جرن حنطة

دراسة صادرة عن مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، تقوم حنطة بنشرها على جزئين

الجزء الأول
دراسات ميدانية في أثر الصراع في سوريا على المجتمع
السوريون وتجربة النزوح
العلاقة بين سكان مدينة السلمية والنازحين إليها قسراً

فريق بحثيّ بإدارة الباحث صبر درويش
أشرف على البحث وحرره: يوسف فخر الدين

توطئة
أجبرت الحربُ الدائرة الآلاف من الأسر السوريّة على ترك مكان سكنها، والنزوح إلى مناطق أكثر أماناً، وهو ما جرى مع العديد من أسر مدينة حماه ومدينتي حمص وحلب، وريف السلمية الشرقي، التي نزحت للعيش في مدينة السلمية. حيث بلغ عدد النازحين إلى المدينة نحو 50 ألفاً، وفي كثير من الحالات، انتقل النازحون إلى بيئاتٍ مختلفةٍ ثقافياً، ودينياً أيضاً، كما حصل في مدينة السلمية، واحتكّ السوريون من مشارب مختلفة مع بعضم، حيث برزت مجموعةٌ من الأسئلة حول آثار هذا الاحتكاك والتمازج الاجتماعيّ على سلوكيّات الأفراد وأفكارهم.
في هذا السياق، يُطرح السؤال حول العلاقة بين سكان السلمية والنازحين قسرياً إليها؛ وما يتفرع عنه من أسئلةٍ فرعيّةٍ حول طبيعة المكوّن الاجتماعيّ/التاريخيّ للمدينة، وعن الذهنيّة التي تولّدت من هذه الطبيعة عبر العقود، والتي سهلت نشوء تياراتٍ ثقافيّةٍ سياسيّة ذات طابع وطنيٍّ ديمقراطيّ –إلى هذا الحد أو ذاك- وعن تفاعل هذا المكوّن، وما تبقى من هذه التيارات، مع الثورة، وتحديداً مع حالة النزوح التي نتجت عن قمع سلطة الاستبداد للثورة؛ وتالياً لينشغل التفكير في العلاقة الناتجة عن تلاقي الخصوصيات (خصوصية المدينة، مع خصوصية النازحين)، والآمال والانكسارات التي عرفها هذا التلاقي في سياق صراعٍ مفتوح، وإدارة سلطة الأسد التفكيكيّة التي جهدت لوضع السوريين في مواجهة بعضهم.
وعلى الرغم من أنه لم يغب عن بال فريق العمل، الذي أنتج البحث الذي بين أيديكم، صعوبة المهمة التي يتصدى لها، والتي تصل في جوانب منها إلى الاستحالة، في ظلّ وضعٍ أمنيٍّ يؤهلهم ليكونوا ضحايا في أي لحظة، إن انكشف مسعاهم، ونتيجة النقص الشديد بمجال توثيق المعلومات والتفاصيل -فقد أخذ الفريق على عاتقه السير في هذه المهمة الشاقّة، على اعتبار أنها محاولةٌ لاستكشافٍ أوليٍّ لأرض مجهولة، على أمل أن تكون معيناً لباحثين آخرين يتحملون عبء البحث المضني في مجالٍ مازال ما قيل فيه قليل؛ وأن يتابع مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، عبر أبحاث متتالية، استكمال ما بدأه.
أهداف ومنهجيّة البحث
تهدف هذه الورقة البحثية إلى تقديم دراسةٍ وصفيّةٍ في جوانب من التغيّرات التي حصلت على معرفة السوريين ببعضهم، ومواقفهم تجاه بعضهم، مع التركيز على الظروف القاهرة التي تمت بها، كمرحلةٍ لازمةٍ لمقاربة تعريفهم لهويتهم الجامعة. وقام فريق البحث بهذه المهمة عبر الإجابة عن أسئلةٍ قد تبدو إجاباتها بديهية بالنسبة لموطنين في دول ديمقراطية، مثل: «ما مدى معرفة السوريين لبعضهم؟»، إلا أننا نجد في الواقع أن السوريين حتى تاريخ اندلاع الثورة كانوا يعيشون تحت نير نظامٍ كرسهم جماعات مغلقة أشبه بالكانتونات، تفتقد إلى الكثير من المعرفة و المعلومات عن بعضها. ونجد أنه في غياب هذه المعرفة حلت الأساطير والخرافات محل معرفة السوريين لبعضهم، وباتت هذه الخرافات الاجتماعية جزءاً أساسياً من الثقافة السورية السائدة، وهو شرخٌ ربما ساهمت الثورة السورية في ترميم أجزاء منه، عبر ما وفرته ظروف الصراع من انفتاح العلاقات الاجتماعية على بعضها، وما مكنته من اختلاطٍ بين مكونات المجتمع السوريّ، ما كان لها أن تتمَّ لولا انفجار الثورة السورية، ومحاولة السوريين فتح باب التغيير الاجتماعيّ والسياسيّ. قبل أن تؤدي مجريات الصراع إلى حرف المسار، وعودتهم إلى الانكفاء على أنفسهم. لكن التجربة، والمعرفة، حصلت فعلاُ، بإيجابيها وسلبياتها، وهو ما نبحث في بعض جوانبه.
