة ثمانينية تداعب خصلات الطفلة الصغيرة، وتندهها باسم يشبه اسمي، لكن مؤنّثاً، تحكي لها عنّ الصورة وعلى جسده واقفاً ملفوفٌ أحزمة الرصاص، تحكي دون أن تدمع عيناها، والطفلة تنظرُ بعمقٍ إلى الصورة وتعدّ الرصاصات، رصاصة رصاصة.

حنطة47

برومو الشهيد ناجي الجرف