حصيدة

“الإدارة الذاتية” في مواجهة تحديات الحرب والحصار

مصطفى عبدي 

ترزح المناطق الكردية في سورية التي أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي “الإدارة الذاتية” فيها في بداية 2014 تحت ظروف قاسية، نتيجة الحرب التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية من جهة، والحصار الخانق الذي تفرضه التشكيلات الإسلامية “المعارضة” بالتعاقب، معطوفاً عليه الدور التركي السلبي والرافض لأي صعود لحزب الإتحاد الديقراطي الكُردي،وهو الموقف الذي ينسجم مع وجهة نظر الائتلاف المعارض الرافض لكيان “الإدارة الذاتية” وتعتبره مشروع للانفصال عن البلاد، في الوقت الذي يشدد المسؤولون الكُرد بأنهم يسعون إلى ترسيخ سورية ديمقراطية موحدة ومتنوعة في آن، ويعملون لتعميم نموذجهم لسورية المستقبل وفق قاعدة الجمهورية الديمقراطية والإدارة الذاتية المجتمعية.
وبعيداً عن المشهد العام المتداول، ثمة تحديات عميقة تعصف بهذه التجربة الناشئة إذا ما قفزنا فوق التحديات الأمنية والعسكرية، سنصطدم بجملة من عقبات اقتصادية بالغة الصعوبة، مضافاً إليها انغلاق الأبواب الدبلوماسية أمام القائمين على الإدارة بمنوال نسبي قياساً لدى الائتلاف الوطني. فمناطق إعلان الإدارة الثلاث / عفرين، كوباني، الجزيرة/ تعاني من ويلات تدهور الحياة الاقتصادية، والتي تقول المصادر المحلية بأنها من أهم المسببات الحيوية في الوقوف وراء ارتفاع معدلات النزوح الجماعي والفردي من “المقاطعات الثلاثة” صوب كردستان العراق وتركيا والعديد من البلدان هذا عدا عن التضييق الأمني، وإصرار حزب الإتحاد الديقراطي الكُردي على إدارة المناطق الكردية بتفرد وإقصاء أي طرف سياسي أو عسكري كردي بل ومحاربته كذلك.
لكن لا يستقيم تفسير إلقاء مسؤولية الهجرة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية بمعزل عن تعقب مسار التطورات العسكرية الجارية على الأرض، حيث تشير الأرقام المحلية أن المناطق الكردية تعتبر أسخن مناطق الحرب في سورية بحوالي 35 نقطة اشتباكات بتسعة محاور يقودها تنظيم الدولة الذي يسعى من خلالها إلى بسط سيطرته على هذه المناطق، حيث يحشد أكبر وأقوى قواته وعتاده كما حدث في كوباني التي تعيش أشرس المعارك منذ سبعة أشهر. فالتنظيم بات يعتبر حربه ضد الكُرد حرباً مقدسة لا يجب أن تنتهي. غير أن هذا الإصرار الداعشي لا يقف لوحده أمام مصاعب الإدارة الكردية، إذ أن الجار التركي لديه من أوراق إستراتيجية تزيد من مصاعب الكتل السكانية الكردية- السورية.
تركيا شريك في الحصار
تقع المقاطعات الكردية على الشريط الحدودي مع تركيا، مفتقرة إلى معابر رسميّة، والمعبران الأقرب هو «جرابلس» و«تل أبيض» وهما واقعان تحت سيطرة تنظيم الدولة. رغم ذلك، تؤكد الإدارة الكردية بأنه “كان بإمكان الحكومة التركيّة التخفيف من آثار الحصار” والاستجابة للنداءات المحلية والدولية، وآخرها نداء من مجلس البرلمان الأوربي الذي دعا إلى فتح ممر إنساني يُسهّل حركة المدنيين والمواد الغذائية والتجارية. إلاّ أنّ الردّ التركي لا يزال غائباً إلى هذه اللحظة، زد على ذلك تشديد حرس الحدود التركي الرقابة على جميع المسالك غير الرسمية والتي تعتبر نافذة وحيدة أمام الناس، ولا يتوانى الجنود الأتراك في إطلاق النار على من يحاول اجتياز الحدود، حيث تم توثيق 27 