وقد اعتمد البحث بشكل رئيسي على المراقبة المباشرة، والشهادات، نتيجة استحالة استطلاع الرأي عبر سبل أخرى بما فيها الاستبيانات. وفي ظروف أمنية شديدة الوطأة عمل فريق البحث على جمع شهادات من الناشطين المدنيين (ناشطين ثوريين، ناشطين إغاثيين، مثقفين)، والنازحين، وسكان السلمية (من فئات مختلفة منهم مدرسون). كما حاول فريق البحث استكمال المعطيات عبر البحث المكتبي، على الرغم من قلة المصادر في الموضوع؛ وقام الفريق بمراجعة الإصدارات المرئية، والصور، وتصريحات الناشطين والمثقفين من أبناء وبنات المدينة، وما توفّر من نصوصٍ منشورة عن موضوع البحث. واعتمد البحث التحليل الوصفيّ للشهادات، مع تثبيت المراجع في المتن حيناً، والإشارة إليها في الهامش أحياناً أخرى حتى لا تُشتت كثرتها في المتن القارئ .
الفصل الأول
النزوح القسري إلى مدينة السلمية في ظلّ حكم «سلالة الأسد»
شهدت مدينة السلمية الواقعة إلى الشرق من مدينة حماه، موجاتِ نزوحٍ مختلفة على مرّ العقود، وربما تكون آخر موجة نزوح على المدينة تلك التي حدثت في عام 1982، أثناء ارتكاب نظام الأسد الأب لمجزرة حماه.
في تلك الأثناء توجهت العشرات من الأسر الحموية إلى مدينة السلمية هرباً من الحرب الدائرة في شوارع مدينتهم. وبعد أن هدأت الحرب، عادت الكثير من أسر النازحين إلى منازلها، وبقي في مدينة السلمية أسرٌ أخرى استقرت فيها وتابعت عيشها.
في مدينة السلمية خليطٌ اجتماعيٌّ مثيرٌ للانتباه بالنسبة لمدينةٍ متوسطة في سوريا، حيث يوجد غرب المدينة حيٌّ يكنى باسم حي الحموية، حيث تجمعت الأسر الحمويّة النازحة إلى المدينة في هذا الحي، وبُني جامعٌ لهم؛ بينما على صعيد النشاط الاقتصادي، فقد أحضر هؤلاء النازحون معهم مهنهم وأموالهم ونشاطهم الاقتصاديّ بطبيعة الحال، فافتتحوا المحالَّ التجارية المختلفة، وزاولوا مهنهم كما كان يجري الأمر سابقاً في مدينتهم الأصل، وتملّكوا العديد من العقارات السكنية والتجاريّة، واليوم يوجد العشرات من المهن والورش وغيرها معروفة أنها «للحمويين» المتواجدين في المدينة( ).
لا يقتصر الأمر على الأسر الحمويّة، بل تضم المدينة أيضاً جماعات أخرى كانت قد نزحت إلى المدينة في ظروفٍ مختلفة، ففي السلمية سنجد بالإضافة إلى «حارة» الحمويّة، حارة «القدامسة»، وهو الحي الذي يضمُّ نسبةً عاليةً من الأسر التي نزحت من بلدة القدموس غرب سوريا في سنوات ماضية.
كما يوجد شرق السلمية حارة تدعى حارة «المشارفة»، في إشارة إلى الأسر التي تعود إلى أصول بدوية والتي استقرت تاريخياً في المنطقة وبنت منازلها واندمجت بالمدينة.
إضافة إلى ما تقدم تضمُّ المدينة ولو بنسبٍ أقل، مجموعات وافدة أخرى، كالشركس، والكرد، والعلويين، وغيرهم من الجماعات. بينما الجماعة الأكبر التي تقطن مدينة السلمية، فهم من الطائفة الإسماعيليّة، وحتى على صعيد هؤلاء، كان الكثير من أسرهم قد نزحت تاريخياً من قرى وبلدات الساحل السوريّ، وتحديداً من محافظة طرطوس، إن كان هرباً من الحروب أو هرباً من الفقر.1
