حكايا البيدر

أطفال أم قنابل موقوتة

تيم رمضان – الرقة تذبح بصمت

 ليس تجنيد الأطفال مشروعاً جديداً لتنظيم الدولة ، وان تغير اسمه فهو امتداد لمخطط «طيور الجنة» الذي انتشر في العراق عام 2008، في أواخر فترة حكم أبو عمر البغدادي لتنظيم دولة العراق الإسلامية، حيث استهدف مجموعات الأطفال الذين تتراوح أعمار هم بين 9 و14 عاما ويتم استخدامهم من قبل التنظيم بشتى الأعمال، خصوصا جمع المعلومات ونقلها ونقل الأموال والذخائر والأسلحة وأعمال المراقبة، وصولا إلى الهجمات الانتحارية. وتحول الاسم الجديد إلى «أشبال الخلافة» ويتركز البحث عنهم بين اليتامى والفقراء ليتم إعدادهم كقادة التنظيم مستقبلاً أو إغناء مخزون التنظيم بعدد أكبر من الانتحاريين المتطوعين.
ويعتبر الأطفال الثروة الحقيقة التي سيطر عليها التنظيم الى جانب الحقول النفطية والمساحات الجغرافية الشاسعة والتي ساعدته بالتمدد وتركيز دعائم دولته في المنطقة، لأنه سخر الأطفال لخدمته وإكثار عديده، مستغلاً حبهم لارتداء البزّة العسكرية واعجابهم بوظيفة رجل الأمن الذي يحمي البلاد ، والرغبة بتجربة هذا الدور بنفسهم.
يروي أحد الآباء لمراسل الرقة تذبح بصمت من الذين انضم ولده ذو الرابعة عشر عاماً للتنظيم: غاب ابني عن البيت دون سبب ولم استطع ايجاده في المدينة بعد بحث استغرق اكثر من اسبوع ، ليخبرني عناصر التنظيم أنه ألتحق بمعسكرات التنظيم، عندما طلبت منهم اعادته : قالوا لي ”انك لن تستطيع استرداد ابنك لأنه يتبع معسكراً واسمه السمع والطاعة و من يغادر التنظيم بعد اتباع هذا المعسكر يعتبر مرتداً ويطبق عليه حد الردة وهو القتل” ولم أعد أعرف هل أعيده الآن مقتولاً أم أنتظر أن يفجره الأمير لتحقيق مآربه.
وفي الوقت الذي يعاني التنظيم من إقناع المقاتلين السوريين بتنفيذ عمليات انتحارية مستخدمين القرعة لاختيار اسم المنفذ، اضافة لعدم ثقته بالمقاتلين الجدد في المدن التي سيطر عليها كونهم لم يتربوا تربية اسلامية صحيحة حسب وجهة نظر التنظيم، يبث صوراً لمقاتلين لا تتجاوز اعمارهم الخامسة عشر يقومون بعمليات إعدام لأسرى وقعوا بيد التنظيم واصدارات لعمليات انتحارية يظهر منفذيها وهم من الأطفال، فالهدف الأبرز من تجنيد الأطفال الذي ارتفع بشكل كبير في الفترة الأخيرة بعد اتساع دائرة المواجهة ، هو تحويلهم إلى قنابل موقوتة وذلك لسهولة تجنيدهم، إلى جانب الحاجة إلى كوادر جديدة تضمن استمرار المعارك بعد الحرب الدائرة عل الإرهاب، ففي حرب جندت كل من حولها ، وجعلتهم حطب لتستعر نارها، طرفان تنازعا فيما بينهما لصنع متطرف صغير سيمتد مع الأيام ، نظام لوث صفو السماء بطيارته ، وتنظيم صبغ مدينتهم بالسواد ، باتت مدارسهم بين مدمر بصواريخ الأسد ، أو مقراً لعناصر التنظيم باتوا يرون أشخاص يدعون الخلود والأسطورة ، هذا الأمر الذي استغله التنظيم وأوهمهم أنهم إذ ما انضموا سيكونون أحد أبطال العصر، واقع حرف أعين الجميع والاطفال تحديداً ليروه من منظورهم الخاص، بيت