حكايا البيدر

المرأة السورية ما بين العنف الممارس عليها ورؤيتها للسلام

أمل نصر

مع ظهور ما يُسمّى بالربيع العربي أواخر عام 2010، وامتداد رقعته الجغرافية على اختلاف أشكاله ونتائجه ما بين تونس والبحرين ومصر واليمن ليصل سورية شعباً وأرضاًفي آذار 2011 مشكلاً ربيعاً سورياً حقيقياً للشعب عامّة وللمرأة السورية خاصة عبر مساهمتها الحقيقية والفاعلة في الاحتجاج السّلمي في كافة المناطق السورية ومن كافة أنتماءاتها الفكرية والمجتمعية والسياسية، حيث ظهرت ريادتها بقيادة المظاهرات النسائية وخاصة في الريف، وأثبتت من خلال ذلك أن مشاركتها كأنت تليق بمستوى طموحاتها بما رفعته من شعارات دون أن تُميّز خاصيتها فيها، بهدف التأكيد أن القضية هي قضية حرمان متساوٍ لجميع أفراد الوطن من حقهم في حريتهم بالتعبير والكرامة والمواطنة، مشاركة فاعلة جنباً إلى جنب مع كل السوريين على مختلف أطيافهم وانتماءاتهم الفكرية والمجتمعية والسياسية وحتى الاقتصادية، وتحويل تلك الاحتجاجات من صرخة غضب إلى ثورة شعب ضد الاستبداد والدكتاتورية.
مع بدء تغلغل سرطان المال السياسي في جسد الثورة بعد مرور أكثر من عام عليها، تحولت من عنف الاستبداد على شعب إلى صراع مصالح لأطراف وقوى مدعومة من أطراف أخرى محلية وعربية وإقليمية، وبدأت مرحلة جديدة اختفت فيها معالم الاحتجاج السلمي لصالح عسكرة الثورة وتحولت بمنتصف عام 2012 إلى حالة من العنف المتبادل بين الأطراف الذي أدى بعد عامين من الثورة- عندما تزاوجت مع الدين السياسي- لتحول قضية الشعب السوري إلى قضية عصابة من المتطرفين العنفيين تحت مسميات متعددة الدينية منها مؤخراً والسياسية سابقاً، واستطاع النظام أن يثبت للعالم إعلامياً أنه صاحب مشروع حقيقي بمناهضة الثورة، فهو من ادعى أنها بدأت سلفية وليست سلمية وهو من يكافح الإرهاب. وكان المنزلق الأكبر لتلك القضية الترويج والتسويق الإعلامي لها من كل الأطراف المتنازعة عسكرياً وعنفياً في الساحة السورية محلية كانت أم غير ذلك، ولم يدرك المجتمع الدولي والإقليمي والعربي أنها قضية متطرفين من أشكال عدة لأطراف عدة، الثمن الوحيد لعنف تطرفهم هو ما دفعه المدنيون من الشعب السوري من دماره ودماءه وتهجيره واعتقاله وتعذيبه وتشويهه جسدياً ونفسياً لصالح مصالح المتصارعين المشتركة في المنطقة وفي سورية خاصة، على حساب أساس القضية السورية التي ناهض الشعب فيها الدكتاتورية والاستبداد.
وبجردة حساب أولي لما قدمه المجتمع الدولي و الأمم المتحدة ومجلس الأمن من تضامن مع قضية هذا الشعب، وما وصلت إليه المرأة السورية من نير عنف تلك الأطراف المتصارعة، الذي حصدت نتائجه المرأة حرمانا لها ولأسرتها العيش الكريم والأمن واستبدل به الذل والقتل والنزوح والتهجيرواللجوء والاغتصاب والبيع كسلعة والتزويج المبكر للقاصرات (وخاصة في المخيمات بدول الجوار و بلاد اللجوء العربية، وأكثر ما ظهر من عنف ممارس ضدها ما حصل لها في المناطق التي سميت بالمحررة) مناطق تحررت من النظام واغتصبت من تنظيم الدولة الإسلامية بدعم محلي وعربي ودولي.