وفي كلّ الحالات، تشكّل مدينة السلمية تنويعةً سكانيّة غنيّة ومتميزة، فهي تضمُّ وفقاً لما تقدم: غالبية تنتمي إلى الطائفة الإسماعيلية، التي تعتبر مدينة السلمية –معنوياً- مركزها العالميّ، وحمويّة، وعلويّة، وأدالبة، وبدو، وكرد، وشركس، وسنّة (من السكان الأصليين لمدينة السلميّة، وممن نزحوا إليها) وغيرهم.
عبر العقود الماضية، لم يذكر أنه نشبت نزاعات بين هذه الجماعات، المختلفة عن بعضها عقائدياً أو إثنياً، كما أنه لم يُذكر أنه عكّر صفو المدينة تكتلات اجتماعيّة لها طابع مذهبيٌّ أو غير ذلك، وعلى الرغم من أن المدينة وفرت عوامل استقرار إلى الوافدين إليها، وربما بسبب ذلك حافظت الجماعات الوافدة نسبياً على هويتها الدينية أو الإثنية، فظلّ الحموية معروفين في المدينة، إن كان من خلال لباسهم أو من خلال لهجتهم التي حافظوا عليها، وكذا الأمر بالنسبة لباقي الجماعات ولو بنسب أقل.
ولا يوجد مراجع موثقة حول أشكال الاندماج الاجتماعيّ المحتملة بين الجماعات في مدينة السلمية، إلا أنه وبالاستناد إلى المشاهدات العيانية، فإن أغلب هذه الجماعات بقيت منغلقة نسبياً على نفسها، حيث معدلات التزاوج من خارج الجماعة سنجده في حده الأدنى، هذا إن وجد، بينما السكن، ففضلت أغلب الأسر اختيار السكن بالقرب من الجماعة التي تنتمي إليها، وتنطبق هذه الملاحظة أيضاً على طقوس الزواج وعلى أشكال اللباس وغيرها من الطقوس الاجتماعية.
وتشير الملاحظة، إلى أن أغلب الجماعات الكبرى الوافدة إلى المدينة (كالحمويّة والعلويّة والبدو) اختاروا السكن في أطراف المدينة، فحارة «المشارفة» التي تقطنها غالبية من البدو، عندما أنشئت كانت في الطرف الشرقي البعيد من مركز المدينة، حتى إن هذا الحي لم يكن موجوداً أصلاً، وأنشأته الأسر البدوية التي اختارت الاستقرار في هذا الحيز، والأمر ينطبق على حارة الحمويّة غرب مدينة السلمية، حيث لم يكن من حي في هذه المنطقة أيضاً، وقامت الأسر الحموية بشراء الأراضي في هذه المنطقة وبناء منازلها فيها، ولا يختلف الأمر بالنسبة للعلويين، الذين اختاروا التجمع جنوب مدينة السلمية في حي يدعى «ضهر المغر».
وتقف خلف هذه الخيارات عواملُ متعددة، قد يكون رخص الأراضي السكنيّة في أطراف المدينة من بين هذه الأسباب، وقد يكون الخوف من الاندماج– أو عدم الاندماج- عاملاً يدفع بالجماعات الوافدة إلى النأي بنفسها عن الاحتكاك المباشر بالسكان الأصليين؛ وقد تكون تلك الخيارات انعكاساً لآلياتٍ دفاعيّةٍ جماعيّةٍ للحفاظ على هويتها وتماسكها الداخليّ، وشكلاً من أشكال التضامن؛ بينما يوفر التكتل السكني بالنسبة لهذه الجماعات تعويضاً عن شبكات الحماية التي افتقدتها بسبب نزوحها، وهو شيء يعكس ميل الجماعة إلى ابتكار شبكات حماية جديدة، تتمكن بواسطتها من الحفاظ على هويتها الاجتماعيّة؛ ومن جملة العوامل الإضافية التي دفعت بالجماعات الوافدة إلى اختيار ضواحي المدينة للسكن، قد يكون عدم رغبة السكان الأصليين ببيع أو تأجير العقارات لهذه الجماعات، لأسباب قد تكون طائفية بمعنى عدم الرغبة بالاحتكاك بجماعاتٍ «غريبة» عن سكان المنطقة.
وطبعاً هناك استثناءاتٌ لهذه القاعدة، فحارة «الجورة»، وهي من الأحياء القديمة والتي تقع وسط المدينة، ضمّت تاريخياً خليطاً متعدداً من الجماعات، حيث سنجد هنا أسر حموية، وأخرى إدلبية، وقدامسة، وكرد، إلى جانب أسر السلامنة المتواجدة منذ عقود طويلة.
النازحون قسراً إلى مدينة السلمية في ظلّ ثورة 2011
