جرن حنطة

حول المعارضة السورية وواقعها الحالي

عبد الله الحسن

بعد عدة أشهر من الاعتراف بشرعية المجلس الوطني (صورياً) من دول أصدقاء الشعب السوري شهدت على قناة الجزيرة مبارزة حادة بين الدكتور هيثم مناع (هيئة التنسيق الوطنية) والدكتور هشام مروة (المجلس الوطني السوري) في محاولة إظهار دور كل منهما وأهميته لتمثيل الثورة، حينها سمعت لأول مرة عبارات مثل “الأخ الأكبر” و “أم الصبي” والمقصود به الثورة ..
بعد مضي عدة سنوات عدنا اليوم لنشهد ذاك الصراع ولكن بصورة مختلفة على الساحة السورية، فمصر اليوم ليست مصر البارحة، والإخوان المسلمون لم يعودوا مهيمنين على المشهد العربي، لكن الأتراك يملكون من الحظوظ ما لم تملكه مصر في سورية، فما هم فاعلون؟
بدأ الأمر حين قامت الخارجية الروسية بإرسال دعوات شخصية لحضور مؤتمر موسكو١ في إشارة واضحة منها لكسر احتكار التمثيل في صفوف المعارضة وليّ ذراع من يقفون خلفها، وأيضاً التقليل من هيمنة الإخوان المسلمين. تم استغلال الموقف من الخارجية المصرية مباشرة حيث وجّهت دعوات شخصية أيضاً لبعض قوى المعارضة لتجتمع في القاهرة – مستثنية الإخوان المسلمين – وتخرج بورقة واحدة تتسلح بها قبل ذهابها إلى موسكو١.
ثم كان في إطار التحضير لموسكو٢، بدأ قسم مؤثّر من هيئة التنسيق بالإعداد لمؤتمر في القاهرة يجمع من خلاله شخوص المعارضة السورية وبعض تنظيماتهم في محاولة الانقلاب على الائتلاف الوطني وكسر هيمنته، وتم الترويج لجسد معارض جديد بديل عن الائتلاف الوطني و بمشاركة لبعض القوى والتحالفات في داخله، طبعاً بدون دعوة الاخوان المسلمين كما ترغب وتشتهي القيادة العسكرية المصرية العائدة بقوة إلى الساحة العربية وخاصة بعد مساعيها لتحقيق التهدئة في قطاع غزة وتدخلها العسكري في ليبيا، ثم المشاركة القوية في عاصفة حزم ضد جماعة الحوثي في اليمن. لم يستسلم الأتراك ولا الفرنسيين (المستثمرين جداً في الائتلاف الوطني) فحاولوا الحفاظ على الائتلاف ورد الصفعة عبر ترتيب اجتماع في باريس دام يومين فقط بين الائتلافيين المغيبين عن اجتماع القاهرة مع أعضاء من هيئة التنسيق الوطنية المتمرّدين على قيادة الدكتور هيثم مناع، وبالتالي إطلاق فقاعة إعلامية تشير إلى تنسيق المواقف بين الائتلاف الوطني (معارضة الخارج) وهيئة التنسيق الوطنية (معارضة الداخل) بهدف قطع الطريق على الراغبين في اجتماع القاهرة وتقليل أهميته. في الحقيقة فإن تلك الحركة أدت إلى انقسام حاد في صفوف هيئة التنسيق الوطنية حيث قام ٣٥ عضو من هيئة التنسيق بتقديم استقالة جماعية من الهيئة وتشكيل تيار جديد باسم “قمح» وذلك في محاولة لقلب الطاولة على المجتمعين في باريس وإضعاف تأثير من تبقى في هيئة التنسيق الوطنية أو إنهاء دورهم. وفي خطوة داعمة قام وفد برئاسة الدكتور هيثم مناع بزيارة لموسكو في محاولة منه لإقناع الحكومة الروسية بتأجيل موسكو٢ لما بعد اجتماع القاهرة في محاولة للربط بين ما يحدث في القاهرة وما سيحدث في موسكو لإضفاء نوع من الشرعية على ما هم عازمون القيام به، لكن المحاولة لم تنجح لأن الروس لم يستجيبوا لذلك.
على الجانب الآخر ولتأكيد مكانته، قام الائتلاف الوطني بعمل لقاء تشاوري أول في استنبول، حضره قادة وممثلين عن أهم الفصائل الإسلامية المقاتلة في سورية، وخرجوا في بيان مشترك ولجنة متابعة لتنسيق المواقف والجهود، خاصة بعد الانتصارات التي حققتها تلك الكتائب في الشمال السوري. وآنفاً، لم يكن المؤتمر الصحفي لرئيس تيار بناء الدولة السيد لؤي حسين مع رئيس الائتلاف الوطني السيد خالد خوجة بعيداً عن تلك المنافسة، لأنه في الحقيقة لا قيمة لهذا المؤتمر الصحفي بين رئيسي الكيانين سوى تسويق إعلامي في محاولة لتأكيد الشرعية والوجود لكليهما علماً بأن تيار بناء الدولة المحسوب على المعارضة الداخلية يعاني أصلاً من تصدع وانشقاقات في صفوفه، كما أنه لم يكن يوماً مقرّباً من الائتلاف الوطني أو متوافقاً مع رؤيته باعتباره (معارضة ناعمة وطرية مع النظام) على حد تعبير الناطقين باسم الائتلاف الوطني نفسه. إن الحرب مستعرة بين القاهرة وتركيا وحلفائهما، وخاصة مع وجود كلام عن جنيف٣ أو مؤتمر للمعارضة السورية في السعودية قريباً، وبالتالي تدور الدوائر وتحاك المؤامرات وتكال الاتهامات بين شخوص وتنظيمات المعارضة السورية أو حتى داخل التنظيم نفسه بغاية الحفاظ على التمثيل وخطف الأضواء من الآخر.
بعيداً عن طيبة القلب الزائدة والنوايا الطيبة، وبعيداً عن تمثيل النظام الكاذب، يبقى السؤال المحيّر “من يُمثّل السوريين الآن؟”.

Untitled-34

برومو الشهيد ناجي الجرف