حصيدة

أطفال من هذا الزمان

رهادة عبدوش

يراهم العابر فوق الجسور، تحتها، على أدراجها، خلف السيارات والشاحنات يتسلّقون السيزوكي والبيك آب، يعبرون مع ظلّهم إلى أمكنةٍ يلتقون بها بما يجلب لهم فتات المال والطعام واللباس، يحدّقون بالمارّين بأيديهم التي تحمل تارةً علب محارم والبسكوت، وتارةً أُخرى السمسمية وغزل البنات، وأحياناً كثيرة بأيديهم الفارغة إلاّ من كلمات التوسّل والدعاء التي تدرّبوا كيف يلقونها بحسب القادم إليهم.
يحتار ذلك العابر كيف يسوّي بين ما يراه وما يعتقده وما يعلمه، فلا يجد مفرّاً من بعض ليرات يرميها لأحد الأطفال، أو يغضّ طرفه فلا يرى بؤسهم ولا يسمع توسلاتهم ويهرب علّه يصدّق أن كل ما يحدث أمامه إنما مشاهد تمثيلية أبطالها أطفال ومخرجيها أهاليهم أو عصابات تنتظر آخر النهار ما يأتيها منهم.
إنهم الأطفال في سورية الذين يعيشون في كنف المدن التي تحميها الحكومة بكلّ وزاراتها وهيئاتها والمنظمات غير الحكومية التي تتعاون معها (يونيسف، صندوق الأمم المتحدة للسكان، منظمة الهجرة الدولية، …الخ).
أطفالٌ من محافظات ومناطق مختلفة من سورية، منهم من امتهن هذا العمل قبل الحرب ولم يكن لها سوى تأثير مشجّع للاستمرارية، ومنهم من اضطرّتهم الظروف للعمل في الشارع بعدما فقدوا بيوتهم، آبائهم، أمهاتهم، مدارسهم، وما يعيلهم.
كثيرةٌ هي الأسباب التي دفعت بالأطفال لأن يكونوا أولاد شوارع، وقليلةٌ جداً بل تكاد معدومة الإحصاءات والدراسات التي ترصد مشاكل هؤلاء الأطفال وأعدادهم، وبالحقيقة بحثت حتى في بيانات اليونيسف وكل المنظمات المتخصصة بالسكان في سورية وخارجها لأحصل على رقم أو تقرير خاص بهؤلاء الأطفال، لكن دون جدوى فكلها تعتمد على المشاهدة والرأي، لكن لا توجد أرقام دقيقة لهذه الأعوام الثلاثة الأخيرة ترصد واقع الأطفال أوتدرس إمكانيات الحل ضمن الظروف الموجودة والقوانين المتبعة، تلك القوانين التي تقف عائقاً لكل عمل من شأنه دعم هؤلاء الأطفال أو تمكينهم. من تلك القوانين قانون الجمعيات الذي ينتظر العاملون في الحقل المدني تعديله منذ أكثر من عشر سنوات عندما كان يجتمع الناشطون/ات من أجل تقديم تعديل يساعد على ترخيص جمعيات تعمل في سورية بشكل سلس ويبعد الإشراف المباشر لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل على كل اجتماع وفعل تقوم به أي جمعية، وشاركت الحكومة حينها بمثل هذه المحاولات. والآن ومنذ سنوات أيضاً تتغنى وزارة الشؤون الاجتماعية بالقانون القادم الذي سيسيّر عمل الجمعيات، لكن كل ما يحدث إلى الآن انتظار وترقّب، أما الجمعيات التي تحاول الترخيص للعمل وتنفيذ أي مشروع اجتماعي فهي تنتظر دورها بالترخيص ضمن شروط تعجيزية، ومنها جمعيات تهدف إلى حماية الأطفال من العنف، وتقدم بالتالي مشاريع تتعلّق بأطفال الشارع ورصد واقع الأطفال من خلال استبيانات وفرق تتوزع في مختلف الأنحاء في سورية التي تحت يد النظام، لكن كل هذا غير ممكن دون ترخيص من الوزارة التي تتمسّك بقانون جمال عبد الناصر الذي نزع القانون السوري عند مجيئة ووضع مكانه هذه التحفة المقيتة من قانون لا يمكنه أن يدعم أي توجّه مدني في سورية.
أما القوانين الأخرى المعرقلة لإنقاذ الأطفال المشردين أو أطفال الشوارع – ومن ضمنهم العاملين- فهي تتعلق بقانون العقوبات الذي يمنع أن يعيش الطفل خارج أسرته فلم يُقرّ بعد قانون خاص للأطفال الذين يعيشون ضمن أسرة لا تليق بالأطفال، من مثل الأسر التي تستغل الطفل في أعمال الدعارة أو العمل في الشارع أوتتركه عرضةً للتشرد، وتُبْقي على حق الولاية للأهل رغم كل الاختراقات للقوانين وحقوق الإنسان التي قد يستخدمها الأهل المستغلين لأطفالهم. وهنا نعود إلى اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها سورية عام 1993 التي تطالب بالرعاية البديلة للأطفال الذين يعيشون ضمن ظروف سيئة مع ذويهم وبسببهم، لكن تبقى القوانين الداخلية التي لم تتعدل لتتوافق مع الاتفاقية التي هي بالحقيقة بمرتبة أعلى من القوانين حيث تأتي بالتراتبية بعد الدستور ومن ثم للقوانين الداخلية لكن للأسف التعديلات القانونية تحتاج المزيد من الاجتماعات والمؤتمرات.
وهنا لن يسع المجال للحديث عن مجمل القوانين التي تعيق العمل المدني والعمل مع الأطفال فالتغيير يجب أن يكون جذرياً ومتكاملاً، وبالوقت نفسه لا بدّ من ذكر بعض القوانين الجيدة من مثل قانون الاتجار بالبشر، وقانون الأحداث، لكنهما يحتاجان للدعم والتطبيق الحقيقي على أرض الواقع المؤلم الذي يعيش فيه أطفال يمكن أن يصنّفوا أنهم يعيشون في المنطقة الأخطر في العالم.
ويبقى أطفالنا في الطرقات عرضةً لكافة أنواع الاستغلال الجسدي والجنسي والنفسي، وعرضةً للإجرام حيث تكثر حالات الخطف والتجارة بالأعضاء، وأيضاً عرضةً لتجار المخدرات والحشيشة حيث يتم استغلال الأطفال في أعمال البغاء وكذلك المواد المخدّرة، رغم البروتوكول الإضافي على اتفاقية حقوق الطفل والذي صادقت عليه سورية – الأشطر عالمياً بالمصادقة على الاتفاقيات الدولية والأضعف في التطبيق-، وهنا لا تملك بعض الفعاليات المسموحة في سورية إلاّ العمل في إطار تنظيم احتفاليات وفعاليات يرقص بها الأطفال ويوزّع لهم بعض الهدايا والحلويات ليعودوا بعد مغادرة الكاميرات إلى أعمالهم في الطرقات وأمام المارة الذين يحتارون كيف يتعاملوا مع هذه الظاهرة المنتشرة فهل يشجعونهم على العمل في الشارع أو التسوّل بإعطائهم بعض المال، أم يغضون الطرف أمام توسلاتهم في بلاد لا تعرف من الطفولة سوى المتاجرة بقصصهم لكسب دعم أكبر في الاغاثة والتمويل.

Untitled-19

برومو الشهيد ناجي الجرف