ملف

هل سيطرت جبهة النصرة على إدلب؟

طارق أحمد

تترك العلامات المشهدية أثراً مضاعفاً في لحظات ذروة الأزمات الساخنة. وهو ما يمكن رصده بوضوحٍ في مفاصل عديدةٍ شهدتها الثورة السورية، كان آخرها إخراج قوّات بشار الأسد من إدلب؛ بدءاً بتصدّر الشيخ السعوديّ عبد الله المحيسني (القريب من جبهة النصرة، دون أن يكون عضواً فيها) إطلاق هذه المعركة، مروراً بالتواضع الشديد لحضور علم الثورة على مباني المدينة المحرّرة، وصولاً إلى تحطيم تمثال القائد الوطنيّ إبراهيم هنانو (قيل فيما بعد إن من فعلوا ذلك ظنّوه تمثالاً لحافظ الأسد).
ولا أدلّ على أهمية هذه العلامات من احتلالها عناوين تغطياتٍ صحافيةٍ ومقالاتٍ غربيةٍ وعربيةٍ عن الحدث، ومن الخلافات الحادّة التي أثارتها على صفحات الفايسبوك، وهو المجال العامّ السوريّ حالياً، بشكلٍ فاق بمرّاتٍ خبراً من نوع إعلان أهالي قرية «إشتبرق»، ذات الأغلبية العلوية، جنوب جسر الشغور، والتي سيطرت عليها القوّات المعارضة مؤخراً، عن فقدان قرابة المائة من أبناء القرية أثناء الاشتباكات، من رجالٍ ونساءٍ وأطفال، ظهر بعضهم (الأطفال) في صورةٍ وزّعتها جبهة أنصار الدين، القريبة من تنظيم القاعدة بالفعل، يبدون فيها حسني المظهر تحت «رعاية» الجبهة.
وبالعودة إلى السؤال عن سيطرة جبهة النصرة على إدلب، ونفاذاً من لغة العلامات إلى ما هو أرسخ منها من معطيات، يمكن أن نرصد الملاحظات التالية:
تكون جيش الفتح، الذي سيطر على المدينة، من ستة آلاف مقاتل، بينهم ألفٌ فقط من جبهة النصرة، وفق تقديراتٍ محايدة، وبحسب التسريبات عن آلية تشكيل المجلس المدنيّ لإدارة إدلب، التي حدّدت كرسياً واحداً لكل 250 مقاتلاً شاركوا في التحرير.
بالمقابل، كان عدد مقاتلي حركة أحرار الشام الإسلامية (إثر اندماجها مع صقور الشام مؤخراً) يقارب الألفين. ومن اللازم هنا النظر إلى التحوّلات الملحوظة لأحرار الشام من السلفية الجهادية إلى الإسلامية المعتدلة، ومن شعار «مشروع أمة» إلى «ثورة شعب».
وما زالت هذه التحوّلات جاريةً وتعد بالكثير لو أتيحت لها الظروف الملائمة.
من بين الفصائل الخمسة الأخرى المشكّلة لجيش الفتح يمكن حسبان فصيلٍ صغيرٍ فقط، هو «جند الأقصى»، على السلفية الجهادية، أما بقية الفصائل فهي أقرب إلى تكوين الجيش الحرّ ولكن بشعاراتٍ إسلامية.
حتى في حالة النصرة يجب النظر في التفاصيل؛ فإضافةً إلى «المهاجرين» -الذين استفزّت مقاطعهم المصّورة الكثير من الناشطين، حتى رأوا أن المدينة تخرج من احتلالٍ إلى احتلال- يضمّ فرع الجبهة أعداداً وافرةً –وغالبةً على الأرجح- من أبناء محافظة إدلب نفسها. ومعظمهم قد انضمّ إلى النصرة بسبب انتظام التمويل والتسليح، وهرباً من فوضى تشكيلاتٍ مسلحةٍ أخرى، ورغبةً في أقوى أداءٍ ممكنٍ ضدّ النظام. وإن النظر إلى هؤلاء بوصفهم أعضاء جدّيين في تنظيم القاعدة يحمل الكثير من قسر الواقع المتعيّن والمضطرب على ارتداء قوالب نمطية ثابتة، كما يلحظ كلّ مراقبٍ لجبهة النصرة وتوسّعها العدديّ في ظروفٍ حربيةٍ لا تنظيميةٍ. وينطبق هذا الكلام أكثر على جند الأقصى، التي لم تبايع تنظيم القاعدة أصلاً، وربما شهدت بوصلتها تجاه أفغانستان تراجعاً بعد مقتل مؤسّسها الجهاديّ المخضرم أبو عبد العزيز القطري، مطلع 2014، وانتقالها إلى عهدة أمراء محليين من إدلب، حيث توجد الحركة.
لا يختلف أحدٌ حول أن المحرّك الأساسيّ لمعركة إدلب (وما بعدها) هو توافر الدعم عبر التوافق الإقليميّ التركيّ السعوديّ القطريّ. وبغضّ النظر عن رأي المؤمنين بنظرية المؤامرة بلا ضفاف، لا يمكن تصوّر أن تدعم هذه الدول قيام حكمٍ للقاعدة، ولو على جزءٍ صغيرٍ من الأراضي، وإن دعمت قوةً عسكريةً تشارك فيها النصرة، بعد طول استعصاءٍ للحالة السورية، وعدم وجودٍ أفقٍ واضحٍ لحلٍّ سياسيٍّ أو لترجيحٍ عسكريٍّ عبر فصائل معتدلةٍ في الشمال، بعد التفكيك السريع لجبهة ثوار سورية وحركة حزم.
من الواضح أن الفصائل المشكّلة لجيش الفتح لا تملك الموارد الاقتصادية اللازمة لإدارة الشؤون الخدمية والمدنية لإدلب، وإن زعمت أنها تملك الكفاءات والخبرات من أعضائها أبناء المحافظة. مما يجعل باب التعاون مع أجهزة المعارضة الخارجية -ولا سيما هنا الحكومة المؤقتة- مفتوحاً، بدافع الاضطرار الماليّ على الأقلّ. ولكن ذلك لن يتمّ إلا باشتراط أمرين؛ أولهما أن لا تتصرّف هذه الحكومة، ومن ورائها الائتلاف، بطريقة السلطة من فوق، التي تُقدَّم لها المدينة على طبقٍ من تضحيات المقاتلين والسكان المحليين الذين يقتصر دورهم على الموت والصبر! وشرط أن تمتلك هذه الحكومة المتهالكة الموارد المالية أصلاً، فضلاً عن الخطط الناجعة بالطبع.
أخيراً، ما الذي نريد أن نقوله عبر النقاط السابقة؟ هل هو أن إدلب بخيرٍ بالنسبة إلى كلّ من يطمح إلى دولةٍ ديمقرطيةٍ وحديثة؟ بالطبع لا. ولكن انسحاب القوى المدنية والسياسية من طلب «حصّتها» في المدينة -بل والإسهام في صناعة هذه الحصّة بالأصل- وعدم استمالة القوى على الأرض، والسعي إلى دعم التوجّهات المعتدلة فيها، والبحث عن التفاهمات، والاكتفاء بالندب؛ هو ما يقوّي في واقع الحال الانطباعات المشهدية الأولى عن سيطرة الأسود على المدينة الخضراء.

Untitled-4

برومو الشهيد ناجي الجرف