بعد انطلاقة الثورة السورية سنة 2011، وخروج العشرات من المظاهرات في المدن والبلدات السورية المختلفة أفضت ممارسات نظام الأسد القمعية إلى نزوح العشرات من الأسر السورية هرباً من مناطق النزاع، وبحثاً عن أماكن أكثر أمناً.
وبالنسبة لمدينة السلمية التي باشرت بإخراج العشرات من المظاهرات الحاشدة بدايةً من 18 و25 آذار واستمرت بالتنامي حتى وصلت أعداد المتظاهرين إلى الآلاف، والتي تعامل معها نظام الأسد بشكل خاص، حيث لم يتمّ قصف المدينة ولا استخدام العنف المسلح ضد ناشطيها السلميين، سوى في حالات جدّ خاصة( )، فقد شكلت بيئة آمنة نسبياً للنازحين.
وشهدت المدينة ومنذ بداية حزيران 2011، عدة موجات من النزوح، أولها النزوح الذي حصل من مدينة حماه إثر ارتكاب نظام الأسد لمجزرة أطفال الحرية في الثالث من حزيران 2011 وتصاعدت ووصلت إلى ذروتها بعد اقتحام مدينة حماه وقصفها من قبل قوات النظام، وتلاها موجات نزوح من مدينة حمص التي تحوّل فيها الصراع السلميّ إلى شكله المسلح منذ أواخر عام 2011، وتلا هذه الموجات من النزوح، النزوح الذي أصاب سكان القرى والبلدات الواقعة شرق مدينة السلمية، على إثر اشتعال المعارك بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام، فيما دعي بمعارك فك الحصار عن مدينة حمص، بالإضافة إلى قدوم نازحين من محافظة حلب وريف إدلب والرقة وريفها، ولاسيّما بعد أن باتت هذه الأخيرة في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق «داعش».
أ- نازحو مدينة حماه
لم تكد تمضي بضعة أسابيع على المظاهرات التي خرجت في مدن وبلدات سورية المختلفة، حتى وصلت شرارة الحراك الثوري إلى مدينة حماه. وهي المدينة التي اختبرت عنف نظام الأسد الأب في الثمانينيات من القرن المنصرم، ودفعت ضريبة باهظة، ماتزال حاضرةً في ذاكرة أهالي المدينة.
ورغم ذلك، وخلال بضعة أسابيع، انتفضت المدينة عن بكرة أبيها، وتمكنت خلال هذه الفترة من عام 2011، وتحديداً في أشهر نيسان وأيار وبداية حزيران، من إخراج أكبر المظاهرات السلمية في البلاد، وهو ما شكل دفعاً كبيراً للحراك الثوري في سوريا بشكل عام.
لا تختلف طريقة تعاطي نظام الأسد مع الحراك الثوري في مدينة حماه عن غيرها من المدن السورية الثائرة؛ حيث زجَّ النظام بقوات الجيش وميليشيات الشبيحة وقوى المخابرات لقمع هذا الحراك، والذي تمخض عن ارتكاب قوات الأسد لأولى مجازره بحق المدنيين في مدينة حماه.
ففي الثالث من حزيران، وفي الجمعة التي سمّاها الناشطون السوريون «جمعة أطفال الحرية»، خرج المتظاهرون إلى الشوارع وفي أيديهم أغصان الزيتون وعلى أكتافهم أطفالهم، في تعبير منهم على سلمية حراكهم الثوري( ).
وفي تلك الأثناء قامت قوات الأسد بفتح النار على المتظاهرين، وأوقعت العشرات من الضحايا بين صفوفهم، ووصلت أعداد القتلى إلى نحو 60 شخصاً، وعشرات الجرحى غيرهم( ).
دفع العنف الذي جوبهت فيه مظاهرات مدينة حماه إلى نزوح العشرات من الأسر الحموية إلى أماكن متعددة في محيط مدينة حماه، ومن ضمنها كانت مدينة السلمية.
وجدت أحداث مجزرة أطفال الحرية انعكاسها في مدينة السلمية من خلال خروج الآلاف من الأهالي بتظاهرات عمّت الشوارع، وبحسب العديد من الشهادات، رفع المنتفضون ولأول مرة شعار إسقاط النظام، كردة فعل عفوية على عسف قوات الأسد وممارساتها في مدينة حماه؛ في ذلك اليوم خرج العشرات من أهالي المدينة وبشكل عفوي إلى الشوارع، كما سارع الناشطون إلى النداء على الأهالي من أجل التبرع بالدم لأهالي حماه.
