غير مصنف

لا يمكننا السماح للجنود تحمل عار إسرائيل وحدهم

ناداف بيغلمان (خدم ناداف بيغلمان في وحدة المشاة القتالية في لواء الناحال وبعمل باحث في منظمة كسر الصمت)

1233451188

 

“في ساعات الصباح تلقينا عبر أجهزة اللاسلكي الأمر التالي: شباب، عليكم الاصطفاف جميعكم في سطر واحد مقابل حارة البريج… القائد أعطى الأمر: “شباب، جميع الدبابات في سطر واحد، اتخذوا مواقعكم، وسنقوم بالاشتباك”. الاشتباك يعني إطلاق النار جميعنا بنفس اللحظة.. سألت قائدي: “بأي اتجاه سنطلق النار؟” فأجابني: “اختر أي اتجاه تريده”… أطلق القائد النداء لذلك في اللاسلكي “سنقوم بذلك، شباب، صباح الخير البريج”، هذا هو الاقتباس. وجاء ذلك من أجل إيقاظ الحي، لكي نظهر للشباب، ان الجيش هنا والقيام بهذا الردع…

وعندها قال القائد “1،2،3 إطلاق نار”. جميعهم أطلقوا قذائف بكل اتجاه ارادوه. لم يقم أحد بإطلاق النار علينا قبل ذلك، وليس بعد ذلك، هكذا وصف جندي في وحدة المدرعات صباح أحد الأيام خلال عملية الجرف الصامد في صيف عام 2014 في حديث مع منظمة “شوفريم شتيكا” (كسر الصمت – المحرر) وحدة مدرعات بدأت صباحها بموجة منسقة من القذائف على مخيم البريج للاجئين دون أن يكون هنالك أي تهديد من قبل المخيم.

منذ العملية أقوم انا وزملائي في المنظمة بالسفر في أنحاء البلاد، نتحدث مع جنود وقادة شاركوا فيها، وسمعنا شهادات نحو 70 محارباً وضابطاً من الوحدات البرية المختلفة، من سلاح الجو والبحرية. الكثير منهم وصفوا لنا حالات مشابهه لما وصفه الجندي من وحدة المدرعات، حيث قاموا بإطلاق النار دون هدف محدد أو واضح. لكي نفهم هذه القصص الفردية علينا ان نفهم السياسات التي أصبحت بديهية بالنسبة للجنود. إطلاق نار عشوائي أصبح بالنسبة للقوات البرية امراً عادياً.

من الشهادات التي جمعناها يظهر أن جنود الجيش الإسرائيلي انطلقوا لعلمية الجرف الصامد وكأنهم انطلقوا نحو حرب. لكن حارات مكتظة جداً مثل الحارات الموجودة في قطاع غزة لا تلائم الحرب التقليدية التي يحارب فيها جيشان ضد بعض بواسطة دبابات ومدافع وطائرات حربية. الحل الذي وجد لهذه المشكلة بسيط: سنحذر الفلسطينيين الأبرياء المتواجدين في المناطق التي سندخل اليها وبذلك سيتسنى لنا القتال ونحن نعرف أن كل من بقي في المنطقة هو مخرب.

حسب أقوال الجنود اللذين دخلوا الى الاحياء بأنفسهم، لم يتطلب الأمر سوى إسقاط مناشير من الجو، من أجل خلق “ساحة معركة” والتي تعتبر كل من يتواجد داخلها هدفاً شرعياً. المرأة التي بقيت هناك، الرجل الذي لم يعرف إلى أين يذهب أو عائلة التي لم ترد مغادرة منزلها – أصبحت خلال لحظة أهدافا يجب إطلاق النار عليها، وذلك لأن تعليمات إطلاق النار هي وسيلة مركزية للحفاظ على أمن جنود الجيش وتضمن استعمال قوة بشكل ملائم.

كرجال خدمنا بأنفسنا كجنود وقادة، انا وأصحابي نعرف جيداً هذه التعليمات، وحسبها يصبح الشخص هدفاً شرعياً فقط في حال كان يملك أداة يمكنها أن تضر، أو وجود نية لديه بالإصابة والقدرة على الإصابة أي بمعنى انه موجود على بعد يسمح له بالقيام بذلك.

لكن الأوامر التي أعطيت للجنود والقادة على الأرض خلال عملية الجرف الصامد جعلت هذه التعليمات والمبادئ الموجودة في أساسها معدومة أي على سبيل المثال، هكذا وصف أحد الجنود تعليمات إطلاق النار خلال العملية: “كل ما هو موجود في الداخل يشكل تهديداً، على المنطقة ان تكون خالية من البشر، في حال لم نر أي شخص يلوح بالعلم الأبيض ويصرخ “استسلم” – إذا هو يشكل تهديداً ولدينا الموافقة بإطلاق النار”.

جندي اخر اختصر الكلام وقال ببساطة: “لا يوجد تعليمات لإطلاق النار. إذا رأيت أي شخص في تلك المنطقة إذا هو إرهابي”. وتحدث الجندي الذي شارك في إطلاق النار في مخيم البريج عن مشاعره بعد ذلك، “لقد ضايقني الأمر كثيراً. وهذا أمر أخجل به جداً لقيامي بذلك”. لكن هو والالاف مثله لم يكونوا هناك لوحدهم. فقد كانوا هناك كمبعوثين لدولة إسرائيل وفعلوا ما فعلوه باسمنا، المجتمع الإسرائيلي.

متحدثون رسميون قالوا خلال عملية الجرف الصامد إن الجيش قد قام بكل ما في وسعه لتجنب إصابة المدنيين، لكن شهادات الجنود تكشف أن هذه الكلمات الرنانة هي ليست سوى كذب يختبئ من ورائه واقع بشع. واقع تصبح فيه إصابة المدنيين هي نتيجة مدروسة لسياسة مقصودة وساهمت بتقليص التقييدات على استخدام القوة من قبل جنودنا إلى الحد الأدنى.

علينا آلا نسمح لجنودنا الذين فهموا أنهم أرسلوا إلى غزة من أجل إطلاق النار بدون تمييز في الأحياء المدنية بأن يتحملوا لوحدهم خزي تصرفات الجيش. علينا أن نسأل أنفسنا بصراحة هل نحن مستعدون للوقوف مكتوفي الأيدي في حين يتم محو قيمة حياة الانسان من النظريات القتالية في الجيش؟ هل نحن مستعدون أن نكون مسؤولين عن ألفي أو ثلاثة الاف قتيل الذين سيسقطون في العملية القادمة في غزة؟ أنا شخصيا لا وليس حتى خلال ذلك، وليس أيضا عشرات المقاتلين الذين خدموا في الجيش خلال عملية الجرف الصامد، نحن لسنا مستعدين للتغاضي عن هذا الواقع، نحن نختار كسر الصمت وأن نقول “لا” بصوت عال.

(نقلاً عن موقع آي 24 نيوز)

برومو الشهيد ناجي الجرف