حكايا البيدر

رهانات الدولة الكوردية

شفان إبراهيم

منذ بلورة النظام العالمي المعاصر، وقيام النظام الليبرالي الديمقراطي عوضاً عن النظام الاشتراكي، وأتساع رقعة موجة العولمة الثالثة، وتفعيل حقوق الأقليات وإخراجها من خانة حقوق الإنسان. وتفكيك الكتل والتحالفات السياسية القائمة على الديكتاتوريات والاستبداد وتغيير النظام الاقتصادي، وتفعيل دور الفرد في المجتمع البشري. زادت الحاجة إلى نقطة ارتكاز في الشرق الأوسط، تتمتع بثقل سياسي، وخزان بشري، ليقود دفة التغيير عبر دعمه دبلوماسياً وسياسياً وعسكرياً. ولعل تبني جينوسايد الأنفال وقصف حلبجة تدخل في إحدى زوايا الدعم الدولي للقضية الكوردية.
في خضم كل هذه المتغيرات السياسية، يبرز للسطح مجدداً رهانٌ كوردي ثلاثي الحوامل يُشير لخصوصية الدولة المرتقبة. إضافة إلى أن الساسة الكورد مُطالبون بتقديم ما يُميز قيام دولة كوردستان عن غيرها من الدول. إذ العبرة لا تكمن في زيادة عدد دول الشرق الأوسط، إنما يكمن التغيير البنيوي في ضرورة وجود دولة كوردية مميز بشعبها وصيانتها لمصالح الدول الغربية، هذه التجليات كلها تبرز من خلال حوامل ثلاث هي:
1 – الحامل الاجتماعي كاملاً وفق ضرورة تقسيم العمل من حيث أن البدء بمشروع الدولة لابد أن يفصح عن آلياته وبنيته، والإفصاح عن الإمكانيات التي يمكن أن تبرز في تطور لاحق منها
2- الحامل الثقافي المتمثل في بنية المجتمع الفكري سواء ثقافية دينية أو فكرية، وضرورة وجود فكر فلسفي نقدي تحليلي لخلق مجتمع مبني على قيم واضحة المعالم.
3- الثقافة الفلسفية
لكن حتى هذه اللحظة فإن انطلاقتنا من التأسيس لمجموعة الأفكار المنطقية التي تضبط فهمنا للمسألة، من العام إلى الخاص، ومن الخاص إلى الأكثر خصوصية، لا تزال ناقصة ومبتورة وهي بحاجة إلى مجموعة من الشروط:1
1- الشرط الأول ويعود إلى التاريخ، وهو تقسيم العمل
2- وجود مؤسسة ينتج من خلالها السياسي
3- التفرغ من أجل الإبداع الفكري والثقافي.
هل الكورد سبب المشكلة؟.
قبل الخوض في الرهانات المعقودة على الكورد، يجب التدليل على أن مؤسسات إعلامية ضخمة شوهت الكورد وتاريخهم ووجودهم القومي في الأجزاء الأربعة. ولعل ما ورد في مقالة لوزير الثقافة في حكومة عام 1964 السيد سليمان الخش في ذكرى انسلاخ لواء اسكندرون خير مثال على ذلك، قائلاً ( أيها الأخ العربي إذا زج بك يوماً في معركة مع العدو الصهيوني فلتكن رصاصتك الأولى إلى رأس هؤلاء الخونة الأكراد، الأرمن، الجراكسة عملاء المعسكرين) ..نشرت المقالة في مجلة الغد التي كانت تصدر من مدينة حماة حيث حمل الأقليات الكوردية والارمنية والجركسية مسؤولية تقسيم فلسطين وانسلاخ لواء اسكندرون. ويمكننا طرح معادلة مغايرة على النحو التالي: لو كان الكورد سبب المشاكل واقتطاع أجزاء من جسم الدول التي يعيشون فيها، ما سبب المشاكل والنزاعات بين كل من ( الطوارق في ليبيا، الأمازيغ في المغرب، البربر في تونس، الأقباط في مصر، قضية جنوب السودان وحكومة المركز، الحوثيين في اليمن) حينها تنجلي الصور بوضوح، فالمشكلة ليست في الأقليات، بل في عقلية السلطة العربية القائمة على الإنكار والإيغال في التعريب ونسف مبادئ حقوق الإنسان وحقوق الأقليات.
النفط العامل الأبرز لإعلان الدولة الكوردية
لأول مرة سيكون أمام الكورد فرصة سانحة لإعادة كتابة التاريخ الكوردي في المنطقة من جديد. بات الكورد هم من سيناقشون وضع كوردستان في المحافل الدولية. ترافق ذلك بتغير العلاقة بين الإقليم الكوردستاني وتركيا، بكون هذه الأخيرة وكبلد ينمو الاقتصاد فيه بشكل مطرد فإنها بحاجة إلى الطاقة، وتبدو حكومة إقليم كوردستان واحدة من أفضل الخيارات لذلك، وكلا الطرفين يتلمسان حاجة كل منهما للأخر، وكلٌ وفقَ مصالحهِ الإستراتيجية الطويلة الأمد، وما توقيع الجانبان لصفقات الطاقة إلا خير دليل على مدى التقارب الحاصل بينهما على أساس قوتين في المنطقة، بعد أن وصلا منذ سنوات إلى سياسة صفر مُشكلة. إضافة إلى رغبة تركيا بالوصول إلى الدولة الاقتصادية العاشرة على مستوى العالم، وهي تضغط باتجاه توسيع عدد الدول الثمانية الكبرى لتكون بين الدول العشرة، وتعد كوردستان العراق العامل الأبرز في تقوية الاقتصاد التركي. من جهة أخرى فالنفط المنتشر بكثافة في كوردستان سوريا، ستعتبر فرصة سانحة للاتفاقات الاقتصادية مع الجانب التركي الذي يشترك بحدود برية مع كوردستان سوريا بحوالي (800) كم. وتركيا تعي جيداً أن ما نسبته 90% من ميزانية الدولة السورية سنوياً تُجمع من كوردستان سوريا. بالنسبة للكورد فإن النفط يمثل الأمل والخلاص، وهو أيضاً طريق معبد من المسامير.

Untitled-27

برومو الشهيد ناجي الجرف