مدمر وسواد يلتحف الجميع ورفاق حي باتت الإصابات علامة مميزة لهم، وعائلة صب الزمان عليها كل أنواع عذابه ليكون الجوع أخرها ، فقرر المضي بطريق مر يلتمس منه الحلاوة لمن حوله يقول أحمد من أهالي مدينة الرقة: لفت نظري طفل يتجول في الشارع معلقاً على كتفه بارودة ارتفعت فوق رأسه، أدهشني المنظر لأنني كنت استغربه عندما اشاهد على التلفاز في صفوف بعض الميليشيات الأفارقة، فكيف وأنا أراه اليوم في صفوف أبنائنا الذين أتوقع أن مقاعد الدراسة هي المكان المناسب لهم واتبع التنظيم الأسلوب التحريضي لجذب الأطفال حيث أمن لهم عددا من الأنشطة الترفيهية عن طريق الخيم الدعوية التي تقام بشكل دوري ليتم توزيع الهداية الرمزية عليهم ، والأجواء الخاصة التي غالبا ما افتقدت في البلد بسبب النزاع الدائر، وبهدف جذب مزيد من المراهقين يتم ترتيب اللقاءات في المدارس حول موضوع الحرب، ويفهم الأطفال أن باستطاعتهم القتال بغض النظر عن موقف الأهل من قرار ابنهم الذي سيدعمه التنظيم ويحميه. خطاب اعتمده التنظيم أيضا في المساجد ، وسواء في المدارس أو المساجد، يستهدف التنظيم الأطفال الذين يتعدى عمرهم التسع سنوات، فالأطفال يمكنهم التنقل بسهولة وخفة في المناطق الساخنة، ولا يكونون موضعا للشك من عناصر العدو أو الجيوش النظامية، كما إن تجنيد الأطفال يشكل مجموعات متتالية من العناصر الجهادية التي ستكبر على الإيمان بالنهج الذي يعتنقه التنظيم .
ولم تقتصر ممارسات التنظيم على استخدام الأطفال، لتنفيذ العمليات الانتحارية أو القتال فحسب ، بل جعلهم التنظيم أيضا جلادين. فقد سلط تقرير للأمم المتحدة نشر في شهر نوفمبر2014 الضوء على الاستخدام الممنهج من قبل التنظيم للأطفال ما دون الـ18 كجلادين، متحدثا عن المقاتل الذي يبلغ عمره 16 عاما الذي نفذ عملية قطع رأس جنديين، كان التنظيم قد اختطفهما من قاعدة طبقة الجوية في أواخر أغسطس عام 2014، في سلوك (الرقة)، كما أظهر شريط فيديو آخر طفلا لا يتعدى عمره 8 سنوات يقوم بإعدام رجلين اتهمهما التنظيم بأنهم جواسيس لروسيا.
أشبال الخلافة و معسكر الزرقاوي وأشبال العز ، أسماء معسكرات أقامها التنظيم تضم مئات من الأطفال الذين يتم تدريبهم على استعمال الأسلحة والرمي بالذخيرة الحية وخوض الاشتباكات والمعارك والاقتحامات. لتحمل خط سير التنظيم ، ويتم تسليط كل التأثيرات الخطابية وبرامج الإعداد ليصبح خيار القتال والاقتناع باستراتيجية التنظيم العسكرية الخيار الأوحد، بحكم ما يحمله الشباب من قناعات تم تكريس كل أساليب الإقناع ليصل إليها طوال فترة العزل عن المجتمع ، مستغلين حالة العاطفة الدينية لصغار السن، الذين عادة ما يكونون انخرطوا في تجربة تدين حديثة، مصحوبة بالاندفاع شديد، ويحرص التنظيم في معسكرات التدريب على تأمين الملبس والمسكن ووجبات الطعام ، وهو يعتبر الأطفال من أولوياته محاولا كسب ولائهم على المدى البعيد من خلال تلقينهم آيديولوجيته التي يحاول فرضها في المناطق الخاضعة لسيطرته.