إذ بعد صلاة الظهر( )، وعند العودة إلى المنازل، سمع الناشطون بما جرى في حماه، وأحداث المجزرة المروعة التي حدثت، فأسرعوا للاتصال بمعارفهم وأصدقائهم هناك في حماه للتأكد ممّا جرى ويجري في المدينة، وبدأت نداءات الاستغاثة لطلب المواد الطبية والتبرع بالدم، فسارع الجميع للتبرع بالدم في المشفى الوطني في السلمية، أو في مركز بنك الدم، لكن ما حدث أنه لم يتم إيصال الدم إلى حماه عن طريقهما، بحجج شتى، وبالمحصلة منعت قوات الأسد أكياس الدم عن الناس، وهو ما دفع بالعشرات من بالناشطين إلى الذهاب إلى حماه للتبرع بالدم فيها.
كان مشفى الحوراني أهمَّ مشفى للتبرع بالدم، وطبعاً كانت جميع الطرق الرئيسة المؤدية إلى حماه مغلقة بحواجز تابعة لقوات الأسد، فاضطر الناشطون إلى الدخول إليها من طرقات أخرى من مداخل الريف والقرى المجاورة، وتمكّن الناشطون فعلياً من الوصول إلى المدينة والتبرع بالدم؛ وكان الملفت للانتباه في تلك الأثناء، قيام ناشطي مدينة حماه بحمل الشبان والشابات القادمين من مدينة السلمية على الأكتاف والهتاف لهم، في مشهد من التضامن الشعبي قلّ نظيره.
أدت العلاقات التجارية والاحتكاك الاقتصادي بين مدينتي حماه والسلمية، دوراً مهماً في بناء علاقاتٍ راسخة، كان لها كبير الأثر أثناء موجات النزوح التي أصيبت بها حماه المدينة؛ وفي بداية شهر آب وبعد أن قامت قوات الأسد بقصف مدينة حماه واقتحامها، ارتفعت أعداد الأسر النازحة من مدينة حماه إلى السلمية، وفي الحقيقة، شكلت هذه الفترة، الفترة الأهم على صعيد أعداد النازحين، حيث دخلت مدرعات النظام وقواته العسكرية إلى أحياء مدينة حماه ودمرت مساحات منها.
بسبب طبيعة تشابك العلاقات التي ربطت بين أهالي حماه وأهالي مدينة السلمية( )، حدثت اتصالاتٌ واسعة بين شخصيات من مدينة السلمية، تجار وموظفين وغيرهم، مع نظرائهم من حماه، وحدث تفاعل شعبي واسعٌ من أجل تأمين الأسر الحموية النازحة في تلك الأثناء، وعلى الرغم من أن مدينة حماه كانت محاصرة بالكامل من قبل قوات النظام، إلا أن الناشطين تمكّنوا من خلال استخدامهم للطرق الفرعية من إرسال العديد من السيارات التي تمكّنت من دخول حماه، وإخراج العديد من الأسر منها.
بعد عدة أيام، تمكّن النازحون من الخروج من مدينة حماه باتجاه مدينة السلمية، وهناك تمَّ استقبالهم من قبل الأهالي والناشطين؛ وبالمجمل كان العمل يجري بشكل شعبي عفوي، ففي هذه المرحلة كان وجود المنظمات الأهلية و المدنية في بدايته، وكان العمل السياسي المنظم بحدوده الدنيا، فوقع على كاهل الأهالي والناشطين عبء استقبال النازحين وتأمين متطلباتهم.
أدت «التنسيقية»، وهي كيانٌ مدنيٌّ سعى ناشطون من خلالها إلى تنظيم حراكهم الثوري، دوراً مهماً على هذا الصعيد، وكانت التنسيقية إحدى الأطراف التي عملت بدأبٍ في سبيل تأمين احتياجات النازحين، وبحسب أحد الأعضاء المؤسسين للتنسيقية الأولى في المدينة، فقد جرى تنسيقٌ كبيرٌ بينهم وبين بعض الجمعيات الخيرية في المدينة «كجمعية البر»، حيث قدمت هذه الجمعيات الكثير من المساعدات والتبرعات التي حملها ناشطو التنسيقية إلى النازحين( ).
بداية الأمر وُزعت الأسر النازحة على البيوت والمزارع المتاحة، وشارك العديد من الأهالي الذين يملكون منازل فارغة بالتبرع بمنازلهم، وفرشت البيوت من خلال تبرعات الأهالي، حيث جرى دعوة الأهالي من أجل التبرع بأدوات منزلية ومفروشات وغيرها، وفعلاً تمّ تأمين قسمٍ كبيرٍ من هذه الأسر، والتي وصل عددها بحسب القوائم التي سجلها الناشطون إلى نحو 20 ألف نازح( ).
