جرن حنطة

نحو مشروع وطني

زكريا السقال

لم يدرِ البوعزيزي أن احتراقه، سيدمر بالإضافة للمدن والقرى، الكثير من المفاهيم والأفكار. حيث لم تستطع مجمل الثقافة والأفكار السائدة تحصين هذه الشعوب التي انفجرت بعواصم الاستبداد العربي، التي لم تمتلك سوى حناجرها وسواعدها، لتصنع الحدث الأبرز بتاريخ المنطقة العربية.
لماذا لم تنجز الجماهير العربية بعواصم الحراك العربي حلمها؟
ومن الذي دار بخلد أدونيس وهو يتفرج على مظاهرات درعا وحمص واللاذقية ودمشق حتى يرجم هذه الحشود بالأصولية لأنها لم تجد سوى بيوت الله لتتجمع بها وتجمع قوتها؟
ومثله مناضل قضى عقدين من السجون ليحسم أمره بالوقوف إلى جانب جلاده الطاغية، وغيره استبطن ذلك فعرج؟
بل إنّ هناك صراع خفي يبرز ويخفو، حيث الجنوب يعتقد أن الثورة ابتدأت في الثامن عشر من آذار، بينما الآخرون يعتقدون أن 15 آذار مفجّر الثورة؟
بل ما يثير ويُلفت النظر هو هذا التجرد لدرجة الانحلال أن النخب والسياسين الثوريين الذين لا يأتيهم الباطل أخذوا يصدحون بنظافتهم من العروبة والماركسية والقومية باعتبارها مفاهيم وثقافة سقطت، ولكنهم كانوا عراة لم يرتدوا شيئاً يقيهم عواصف هذا الانفجار!.
اليوم وعلى أبواب العام الخامس، والثورة السورية مازالت تعاني مرارة واقع مظلم دامي يدفع به الشعب السوري دمه وعيشه، قتلاً وتدميراً وتهجيراً، بين نظام مجرم وقوى ظلامية تكفيرية تمارس الإرهاب وتُروّج لهرطقة وسلفية مغرقة.
يبرز السؤال صافعاً وموجوعاً بنفس الوقت: إلى أين؟ لماذا لم تنتصر الثورة بعد أربع سنوات؟.
ورغم أهمية السؤال وإلحاحيته، إلاّ أنّ مُجمل الأجوبة التي تطرح اليوم، ومحاولات الأجوبة مازالت تتمحور حول عناوين عامة وأجوبة مُبتسرة لم تتعرض للواقع السنوات العجاف التي حلت عليه، وماذا فعل قحط الاستبداد وابتسار الأفكار، بعقل النخبة والقوى، وكيف عشّش عجزٌ مزمنٌ لهذه النخبة التي لم تعترف بهزيمتها وهزيمة بنية عقلها، حيث دجنت ثقافتها لتطبعها بواقع هذه الهزيمة .
1 ـ الهزيمة :
المقصود بالهزيمة هنا، هي هزيمة مجمل المسائل المطروحة كي يتطور المجتمع باتجاه الحداثة وإنجاز الكثير من القضايا تضعه بمصاف الدولة الحديثة، بمعنى الاقتصاد، والبنى الاجتماعية. والسيادة والاستقلال بمعنى السياسة.
وهكذا، فإن مُجمل الأفكار والثقافة التي عالجت هذه المسائل لم تنجزها فحسب، بل تحولت لذريعة وأداة لقمع المجتمع بها، فلم يُنجز اقتصادٌ صناعيّ مستقل ولم ينعكس هذا على رفاهية المجتمع بل ازاداد فقراً وتهميشاً وفساداً. كما أنّ مجمل الشهادات التي نالها الطلاب لم تُحدث تطوراً على وضع المرأة التي تراجع وضعها وتردت حريتها، كما أن الثقافة انحسرت، وتراجعت الترجمات التي تدفع للاطلاع على تجارب التحرر والحريات، ليتردى المجتمع للأصولية الدينية والتمحور على سكن التاريخ وقصره على أفكار الخلافة، والإمامة والشورى والعقد الشرعي، وحاكمية النص.
