حصيدة

ملاحظات حول مؤتمر القاهرة

أحمد عيشة

انتهى مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية والذي دام ليومي 8و9 حزيران والذي جمع عدداً من الشخصيات والتيارات السياسية في سورية وخلص إلى خارطة طريق للحل السياسي تهدف لتغيير جذري وشامل عبر آلية تنفيذ عملية وقادرة على الانتقال لتسوية سياسية تحقق الغاية المرجوة.
تؤكد الخارطة على مسؤولية السلطة بإيصال الثورة لحدود من الدموية غير المسبوقة من خلال إنكار المطالب المشروعة لها بالحرية والكرامة إضافة للرد الأمني، كما تؤكد أن القضية السورية دخلت مراحل متصاعدة من التعقيد والعسكرة الناجمة عن سياسات النظام القمعية وقوى التطرف والإرهاب والتدخلات المتعددة الأشكال التي حولت سورية لساحة صراع إقليمي ودولي ملوث بالعنف والمذهبية.كما تؤكد أنه لا مجال لاستمرار منظومة الحكم الحالية التي لا مكان لها ولرئيسها في مستقبل سورية. كما يجري التفاوض بين وفدي التفاوض والنظام برعاية الأمم المتحدة حيث يبرم الوفدان اتفاقا تنفيذيا لبيان جنيف ووضع جدول زمني وآليات واضحة وضمانات ملزمة للتأكد من التنفيذ.
لا شك أن الحل السياسي هو الذي ينشده معظم السوريين، ولكن الحل الذي يضمن لهم الحقوق من خلال تحديد المسؤوليات عن الجرائم وحاسبته وفق قانون عادل ومستقل. ويبدو ما حكم هذه الوثيقة هي عقلية هيئة التنسيق المحكومة بلاءاتها (العنف والطائفية والتدخل الخارجي) مدعمة بالرؤية المصرية الجديدة والإيرانية والروسية، فهي تبدأ بمساواة بين الجلاّد والشعب من حيث المسؤولية القضية السورية: (دخلت مراحل متصاعدة من التعقيد والعسكرة الناجمة عن سياسات النظام القمعية وقوى التطرف والإرهاب والتدخلات المتعددة الأشكال التي حولت سورية لساحة صراع إقليمي ودولي ملوث بالعنف والمذهبية)، وترى بأن ثورة الشعب السوري قد أصبحت حالة من الصراع الدولي الملوث بالعنف والمذهبية، وتتجاهل تماماً قتل مئات آلاف المدنيين والمنازل التي هدمتها البراميل والصواريخ، وأن الأمر لا يعدو أنه مجرد صراع دولي على الأرض السورية، وإن كان شيء منه صحيح، لكن لابد من الإشارة إلى أن من استجر الدول وأجج وقتل البشر وهو النظام، وبالتالي تحميله المسؤولية تجاه السوريين.
لقد قرأ المجتمعون أو الذين صاغوا الخارطة معاناة الشعب السوري جيداً، ولكنهم لم يفهموا مطالب الشعب،فأدخلوه كثيراً في التفاصيل الواردة في خريطتهم من تشكيلات وهيئات وفترات زمنية وغيرها، لدرجة أنهم أضاعوا ولحد كبير أهداف الشعب والطرق الآمنة والممكنة لخلاص السوريين، فجميع السوريين يتمنون الخلاص ورؤية النهاية لثورة زاد عمرها عن الأربع سنين، وخاصة الخلاص من البراميل والصواريخ وأشكال القتل المتنوعة اليومية عبر الخلاص من رأس النظام ومن ثم الانتقال لشكل وطبيعة المرحلة التالية، وإذا كانت الخارطة ترى أن الحل السياسي هو الوحيد ففيه شيء من الحقيقة وليس كلها ، ولكن السؤال الهام الذي غاب عن الحاضرين هو كيفية إجبار هذا النظام بالذهاب لمفاوضات حقيقية وإجراء تسوية سياسية يتم فيها التنازل عن سلطاته لصالح الشعب حتى التنازل الجزئي ولكن الحقيقي، فما زال حتى اللحظة يتصرف بعنجهية الأباطرة رغم الهزائم التي يتلقاها في أماكن مختلفة من البلاد، بالطبع تعتمد الخارطة على الضغط العربي والإقليمي والدولي لإقناع النظام بالتفاوض، وبالتالي متخلية عن دور للسوريين وفاسحة المجال لتصارع مصالح الدول على بلادنا، وهذا ينسجم تماماً مع عقلية الخارطة وهي عدم الثقة بالسوريين والتعويل على الخارج السلمي ( رغم رفضها التدخل الخارجي، ولربما تقصد رفض دعم «الجماعات الإرهابية»).
أما عن الاجراءات الواجب اتخاذها لتهيئة المناخ للتسوية السياسية قبل وأثناء التفاوض فأولها الإعلان عن وقف الصراع المسلح من قبل جميع الأطراف على كافة الأراضي السورية، مع بقاء الجيش النظامي والفصائل المسلحة المؤمنة بالحل السلمي في أماكنها لتجميد الصراع المسلح ومطالبة الدول بوقغ الدعم للجماعات المسلحة وإدانة وجود مقاتلين غير سوريين، وهنا يخطر بالبال ما الموقف من استمرار الدعم الإيراني والروسي للجيش النظامي كونه» غير الجماعات المسلحة» واستمراره بقتل الناس بأشكال مختلفة.
أما مسألة المعتقلين فتصورها وكأنها عملية تبادل أسرى، بدلاً من إدانة عمليات الاعتقال والتعذيب والقتل في السجون السورية والتي راح ضحيتها ما يتجاوز عشرات الآلاف من الشباب ناهيك عن عمليات الاغتصاب والإهانات المتعمدة بحقهم.
باختصار كانت الخريطة إيجابية النوايا، سيئة التوجهات فمن مساواتها بين النظام والمعارضة المسلحة نسفت أساس الثورة حيث اعتبرتها صراعاً مسلحاً بين فريقين لتدمير البلد وبالتالي لابد من إدانتهم.
أما عدم الحديث وبشكل واضح عن مصير القتلة وزعيمهم والمطالبة بمحاكمتهم ومحاسبتهم عن دماء السوريين والتغاضي كلياً عن الدور الإيراني والتلميح كثيراً للدور التركي والسعدودي كداعمين للتطرف وناشرين للطائفية فليس أكثر من تطابق مع وجهة نظر النظام وداعميه وتصوير المعركة في سورية بين الإرهاب والنظام، وبالتالي نصل لم وصلت إليه الخارطة من قضايا مثل إبعاد البعث عن السلطة، فهو قد ألغى المادة الثامنة منذ زمن، ولكن استمرارية القمع لم تكن متعلقة بها، كما أنه لا توجد مادة ثامنة في البلد الراعي ولكن دور الأمن وعدد المعتقلين يتزايد.
في النهاية لا شك بنوايا المشاركين في إيجاد نهاية لمعاناة السوريين من النظام والتكفيريين، ولكن السياسة ليست نوايا، فهنا ليست الأعمال بالنيات وإنما بالمواقف والمواقع.

Untitled-16

برومو الشهيد ناجي الجرف