في تلك الأثناء، كانت مدينة السلمية ما تزال خارج إطار القبضة الأمنية المحكمة، وكان للعمل المدني ثقله في المدينة، وكان لقوى المعارضة سلطتها على المدينة والتي حدّت بشكل كبير من تدخل قوى الأمن والشبيحة في شؤون الأهالي.
بسبب كل هذا، أدى الناشطون دوراً مهماً في دعم مدينة حماه بمعزل عن تدخلات قوى الأمن، حتى إنه وعندما قام بعض «الشبيحة» والعناصر الموالية لنظام الأسد، بوضع حواجز على مداخل مدينة السلمية من أجل منع النازحين من الوصول إليها، قامت مجموعةٌ من شبان المعارضة بالتصدي لهم، ومنعهم من التعرض للأسر النازحة.
كانت مدينة السلمية في ذلك الوقت تضج بالنشاطات المدنية السلمية، من مظاهرات عارمة( )، واعتصامات، وأمسيات يجري فيها إلقاء الخطب السياسية، والهتافات للثورة.. إلخ، وكان اقتحام حماه يرمي بظلاله القاتمة على مشاعر الناشطين ويستثير الحماس لدى قطاعات الشباب.
كان الموقف من نازحي حماه، هو شكلٌ من أشكال النضال السياسي، إذ اندرج في سياق الردّ على خطاب الأسد الذي اتهم، ومنذ الأيام الأولى للثورة السورية، المنتفضين بأنهم إرهابيون وتكفيريون، كما زعم أنه هو الجهة الحامية «للأقليات» في سوريا، فكان موقف أبناء مدينة السلمية من الثورة ومن اقتحام النظام لمدينة حماه، أشبه بردٍّ على هذا الخطاب، ولاسيّما عندما نعلم أن مدينة السلمية محسوبة على الأقليات الدينية.
وأياً يكن الأمر، فإن أهالي السلمية لم يترددوا في تقديم يد العون لأهالي حماه المنكوبين، والمثير للانتباه هنا، أن هذا الموقف لم يكن خاصّاً فقط بقوى المعارضة، بل إنه حتى الذين كانوا ما يزالون موالين لنظام الأسد، وقفوا إلى جانب إخوانهم الحمويين، وقدموا لهم يد العون في محنتهم تلك؛ وهو شكلٌ من أشكال التضامن الاجتماعيّ العابر للحسابات السياسية المباشرة.
ب- نازحو حمص العدية
في أواخر عام 2011، تردّت الأوضاع كثيراً في مدينة حمص الواقعة جنوب غرب مدينة السلمية، حيث تحولت النشاطات السلمية في كثير من أحيائها إلى العمل المسلح، ولاسيّما عندما أمعنت قوات الأسد في قمع مظاهرات المدينة بكلّ الأشكال العنفية المتاحة.
مع نهاية عام 2011 وحتى شباط من عام 2012 سينزح عن مدينة حمص عشرات الآلاف من سكانها، سيتوجه قسمٌ كبيرٌ منهم باتجاه دمشق وريفها، كما سينزح قسمٌ آخر باتجاه ريف حمص القريب، بينما ستتوجه العشرات من الأسر باتجاه مدينة السلمية.
وفي شهر آذار من عام 2012 وبعد سلسلةٍ من المجازر التي ارتكبتها قوات النظام وميليشياته بحقّ المدنيين، اضطر أغلب سكان حمص إلى النزوح عن منازلهم حيث باتت أحياء بابا عمرو وبابي السباع والدريب والحميدية وحمص القديمة كلّها مَهجورة تماماً وخالية من السكان.
وفي مدينة السلمية سعى الناشطون إلى استقبال الأسر الحمصية المنكوبة والهاربة من جحيم أحياء حمص المدمرة، بيد أن الزمن كان قد تغير في مدينة السلمية، حيث تمكنت قوات النظام من تعزيز مواقعها داخل المدينة، وتمكنت من احتلال شوارعها الرئيسة بالكامل، كما قامت قوات المخابرات بشنِّ سلسلة من الحملات التي أفضت إلى اعتقال العشرات من الناشطين، وهو الشيء الذي أدى إلى قمع الحراك الثوري في المدينة ومنع خروج المحتجين إلى الشارع.