قد يقول قائلٌ إن القوى السورية قاومت الاستبداد وواجهت الطاغية ودخلت المعتقلات .
وهذا صحيح، إلاّ أنّ مُجمل هذه القوى كانت تَستعمل نفس الأفكار والثقافة السائدة، وهي نفس الثقافة التي تتلمذ عليها الاستبداد، هذه الثقافة والأفكار هزمت وهُزمت . ولم يُقدّر للنخب السورية نقد خطابها وتجربتها، وقراءة واقعها، ووضع مهام تحررها وذلك بغض النظر عن همروجة سنوات إعلان دمشق وما سبقها من أفكار مجتمع مدني وإنجاز الديمقراطية.
2. المجتمع:
هل يكفي أن نقول أن هناك هزيمة وأفكار وثقافة سقطت، ونتكئ على هذا فقط؟ أم أن الاستبداد فتك بالمجتمع، ولم يكتفِ بفكفكته وغرس كل أمراض التخلف به، حيث حقن وأسّس لحقن طائفيّ ما أن ينفجر حتى يتفشّى ويَنتشر، الأكثر خطورة هو التفتيت البنيوي بعامة المجتمع، وعندما نقول عامة المجتمع فإننا نقصد بالتحديد تلك النسبة التي ترى نفسها تُناضل من أجل دولة، حيث هناك قوى كثيرة تحتضن أفكار التقية والفرقة الناجية التي تستبطن التاريخ وتريد إعادته وتشعر بمظلومية تاريخية لم يستطع مجتمع الهزيمة تخليصها من مظلوميتها بمواجهتها ونقاش غبنها ووضع حد لهرطقتها، هذه القوى أو الشريحة والتي لم تكن بهذا العدد والكثرة .
لهذا فان المجتمع المفوت والمُخرّب، والذي تفجّر حريةً وكرامةً كان الأوسع والأكثر، ولكنه لم يجد من يُحصنّه ويُؤطّره ويضعه أمام مهامه وأحلامه ليُنْجزها، مجتمعٌ يمتلك أسباب نهوضه وثورته، لكنه دون رأس ومحرك ينقله لتحرره وكرامته، كما هتف وصرخ.
3. سقوط الأيديولوجيا:
الأيديولوجيا، هي مجموعة من القيم والأفكار والمبادئ المتماسكة ظاهرياً والتي تشكل معتقداً سلوكيّاً للخلاص والوصول، وهنا الخلاص والوصول يعنيان، تحقيق الخير والحرية والسعادة.
وبهذا فإن الكثير من المجتمعات اخترعت ايدولوجيا خلاصها ودينها كي تتخلص وتصل، من النيرفانا والكونفوشسية، إلى الدين، ومن ثم القومية، و الماركسية وأفكار ومعتقدات كثيرة.
قد يكون مفهوم الأيديولوجيا من المفاهيم المعقدة حيث أن سقوطها هو تحرّر، إلاّ أنّ الوقائع تُشير وتحديداً بتلك الدول التي لم تُنجز نهوضها وبناء أسس تعايشها، وضعتها بحالة من التفكك والتذرّر، بمواجهة طريق خلاصها، كأننا أمام حتمية تقول: عليك بصنع دينك كي تصل لتحررك. وهنا نرى مفارقة جلية بأن المجتمعات المفوتة التي مازالت تُعاني غبن الواقع وظلمه وفساده، هي المجتمعات التي تفتقر لايديولوجيا خلاصها، وحيث الاديولوجيا شيءٌ منتجٌ ومصنّع كما السلع والمواد ينطبق عليه القدم والصلاحية والتلف، إلاّ أن إسقاطها دون حصانة وحاضنة، يُعطي تفككاً وتذرّراً بمعنى أن أيّ لقاح للتحرر من الايديولوجيا بحاجة لجسد مُحصّن وقائم على أسس قادرة على تحمل جدل التفكك والاندثار.