عادل مدرس في مدينة الرقة تلقى بلاغاً من التنظيم للانضمام لدورة شرعية عقدها لتدريس المنهاج الجديد، يقول: تسلمت التبليغ عن طريق أحد تلاميذي السابقين ويبلغ من العمر 15 عاماً، لم يبقَ منه سوى وجهه، فهو اليوم يحمل سلاحاً ويرتدي «الباكستانية» ويرافقه عناصر من التنظيم، ويخاطبني بنبرة صوت مرتفعة علماً أنه كان من التلاميذ الخجولين المنعزلين لدي، ويختم خطابه بالتهديد والوعيد في حال عدم حضوري للدورة وأنه سيعتبرني من الكفرة والمرتدين ويقيم علي الحد.
ونتيجة المناخ العاصف بمحافظة الرقة، سهل جذب اكبر عدد ممكن من الاطفال للمشاركة في الحرب ، نتيجة ايقاف التنظيم للمدارس التي كانت موجودة واستبدالها بمدارس تابعة له، وتدهور التعليم بعد تغييره واصدار منهج تعليمي يخدم فكر التنظيم واجبار الاطفال على تلقيه ليرافقهم أينما ذهبوا، مما سخر لانتشار الجهل وسهولة التجنيد لخلق جيل جديد يعيشون حالة مسخ الهوية واضفاء صبغة بعيدة عما كانوا عليه تثبيت هذه الصبغة كطابع رئيسي لدى الأطفال . ويضاف إلى الجانب النظري الذي يتلقوه ، الجانب العملي الذي يلقى اهتمام واسع من قبل التنظيم ، حيث يخضع الأطفال إلى حصص تدريب عسكري داخل المدارس على الاسلحة الخفيفة أو وضع القنابل بين أيديهم لكسر حاجز الخوف من السلاح ، وتختلف الأسلحة التي يتم التدرب عليها حسب العمر والهدف من التجنيد .
وبثت مواقع مناصرة لـتنظيم الدولة نشرت في سبتمبر (أيلول) من العام الفائت صورا لطفل زعم أنه أصغر مقاتل أجنبي يقتل في معركة، ولم يكن يتعدى العاشرة من العمر، وراح أنصار التنظيم يتناقلون صور الطفل متباهين بأنه أصغر شهيد. كما نشرت صحيفة الـ «Independent» مقابلة في شهر فبراير (شباط) الماضي، مع مراهق يبلغ 17 عاما من العمر، اعتقل قبل أن يتمكن من تنفيذ هجوم انتحاري في العراق. وقال الشاب الذي اعرب عن ندمه على تصرفاته أن كثيرا من المهاجمين الانتحاريين كانوا أصغر سنا منه وتراوحت أعمارهم بين 13 و15 سنة.
وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن نشطاء في مدينة عين العرب شمال سوريا، أنهم لاحظوا وجود أطفال يقاتلون إلى جانب مسلحي التنظيم، وذكرت الوكالة أنه تم العثور على جثث 4 أولاد، اثنين منهم تقل أعمارهم عن 14 عاما شاركوا في هجمات انتحارية. كما تم رصد مقاتلين من الأطفال أيضا في محافظة حلب السورية، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية. ويسعى عناصر ”التنظيم” إلى استمالة الأطفال والتودد لهم عن طريق إغرائهم بالمال وحمل السلاح وتعليمهم قيادة السيارات، ليقنعوهم بعد ذلك بالانتساب إلى المعسكرات ويتم استخدام الأطفال كمخبرين في جمع المعلومات وحراسة المقار.