وفي مخاض الوضع القائم للنزاعات المسلحة وللعنف الدائر بين المتصارعين الذي لا يؤدي إلى إبطاء عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل تهدم ما أحرز فيها من تقدم سابق وتتعاظم المخاطر الاقتصادية إلى تهديم البنى التحتية إضافة للبنى الفوقية وانتشار البطالة والفقر والجوع، والتي تجني المرأة فيها أقسى مراحل حياتها كأم ومعيل ومنتج أينما كانت من رقعة سورية جغرافياً ، و مهما كان انتمائها الفكري والديني والقومي، ومع تسلل الفئات المتطرفة دينياً وفكرياً وعنفياً إلى ميدانها و رزوخها تحت وطأتهم وازدياد العنف عليها في دائرة المتصارعين والمتنازعين بالسلاح مما أدى إلى فقدانها أبنائها وأزواجها وآبائها، أما بسبب انخراطهن بحمل السلاح أو الموت أو الاعتقال أو الإعاقة، وزاد عبئها عندما أصبحت هي المعتقلة حيث دفعت الأثمان مرات ومرات عنها وعن عائلتها. إضافة إلى انخراط قسم من النساء بالعمل العنفي المسلح نتيجة الحاجة المادية أو النفسية العنفية إن كان مع النظام بانضمامها إلى الجيش الشعبي والشبيحة بأجر شهري، أو كان مع المعارضة المسلحة كقناصات، أو خطف جنود، أو تهريب سلاح أو طعام أو…..كل ذلك مقابل راتب شهري لتقات به وأسرتها من جور الفقر والظلم، أو لجوء الأخريات منهن إلى نظم كسب العيش غيرالمشروعة كالعمل في الدعارة أو التهريب بمختلف أشكاله وألوانه أو الانتقال للعيش عند المتطرفين الإسلاميين (تنظيم الدولة الإسلامية) أيضاً بأجر شهري، أو الزواج بأمير ديني الخ …..
كل ذلك أدى إلى تدهور أوضاع النساء على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، التي أفقدت المرأة شعورها بالانتماء لوطن لا يستطيع حمايتها ويفتقر إلى الأمن والاستقرار والسلام لها ولأسرتها.
وتكرس ذلك بتجاهل المجتمع الدولي والعربي قضيتها خاصة وقضية شعبها عامة على المستويين الخاص والعام وتكريس الخطاب السياسي الإعلامي الذي لم يكن في صالحها، خاصةً عندما اختصرت قضيتها بقضية اغتصابها إن كان من طرف النظام أو من الأطراف الأخرى، متجاهلين اغتصاب أرضها وأمنها ومستقبلها، ووقف الجميع متفرجاً وخاصة المجتمعات العربية والإسلامية، دون أدنى رادع لإزالة العقبات السياسية والمجتمعية والأمنية التي تعوق سلامها وأمنها واستقرارها لها ولشعبها، ودعم انعكاس السياسات العامة لهم على مصالحها المستقبلية، ترافق مع تراجع في وصولها إلى مواقع صنع القرارالسياسي مع كل الأطراف وتولّي المناصب القيادية والارتقاء بأدائها المجتمعي. وتجلّى ذلك تاريخياً بالابتعاد عن تمكين كافة أطياف المجتمع والمرأة خاصة من حقوقهن المجتمعية، بخصوص الشرعة الدولية والقانونية لحقوق الإنسان وبأهمية ذلك بانعكاسه على المجتمع كافة تحرراً ونمو الواقع يمنع الوصول إلى الحالة التي وصلنا إليها اليوم.
وحيث أن صرخة المرأة السورية لم تستطع أن تصل إعلامياً بشكل جاد وفاعل لخلق التواصل والتضامن بين النساء العربيات، وبينهن وبين البرلمانيات العربيات والأوربيات، لدعم قضيتهاً عربياً ودولياً لتكون قوة ضاغطة وفاعلة لضمان التكاتف والتكاشف بأوضاعهن من جهة، وللضغط على شعوبهن وحكوماتهن لدعم حراك المرأة السورية السلمي في حقها بوقف العنف وبناء بلدها سلمياً.
وبالعودة إلى ثورات المجتمعات انطلاقا من أن النساء وأُسرهن هن هدف لكل أشكال العنف الواسع النطاق في مرحلة النزاع المسلح، فيجب تعزيز حمايتهن من خلال التأكيد على أهمية الالتزام بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الستة لحفظ أمن وسلام المرأة (القرار 1325الصادر عام 2000 وصولاً إلى القرار2122 الصادر عام 2012) يتعلق فحوى القرار بحماية النساء وأُسرهن بالحد من العنف، واحترام حق مشاركة النساء في إدارة حالات النزاع وصناعة السلام وإعادة الاعمار. لكي يكون ضرورة من ضرورات الواقع للمرأة السورية للتعرف عليه والانخراط فيه كمشارك وفاعل وضامن للعملية السلمية على الساحة السياسية والمجتمعية.

Untitled-21 Untitled-22

برومو الشهيد ناجي الجرف