حكايا البيدر

الشفافية الحكومية وحرية المعلومات

الدكتور علي حمدان- دكتوراه في القانون الدولي

مقدمة
من الضروري أن يطلع المواطن على معلومات الحكومة في سبيل تطوير المجتمع المدني والديمقراطي وصونه، فالمعلومات تسهل المعرفة والحوار لدى العموم وتوفر لهم مناعة حصينة في وجه أشكال التعسف وسوء الإدارة، ناهيك عن أن الانفتاح والشفافية في عملية صنع القرار يساعدان في الحفاظ على ثقة المواطن في أعمال الحكومة.
بعض التجارب
أولاًـ على المستوى الدولي
أُقرّ حق الوصول إلى المعلومات في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية عام 1966.
كذلك أقر المجتمع الدولي بأهمية الوصول إلى المعلومات لدواع أخرى، كاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد عام 2003 التي تدعو الحكومات إلى السماح للمواطنين بالوصول إلى المعلومات على أنها إحدى الوسائل الآيلة إلى مكافحة الفساد.
كذلك دعت مبادئ ري ودي جانيرو (قمة الأرض) عام 1992 إلى حرية الوصول إلى معلومات بيئية موجودة في حوزة السلطات العامة، تعزيزا لمشاركة المواطنين في صنع القرارات المتعلقة بالشؤون البيئية.
أيضاً وقعت أربعون دولة اتفاقية لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوربا حول الوصول إلى المعلومات عام 1997 (اتفاقية آروس).
وقد أقرت كل من منظمة الدول الأمريكية والمجلس الأوربي وأمانة الكومنولث، حق الأفراد بالحصول على المعلومات الموجودة لدى الحكومات.
ثانياًـ على المستوى الوطني
اعتبرت كثير من دساتير العالم حرية الوصول إلى المعلومات في مصاف حقوق الانسان أو الحقوق الأساسية للإنسان.
وقد قامت خمسون دولة بإقرار قوانين شاملة تتعلق بحرية المعلومات أو الوصول إلى المعلومات. وقد انطلقت هذه الحملة من دول أمريكا الشمالية وأوربا ثم مالبثت أن توسعت لتشمل كل من الباكستان والهند وتايلاند وغيرها من دول العالم.
منافع حرية المعلومات
أعلن البنك الدولي في دراسة أجراها عام 2003 أن الحكومات التي تتمتع بشفافية أكبر تحكم بشكل أفضل لجهة مجموعة من مؤشرات الحكم مثل: فعالية الأداء الحكومي، والأعباء التنظيمية، والفساد، وحق التعبير، والمساءلة، وحكم القانون، والكفاءة الإدارية…الخ.
وبشكل عام يمكن القول بأن حرية المعلومات تدر على المواطنين والحكومات عدة منافع أهمها:
1ـ تحسن المشاركة في العملية الديمقراطية وفهم هذه العملية، لأن المواطن أصبح يعرف أسباب القرارات المتخذة وسيقوم بدعمها.
2ـ تراجع إمكانية صنع القرارات الحكومية انطلاقاً من بواعث مشكوك فيها، وبالتالي ستستند القرارات التي تنشر على العموم إلى أسباب موضوعية وتعزز الثقة بالحكومة.
3ـ تضاؤل الفرص المتاحة أمام الممارسات المشوبة بالفساد لأنها تقتضي توفيق الأسباب الداعية إلى تلزيم العقود وسواها من العمليات المالية وتبريرها.
4ـ تزايد إمكانية التصدي لأشكال سوء استخدام السلطة على يد قادة سابقين لمعرفة مصير المفقودين والضحايا في الفترات السابقة التي انتهكت فيها حقوق الإنسان.