وظاهرة تجنيد الاطفال قديمة ، إلا أن ارتفاع نسبة التجنيد ونشر الصور من قبل الجهات المجندة، سمح بتداول القضية اعلامياً وخروجها من اروقة المنظمات الحقوقية وتحويله إلى قضية عامة دون قراءة للنتائج والآثار المترتبة على تفشي ظاهرة استغلال الأطفال من قبل المجموعات المتطرفة. و انتقل ملف تجنيد الأطفال واستغلالهم في النزاعات المسلحة والعنف الفكري والعملي من كونه ظاهرة مستهجنة تحاول التنظيمات نفيها أو تكذيبها، وربما تبريرها على استحياء، إلى ظاهرة تتبجح التنظيمات المسلحة في تبنيها .
من جهته أكد أخصائي علم نفس الطفل الدكتور مراد المحمد، أن ضغوطات الحرب التي يتعرض لها الطفل، هي اكبر المشاكل التي يواجها في حياته، وله نتائج كارثية على مستقبله، حيث يكبر هذا الطفل على مبدأ العنف والقتل بجانب الصراع الداخلي الذي يحاول إخفائه عمن حوله ، والذي قد ينفجر في أي لحظة بعد انتهاء الحرب ، وهو ما يعرضه لتشوهات نفسية نتيجة اثار الحرب التي تستمر معه .
واضاف المحمد أن الأطفال يحتاجون لإعادة تأهيل ولرعاية نفسية خاصة نتيجة المرحلة التي مروا بها ، إلا أن الخطابات التي تلقوها وشرعنة القتل والانتحار تصعب من المهمة .
وتجنيد الأطفال يندرج تحت باب جرائم الحرب حسب القانون الدولي الذي يعرّفه بأنه الحالة التي يحمل فيها أي طفل دون الـ18 من العمر السلاح خلال النزاعات المسلحة، اضافة الى كل أنواع استغلال الأطفال التي قد تشمل تعرضهم للأذى البدني أو النفسي أو الموت، تندرج تحت بند جرائم الحرب، إن كان القصد من التجنيد المشاركة في العمليات العسكرية بشكل مباشر أو من خلال الأعمال اللوجستية أو الاستخباراتية.
وتم تسليط الضوء في الفترة الأخيرة من قبل الجهات الحقوقية والدولية المنددة بممارسات التنظيم ضد الإنسانية والطفولة، حيث كشفت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أن التنظيم يقوم بقتل بعض الأطفال المخطوفين لديه في العراق ويحرقهم وهم أحياء أو يبيع بعضهم في الأسواق كرقيق.
كما قالت اللجنة إن “داعش” يستخدم أطفالا دون سن الـ18 كمهاجمين انتحاريين أو لصنع قنابل أو ليكونوا دروعا بشرية ضد الهجمات التي يتعرض لها من قوات التحالف.
ودانت لجنة حقوق الطفل القتل الممنهج للأطفال من أقليات دينية وعرقية بما في ذلك عدد من حالات الإعدام الجماعي لصبية وكذلك تقارير عن قطع رؤوس وصلب أطفال وحرق أطفال أحياء.
من جهتها، أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” قيام “داعش” والجماعات المسلحة في سوريا بتجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة.
وقالت ممثلة اليونيسيف والأمم المتحدة الخاصة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة في “اليوم العالمي لمحاربة تجنيد الأطفال” إن “ارتفاع حدة، ووحشية، وانتشار النزاعات يعرض الأطفال بشكل متزايد لخطر التجنيد والاستخدام من قبل المجموعات المسلحة”.
ودعت “اليونيسيف” إلى العمل بشكل طارئ للقضاء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الأطفال، بما فيها تجنيدهم واستخدامهم في النزاعات المسلحة، وضمان التزام أطراف النزاع ببنود القانون الدولي.

Untitled-24 Untitled-25 Untitled-26

برومو الشهيد ناجي الجرف