وقد سبق حالة النزوح من مدينة حمص إلى مدينة السلمية، مسار من العلاقات «الثورية» بين المدينتين، فمنذ النصف الثاني من عام 2011 عمل ناشطو مدينة السلمية بجهد على التنسيق مع ناشطين من مدينة حمص، فجرى «تهريب» المساعدات الطبية والغذائية إلى الأحياء المحاصرة في حمص وبعض القرى في ريف حمص كالرستن وتلبيسة، وكان ذلك دائماً بالتنسيق بين شبان من مدينة السلمية وشبان من مدينة حمص، وهو ما أدى، وبشكلٍ تراكميّ، إلى تعزيز العلاقات بين الجانبين والأهم من ذلك تعزيز الثقة بين الشبان في ظروف كانت تزداد سوءاً مع الوقت( ).
في ربيع عام 2012، باتت مدينة السلمية تحت قبضة قوى الأمن والجيش، وانتشرت قطعان الشبيحة من آل سلامة الموالين للنظام، «وبدأت حملة اعتقالات شملت المئات من الشباب، وشُكلت في السلمية كباقي المدن الأخرى لجان شعبية من العاطلين عن العمل ومن أصحاب السوابق، وحوصرت البلدة من قبل هذه اللجان، والتي عاثت في المدينة خطفاً وقتلاً ونهباً، والتي أقامت سجناً ومركزاً للخطف والقتل وطلب الفدية. فقد تم اختطاف عشرات الفتيات وسجن المئات»( ). وعلى ضوء ذلك خَفت صوت قوى المعارضة حتى كاد يضمحل.
وفي هذه الظروف، حاول الناشطون استقبال الأسر النازحة من حمص، وتأمينهم وسط تدخلات قوى الأمن والشبيحة التي تعاملت مع النازحين بشكل انتقاميّ، باعتبارهم أعداء لهم.
ورغم ذلك، تمّ استقبال الكثير من هذه الأسر في بيوت تبرع بها أصحابها، أو قبلوا بأجورٍ رمزية؛ وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار تردي الأوضاع الاقتصاديّة والأمنيّة في المنطقة، وأضفنا كلّ هذا إلى ازدياد عدد النازحين، فإن النتيجة كانت صعوبات كبيرة على مستوى استيعاب النازحين الجدد إلى المدينة.
بسبب هذه الضغوطات، اضطر ناشطو المدينة إلى استخدام العديد من المدارس لاستقبال الأسر النازحة، كما اضطر النازحون إلى الذهاب إلى الريف القريب من مدينة السلمية، كقرية تل التوت وحي السبيل شرق المدينة، وفي كل الحالات، تمّ استيعاب النازحين الجدد ولو بظروف في غاية المأساوية؛ وبلغ تعداد النازحين من مدينة حمص وريفها إلى مدينة السلمية نحو 10 إلى 15 ألف نازح.
ج- نازحو الريف الشرقي
في نيسان من عام 2013، أطلقت مجموعةٌ من التشكيلات العسكرية المعارضة، وعلى رأسها لواء الإسلام، ولواء الفاروق الإسلامي وغيرها، معركة «الجسد الواحد» في الريف الشرقي من مدينة السلمية، وكان الهدف من هذه المعركة، قطع طريق أوتوستراد سلمية- الرقة الدولي، ومحاولة فك الحصار عن مدينة حمص.
على إثر هذه المعارك الطاحنة بين قوات المعارضة وقوات النظام، تعرضت قرى الريف الشرقي خلال معركة الجسد الواحد إلى قصفٍ عنيفٍ جداً أدى إلى تدمير وحرق أكثر من 10 قرى بالكامل، بالإضافة لتدميرٍ جزئيٍّ لأكثر من 15 قرية هي أم ميل، الحردانة، أبو حبيلات، أبو حنايا، مسعود، الخريجة، حمادي عمر، سوحا، عكش، أبو دالي، قليب التور، أم توينة، الفان( ). وتمخض عن هذه المعارك حالة نزوحٍ كبيرةٍ لسكان هذه القرى، وبلغ عدد النازحين نحو الأربعين ألفاً، توجهوا إلى ريف إدلب المحرر، وإلى تركيا، وقسمٌ كبيرٌ منهم توجه إلى مدينة السلمية.
انضمت هذه الجموع النازحة إلى باقي النازحين في المدينة، وتمّ استيعابهم عبر مجموعة من القنوات الاجتماعية، منها علاقات القربى والمنظمات الإغاثية وغيرها من الفعاليات المدنية، والتي راحت تنوء تحت ضغط الأعداد المتزايدة للنازحين في المدينة والتي بلغ عددهم التراكمي نحو 50 ألف نازح، وهو رقم يختلف باختلاف المصدر، واختلاف الغايات( ).