حالة وفاة منذ العام الفائت. و”كأن تهريب الاحتياجات الحياتية أخطر من إدخال الأسلحة والجهاديين” وفق توصيف جوان شيخو وهو تاجر كردي محلي يحاول تأمين البضاعة من الطرف التركي ونقلها إلى مدينة كوباني، ويستطرد جوان بأنه “ ثمة عدة نقاط في ريف تل أبيض وجرابلس تكاد تكون منشرحة مع سورية ويتخذها مسلحوا تنظيم الدولة والمدنيين كنقاط عبور بدون مضايقات، حيث يتم غض النظر عنهم في الغالب، لكن الأمور تزاد سوءاً مع الأكراد تحديداً”.
طبيعة الحياة داخل مناطق الإدارة الذاتية
ومهما تكن الصورة القاتمة في بعض المناطق الكردية إلاّ أن الحياة داخل عفرين والجزيرة تسير على ما يبدو بطريقة منظّمة، ولا شيء يوحي بتفكيك الشؤون العامة، حيث تحاول الإدارة بمؤسساتها وهيئاتها المتشكلة متابعة شؤون الحياة، وتحاول قدر المستطاع مساعدة الناس في احتياجاتهم اليومية بالحد الأدنى، فثمّة منظمات ومؤسسات تقف على تنظيم الخدمات وتدبير احتياجات عوائل الشهداء، والنازحين وذوي الاحتياجات الخاصة، وتحريك عجلة القطاع التعليمي، مع أهمية إيلاء بوجوب تحسين مستوى الأمن عبر عناصر الشرطة “ الاسايش” وإحالة معظم القضايا الشائكة إلى المحاكم المحلية المختصة، لتتفرغ بدورها وحدات حماية الشعب إلى صون حدود المقاطعة وإن سجلت ووُثقت عدة انتهاكات في مناطق الإدارة الذاتية (لكنّها تُعتبر الأقلّ مقارنةً بمناطق سوريّة أُخرى)، فالتجربة الكردية في مفهوم الإدارة ما تزال حزبية، وستنجح إن ثُقّلت باتفاق كردي-كردي، وأُزيلت الغشاوة بتصحيح المسار ورافق ذلك الانتقال من “الخندق الحزبي والإيديولوجي في الإدارة” إلى “الحكم بعقلية المؤسسات والكفاءات” والانفتاح على الأحزاب السياسية وقبول العمل بتشاركيةٍ.
بخلاف كلتا المقاطعتين، فإنّ حيثيات الحياة في كوباني التي لم تتعافى من تداعيات الحرب تسير في منحى كارثي نظراً للظروف المرافقة للحرب، فعودة المدنيين تجري حالياً عبر بوابة “مرشد بينار “ الحدودية مع تركية، بالتزامن مع موجة نزوح معاكسة صوب تركيا مجدداً عقب محاولاتهم البائسة لمقارعة بيئة تكاد تخلو في حدودها الأدنى من مقومات الحياة الأساسية، والأهم من ذلك غياب الأمان والاستقرار السياسي، فحرب تنظيم الدولة الإسلامية تسببت في تحول المدينة إلى حطام، كما نالت قرى الريف هي الأخرى نصيبها من الدمار والألغام التي مازالت تحصد يومياً المزيد من المدنيين حتى بعد انتهاء الحرب، فلا تقتصر دائرة مخاطر الألغام والقنابل على البيوت فقط، بل تشمل الأراضي الزراعية، وهذا ما يثير مخاوف لدى الأهالي الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر أساسي في تأمين قوت حياتهم. وسبق أن أشار تقرير صدر من الأمم المتحدة إلى أن هناك قرابة 3000 منزلاً مدمّراً في المدينة بشكل كلّي وأكثر من 5000 جزئياً، إضافة إلى أن عشرات قرى في محيط كوباني سُويت بالأرض.وأفاد التقرير أن عشرات القرى الأخرى مدمرة جزئياً، راصداً نسبة تدمير المدينة بنحو 70 في المئة، مع تدمير المشافي والبنية التحتية وخطوط الري والصرف الصحي والكهرباء في مدينة كانت تصل تعداد قاطنيها قبل الحرب إلى نصف مليون نسمة، ليتراجع في الوقت الحالي إلى قرابة ستين ألفاً.