5ـ تحسين فعالية الحكومة، إذ تستطيع حرية المعلومات أن تُحسّن تدفق المعلومات داخل الحكومات، في حين تحدّ شدة السرية من قدرات الإدارات الحكومية على تشارك المعلومات مؤثرة بالتالي على فعاليتها.
6ـ تدني الحاجة إلى قوانين تنظيمية وتحسين السلامة العامة: تجمع الحكومات كماً هائلاً من المعلومات المرتبطة بنشاطات القطاع الخاص، ويمكن استعمال هذه المعلومات لدى الكشف عنها كبديل لإقرار بعض القوانين التنظيمية، وهذا يخول منظمات المجتمع المدني وكذلك المواطنين مراقبة الشركات الخاصة عن طريق الإعلان عن بعض الممارسات المضرة بالمجتمع. فمثلاً إن نشر المعلومات المتعلقة بالمواد الملوثة التي تطلقها الصناعات يساهم بإعلام المجتمعات المحلية بالمخاطر المحتملة.
7ـ زيادة الشفافية: من شأن إقرار القوانين المتعلقة بحرية المعلومات أن يفضي عموماً إلى المزيد من الانفتاح في النشاطات الحكومية، فتدرك الحكومات أن نشر القسم الأوفر من المعلومات لايضير بوظائفها أو بموقعها السياسي، وبالتالي فهي تضع المعلومات أكثر فأكثر في متناول الجميع.
8ـ تحسين إدارة السجلات الحكومية وزيادة دقتها: تؤدي القوانين المتعلقة بحرية المعلومات في كثير من البلدان إلى تحسين أساليب حفظ السجلات تحسيناً ملحوظاً. ويكفل حق الاطلاع على الملفات الحكومية دقة السجلات.
من يستعمل حرية المعلومات؟
أولاًـ الأفراد: هم الفئة الكبيرة المستفيدة من قوانين حرية المعلومات للحصول على معلومات تهمهم، مثل رفض بعضهم في المسابقات أو الحرمان من القروض أو الرسوب والنجاح في المدراس والجامعات.
ثانياًـ المجتمع المدني: فالمجموعات المعنية بشؤون البيئة تطلب معلومات عن المخاطر البيئية، ومجموعات حماية المستهلك تطلب معلومات حول سجلات المنتجات والنظافة…الخ.
ثالثاًـ وسائل الإعلام: إذ يحتاج الصحافيون لمعلومات كافية لكتابة تقاريرهم.
رابعاًـ الشركات: يحق للشركات الوصول إلى مجموعة واسعة من المعلومات التي يمكن استعمالها لأغراض تجارية، وهذه المعلومات تشمل الأبحاث العلمية التي أجرتها هيئات حكومية ويمكن استعمالها في الصناعة والتسويق…الخ.
خامساًـ الأحزاب: من حق الأحزاب أن تصل إلى المعلومات الحكومية لتمارس دورها في العملية السياسية.
تطبيق قوانين حرية المعلومات:
أولاًـ الإطار الزمني للتطبيق: عادة يتطلب تطبيق قوانين حرية المعلومات بعض الوقت لإتاحة الفرصة للإجراءات الإدارية والتدريب على ممارستها، وهذه الفترة تتراوح بين ستة أشهر وثمانية عشر شهراً. وهناك بعض الدول تطبق هذه القوانين على مراحل.
ثانياًـ هيئة تنسيق مركزية: قادرة على وضع استراتيجية لتنسيق الجهود، وتكون هذه الهيئة مدعومة من أعلى المستويات. وتتمثل وظائف هذه الهيئة بالتوجيه والتنسيق والتدريب والإشراف ونسج الشبكات.
ثالثاًـ التطبيق داخل الإدارات: ينبغي على كل هيئة حكومية أن تبادر أولاً إلى تعيين منسق مهمته السهر على تطبيق القانون داخل إدارتها، ويجب أن يتمتع هذا الموظف بصلاحيات واسعة.
وأخيراً نستطيع القول ما أحوجنا إلى شيء من الشفافية في هذه المرحلة الحساسة من ثورتنا المباركة.

Untitled-23

برومو الشهيد ناجي الجرف