————————————-
1- خلف السرايا الحكومية في المدينة، يوجد ومنذ سنوات طويلة سوق خاص بالحرف يشرف على أغلبه حرفيون من حماه

2- أثناء تشييع أحد شهداء مدينة السلمية من آل الفاخوري، قامت قوات النظام بإطلاق النار على المشيّعين، وسقط شهيد من بينهم من آل القطريب، بتاريخ 30-6-2012

3- شهادات حصل عليها الباحث الرئيسي أثناء زيارته إلى مدينة حماه في أواخر حزيران من عام 2011
4- حول تفاصيل «مجزرة أطفال الحرية»، راجع: «جمعة أطفال الحرية تشهد مقتل العشرات في أكبر المظاهرات»، سميح الأدهمي، الشبكة العربية العالمية، بتاريخ: 4 حزيران/يونيو 2011

5- المعلومات في هذه الفقرة والفقرات التي تليها، مأخوذة من شهادة غطفان الجرعتلي، أحد الناشطين المدنيين في مدينة السلمية

6- المعلومات في هذه الفقرة، وفي مواضع عدة لاحقة، مأخوذة من شهادة ماهر إسبر، أحد الناشطين المدنيين في الثورة السورية، وأحد معتقلي الرأي سابقاً في سجون نظام الأسد

7- من شهادة أحد مؤسسي التنسيقية في مدينة السلمية، 2015
8- راجع: «تلازم الوطني والإنساني»، عبدالله الشعار، جريدة الحياة اللندنية، بتاريخ: ٤ يونيو ٢٠١٢

9- راجع: «حراك تحت المجهر: ثورة مدينة السلمية»، مجلة سنديان Sendian‏ في 6 أكتوبر 201

10- من شهادة أحد مؤسسي التنسيقية في مدينة السلمية، مصدر سبق الإشارة إليه

11- راجع: «مدينة السّلمية بين مطرقة الشبيحة وسندان الأمن»، سلمى الحموي، أخبار الآن، بتاريخ: 15-3-2014

12- راجع تقرير: «الريف الشرقي لحماة بعد معركة الجسد الواحد»، محمد صافي، عنب بلدي – العدد 75 – الأحد 28-7-2013

13- المعلومات في هذه الفقرة مأخوذة من شهادة س.ج (فضل عدم ذكر اسمه)، أحد الناشطين في شعبة الهلال الأحمر في مدينة السلمية

Untitled-28 Untitled-29 Untitled-30 Untitled-31 Untitled-32 Untitled-33

برومو الشهيد ناجي الجرف