وأمام هذه التحديات يُشكل غلاء المعيشة، والأسعار المرتفعة ونَدْرة المواد واليد العاملة والمواصلات، فضلاً عن التأثيرات النفسية العميقة، وغياب الاستقرار، وحالات التشتت التي أصابت الأهالي الذين رغم كل الظروف القاسية تجدهم أكثر من سعداء حين دخولهم إلى كوباني من بوابة مرشد بينار بشعور مليء بالفخر والغبطة بمدينة سورية وقفت في وجه الإرهاب، وأردته، وسجلت بأنها أول مدينة رفضت احتضان تنظيم الدولة.
يقول صالح حبش وهو أحد العائدين مؤخراً من تركيا إلى المدينة المدمرة للتو:” رغم كل شيء، فإن الوضع في كوباني ليس مأساوياً أبداً، بل بخلاف ذلك تماماً، اليوم شعرت براحة لم أشعر بها منذ ستة أشهر”. هذه المشاعر هي ذات المشاعر التي ينقلها الكثير من العائدين بعد رحلة هروب من الموت والقصف والتشرد إلى ساحات وشوارع مدينة سروج التركية والمخيمات الموزعة على الشريط الحدودي، وتلك الحشود المتجمهرة لشهور طويلة وسط المنطقة المحرمة المزروعة بحقل الألغام.
منذ تحرير كوباني في يناير 2015 والناس تعود بوتيرة متزايدة لتفقّد منازلهم وقراهم فيجدونها خراباً، أو تحولت لمزارع ألغام ومتفجرات زرعها التنظيم قبل أن ينسحب، عدا عن بقايا القذائف في الشوارع التي حصدت الكثير من الأرواح خلال الشهرين الأخيرين فقط. فلا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد المدنيين الذي تضرروا بمخلفات الحرب والألغام، لكن حسب المتابعات الميدانية، فإن 45 شخصاً قُتلوا بالألغام، غالبيتهم من أطفال ونساء، كما أن عدد حالات الإعاقة وصل إلى 80 حالة، شملت بترَ أطرافٍ وعاهات في الجسد والوجه. لتغدو رحلة العودة إلى الديار محفوفة بالخطورة والمجازفة إذا لم يسعفهم المجتمع الدولي والمنظمات المختصة، خاصةً وأنّ الناس بدأو يستشعرون اليأس من المجتمع الدولي من جهة خذلانهم حينما حوّلوا مدينتهم إلى أنقاض، بدون تقديم حلول عاجلة لمشاكلهم بغرض تجاوز الآثار المادية والنفسية، علاوة على ضرورة تنظيف المدينة من الألغام، وتوفير برنامج “استقبال للنازحين” أو”إيوائهم مؤقتاً ” بشكل لائق بعد معاناة استمرت ستة أشهر.
وقد لخصت لجنة محلية مُشكّلة من رحم الإدارة الذاتية في كوباني بضعة من مطالب عاجلة في سبيل إنعاش المدينة مجدداً. منها على سبيل المثال، العمل على إنشاء مخيم برعاية دولية لاستقبال العائلات التي تهدمت منازلها وتأمين العائدين مؤقتاً، إضافةً إلى إعادة بناء مشفى مُجهّز بالمعدات والأدوية اللازمة، مع إيجاد حلول لمسألة مخلفات المعارك والمفخخات والجثث المنتشرة والمتفسخة في الشوارع وتحت الأنقاض، إلى جانب توفير المواد الداخلة في إنتاج الفرن الآلي الوحيد في كوباني، وتأمين الوقود والغاز، والمساعدة في تنظيم وإعادة بناء البنية التحتية، مع العمل على تأهيل القطاع الزراعي عبر توفير الآلات الزراعية والبذار وإيجاد حل للثروة الحيوانية المنقرضة نتيجة الحرب.
بكلّ حالٍ لا يُبدي الكُرد في سورية قلقاً بخصوص المستقبل. فهم يؤمنون بقدرتهم على كسب التّحديات إذا ما حُلّت الأزمة السوريّة. يثق معظمهم بقدرتهم على “لعب السياسة”. وهم لا يوافقون على اتهامهم بوجود “نزعة انفصالية” لديهم. لكنهم يجدون أن حصولهم على “الإدارة الذّاتيّة” حقّ مشروع، كما يقول شرفان دوريش وهو ناطق إعلامي يرافق كتيبة شمش الشمال «نحن سوريون، ونحبّ هذه البلاد ولن نتخلى عنها. ولكن لنا الحق أيضا في حماية مدننا وإدارة شؤوننا ذاتيّاً».

Untitled-17 Untitled-18

برومو الشهيد ناجي الجرف