حكايا البيدر

هل للسوريات دور مرتقب في عملية التحوّل نحو الديموقراطية

غيداء العودات

منذ اليوم الأول للحراك الشعبي كانت المرأة جنباً الى جنب مع الرجل في تنظيم التظاهرات والحشد لها والمشاركة بها إذ رأت فيها الفرصة لتغيير الوضع القائم بشكل عام وتغيير وضعها بشكل خاص، وكانت فرصة تفويتها يعني بقاؤها لعقود طويلة جديدة تناضل لتغيير وضعها والحصول على مواطنتها كاملة دون نقصان، لكن الاعتقالات والانتهاكات اللتي مورست بحقها جعلت تضييق المجتمع عليها يزداد من باب الحرص على سلامتها.
المجتمع حيث الأعراف والعادات يحتل بها الشرف والسمعة وفق مفهومه الضيق مرتبة أولى شكلت هاجساً لديه مما ضيّق على المرأة السورية نطاق مشاركتها، وتطور هذا التقليص بعد عسكرة الثورة، فكانت نقطة تحوّل أضعفت دورها ومساحة مشاركتها لتنحصر بالتمريض والطبابة، ومن ثمّ بالإغاثة نتيجة التهجير والنزوح الذي ازداد وبات يُشكّل عبئاً لا بدّ للمرأة من المشاركة بتحمّله.
بدت الثورة فرصة مثالية للمرأة لتغيير وضعها جذرياً، لكن انشغالها بأعمال التمريض والإغاثة شكّل قيداً لها ولمشاركتها فيما حلمت به من عملية التحول الديموقراطي، وكجزء من المجتمع بدا أثر سنوات التهميش لدور السوريين في العمل السياسي، وحالة الرهاب التي تركها حكم الاستبداد نحو العمل السياسي ظهر فيما بعد جلياً نقص امكانياتها الانخراط بالحركة السياسية كدعامة للتغيير وحاجتها إلى جهد كبير لإعادة تمكينها سياسياً وقيادياً لتأخذ دورها في عملية التحوّل، كما ظهر هذا في كل فئات المجتمع.
إن ضرورة تواجد المرأة الفعّال في عملية التحول الديموقراطي ينبع من ضرورة طرح قضاياها على مائدة صنع الدستور لتغيير كل ما يخصها فيه بما يتناسب مع نيلها المواطنة المتساوية التامة ومساهمتها في كل التغييرات اللتي ستطرأ عليه قانونياً واجتماعياً واقتصادياً، والحرص على عدم تهميشها. فتراوح مكانها لعقود طويلة قادمة.
وبإلقاء نظرة شاملة على الوضع القائم ومجرياته لن نجد صعوبة في ملاحظة إقصاءها من عملية التغييروإعادتها عقوداً للخلف بدلاً من السير قدماً نحو تطوير وضعها مما يتطلب عناية تامة بدراسة واقعها الحالي في ظل الهجمة المظلمة على المجتمع، والانتباه لضرورة العمل على إظهار حقيقة ما يجري لها وما تعاني منه وهي صامتة من الخوف والقهر، وعدم إغفال هذا بحجة الوضع الراهن والأولويات والضرورات، ولا بد من رعاية مجموعات نسوية في كل المجتمعات المحلية على اختلافها ومستوياتها لتتمكن من رفع صوتها ومقاومة التهميش وسلب حقوقها على قلّتها واللتي كانت تملكها وتمكينها من مفاهيم الدولة المدنية والعلمانية وتوعيتها لأهمية فصل الدين عن الدولة كضرورة تجنبها إمكانية اعتماد الدستورعلى الشرائع الدينية التي تتعامل مع المرأة كمواطن من مرتبة ثانية، وأن هذا الفصل يعني ضمان عدم تعرّضها لهذا التمييز وخسارة جزء كبير من حقوق المواطنة إن لم تعتمد الدولة القوانين القائمة على عدم التمييز على أساس اللون أو الجنس أو العرق أو الدين .إن ثورة قامت للحريّة الانسان باتت خطراً داهماً لسلب الحريّات الضئيلة التي كانت متاحة للمرأة نتيجة تسلل قوى ذات أفكار دينية واجتماعية متشددة ومغلقة ومستقدمة في أحيان كثيرة حاملة نظرة وصورة نمطية تبنتها لقرون عديدة ماضية مقابل ضعف العمل المدني بمنظماته المدنية والنسوية القديم -المهمّش منها سابقاً مما لم يُعطه الخبرة والمؤهلات الكافية لقيادة المجتمع- والوليد الهشّ منها، ونساء مُسْتضعفات في المجتمع لا يعين قضاياهن.
لا زال الحراك النسوي ضعيفاً يحبو ببطء رغم كل ما قدمته المرأة أماً وابنة وشريكة في الوطن، وما تتحمله من معاناة، وما تقدمه أماً وابنة وشريكة في الوطن. هذا الضعف الذي لم تُغيّر به شيئاً منظمات المجتمع المدني الدولي بمشاريعها الضئيلة الأشبه بمشاريع استثمارية لا تهدف للتغيير الحقيقي المستدام بقدر هدفها الآني الضعيف التأثير حقيقة على المجتمع السوري والمجدي لها آنياً على الصعيد الاستثماري، رغم وضوح حاجة المرأة السورية للتمكين والدعم والإعداد بانتظار مساهمتها الفاعلة في التحول القادم مهما طال انتظاره.
بات من الضروري التركيز في المرحلة الحالية على دور المرأة المنتظر في الضغط نحو الحل السياسي السلمي كخطوة لتأهيل الوضع العام لصناعة الدولة وفق المفاهيم اللتي تحقق المواطنة بشكل عام والمواطنة المتساوية لها بشكل خاص لأن من أولويات بناء دولة قوية ومجتمع متماسك ومتوازن تفعيل مواطنة كل أفراده بدون استثناءات موضوعة ولا تمييز متوارث ولن يكون هذا ما لم تشارك المرأة بشكل أساسي في الحياة العامة الاجتماعية والسياسية وما لم تجد الدعم الكافي لهذه المشاركة رغم كل ما ستواجهه ويواجهه متبنّي هذا الفكر من تحديات.

Untitled-20

برومو الشهيد ناجي الجرف