لهذا فإن المجتمع العربي، والذي صنع الربيع العربي، جاء وهو يفتقد لهذا الدين بمعنى الجسد المتماسك والمؤمن بأن خلاصه سيكون باعتناق هذا الدين المُحصّن بمبشريه ورسله القادرين على رسمه وبنائه والتضحية من أجله.
وعليه فإن هذه الثورات المتعثرة لم تجد من يمارس فعل التبشير والتضحيه سوى ايديولوجيا مفوته عاجزة مهرطقة، غير قادرة على رسم خلاص بمستقبل قابل للخلاص والتحرر والبناء. المقصود هنا الإسلامويون، بمواجهة تفكك وتذرر المجتمع، المحقون بالكثير من عوامل سقوطه وتعثره، حيث الأفكار الجديدة لم تُشكل دينها ورسلها وفدائيي نشرها.
إن سقوط جدار برلين، لم يعنِ فقط سقوط الاتحاد السوفيتي، هذا الفيل المشلول، والمليء بالأمراض، بل سقط على إثره إنسان فقد الكثير من عوامل خلاصه، لهذا انتشرت هذه الفوضى الدامية والتي مازالت تتفشى قتلاً وتدميراً وتسليعاً للإنسان.
وكان أهم عوارضها وأعراضها:
1- تفكك المجتمعات وتذرر بناها بطريقة مرعبة، حيث ضُربت الكثير من الضوابط وتحلّلت كثيرٌ من المفاهيم كان التفكير بها يُشكّل جرماً محرماً، إذ أصبحت تمارس ويجهر بها: تابو.
2 ـ المصالحة الفجائية وغير المعروفة مع كل الجبهات التي كانت تشكل عدواً طبقياً، وقومياً، وإثنياً.
3 ـ اعتماد الفرد والفردية كحل والاتكاء على الذات للخلاص.
4 ـ ارتداء أفكار للخلاص باستلاب مرضي، والابتعاد عن التشخيص ودراسة وقائع المنشأ والتربة والمناخ.
3. كثير من البرامج، قليل من الأيمان:
اليوم، والسوريون يعانون هذا الإعصار الذي يحاصرهم قتلاً وتدميراً وتهجيراً، حيث تتصارع على أرضهم كثير من الإرادات الدولية والإقليمية لترسم مستقبل وطنهم ودوره على الخارطة الجغرافية، تتفجر كثير من الأسئلة، ويتنطح كثير من الطيبين والخيريين للإجابة عن واقعهم ومستقبلهم، وتكثر الأجوبة المبتسرة والمشروعة بحالة هذا الفراغ القاتل.
وحيث أن مشروعية السؤال، لا تُعطي أحقية التباهي بالجواب مالم يتحصن هذا الجواب بقراءة الازمة، بعقل جديد، ولغة جديدة، والأهم هو هذا السلوك الإيماني الجديد، سلوك يحدد أن المُبشرين الجدد عليهم اكتشاف خبزهم من أرضهم، وعلاج أمراضهم من أعشابهم، وبهذا فان التصدّي لهذا الواقع عليه أن يبحث بأرضه عن وسائط تصديه، فحصها وتنقيتها وتنظيمها ودفعها إلى زراعة جديدة قابلة للنمو والعطاء.
كي لا تبقى هذه الأفكار معجمة، فإن دراسة أخرى مقاربة للأفكار التي يجب وضعها بمخبر الواقع وتنقيتها، من مفهوم الوطن للمواطنة وما بينهما من إشكالات، وما تحتاج من علاجات قد يكون محور آخر يوضع قيد التأمل والبحث.

Untitled-35 Untitled-36

برومو الشهيد ناجي الجرف