خميرة

البساطة المستحيلة قراءة لـ «فراس الضمّان»

محمد الجرف

دفاعاً عن النّفس..
أرسمُ بالسكّين
دفاعاً عن سوريا..
أكتبُ القصائدَ على الجدران
دفاعاً عن الله..
أحبّكِ !!.
هكذا يبدأ فراس الضمان مجموعته الشعرية الأولى «بائع الكستناء الأدْرَد» الصادرة عن دار التكوين، العام 2014.
لاتحمل قصيدته عنواناً، يترك لنا فراغاً بين قوسين طالباً منّا تعبئته في محاولة منه لإجبارنا على الانغماس أكثر في القصيدة.
إذاً علينا نحن يقع عاتق وضع «كيْنونة» للنصّ بعد أن اكتفى هو بخلقه. ولكن، أحقاً هذه وظيفة القارئ؟، يقول كانط إنّ للعنوان وظيفتيْن رئيستيْن: وظيفةٌ دلالية، ووظيفةٌ جمالية.
دلالية يتحدد بها المعنى بكيف ولماذا، وعلاقة هذا المعنى بباقي النصّ. وجمالية يُعبّر عنها دريدا بقوله: «العنوان يعلو النصّ ويمنحه النّور اللازم لتتبعه»، بالمختصر إذاً، يُشكّل العنوان بؤرة النصّ، وحامله وهذا ما يحرمنا منه فراس!. فعنونة النصّ تعني التحديد، وكلّ تحديد سلب، وكلّ سلب إقصاء، وهذا ما عناه فراس في محادثة بيننا: «من ناحيتي أرى أنّ عنوان القصيدة يسجنها، لذا أحببت أن تكون جميع القصائد بلا عنوان».
لنعد ثانية إلى قراءة القصيدة:
دفاعاً عن النّفس..
أرسمُ بالسكّين
يرسم فراس جيرنيكاه بالسكين «دفاعاً عن النفس أرسم بالسكيّن» مستخدماً تقنية الثنائيات المتوازية – التقنية الأثيرة للشعراء!- ففي مقابل الموت يرسم:
الموت // الرسم (دفاعاً عن النفس أرسم بالسكين..)
وفي مقابل الدمار يكتب:
الدمار // الشعر (دفاعاً عن سوريا أكتب القصائد على الجدران..)
ويستبدل طقس الصلاة بالحب:
العبادة // الحبّ) ودفاعاً عن الله أحبّك)
يمضي الشاعر في قصيدته التالية من محيطه إلى ذاته أكثر، عبر جملٍ ورموز بسيطة غير متكلفة:
أخيراً..
سيعودُ كلُّ شيءٍ إلى مكانِه
مستمراً في ثنائياتٍ مشحونة بالأمل والإحباط (السنونوة // الطعنة):
السنونوةُ..
إلى أميرها السعيد
الطعنةُ..
إلى عشِّها الدافئ أعلى الظَّهر
التكرار تقنيةٌ أُخرى يستخدمها فراس، فمن وظائف التكرار التوكيد والعناية بالمفردة، إذْ بالتوكيد ينضبط المعنى، وبه يتصاعد الإيقاع، وبه يهمد:
أحِبُّ ظلالي..
كلّ ظلالي ـ
لكنَّ أقربَها إلى قلبي..
ذاك الذي..
يرسمهُ المصباحُ الخافتُ
أمام بيتكِ..
بيتكِ المهجور !!.
في هذا المقطع يتجلى ما أسميْتُه «البساطة المستحيلة»: سردٌ لحكاية ووصفٌ لحدث، تتابع لأحداثٍ وأفعال، انتقال من هامش إلى متن:
على صدر الطاولةِ العتيقةِ السمراء
وقبل أن يلفظَ بؤبؤيَ الأحمر
دمعتَهُ الرمادية الأخيرة
وقبل أن يتركني آخرُ أصدقائي
ويقترب النادلُ منّي..
ويهزّني من كتفي..
فأهوي!!
وقبل أن أسقطَ
أسقط للمرَّةِ الأولى في حياتي ـ
وتخرج من أكمامي..
الأرانبُ البيضاء
سأكون قد كتبتُ لكِ
هذه القصيدة!!.
ترقبٌّ، فالتمهيد للحدث يبدأ بجملة (قبل أن..) في بداية كلّ سطر من القصيدة، وانفعالٌ بين السطور يتضح من خلال اختيار الشاعر لأفعال (يلفظ، يتركني، يهزني فأهوي..) وموتٌ) تخرج من أكمامي الأرانب البيضاء)
هذه التركيبة (ترقبّ- انفعال- موت) تطغى تقريباً على معظم قصائد المجموعة لتُعطي الانطباع بقدرة «البساطة المستحيلة» على تحويل أي قول يوميّ إلى شعر!
لا يغيب رياض الصالح حسين (رائد البساطة المستحيلة في الشعر)، روحه ترفرف على صفحات المجموعة.
يقول فراس:
معاً..
يسيرُ كلٌّ مِنَّا في اتجاه
معاً..
نَتسَكَّعُ في مدينتَينِ مُختلفتَين
معاً..
نَنزفُ على ضفَّتَين
معاً..
ننامُ مع غريبَين
معاً..
نَرفعُ رأسَينا
أمامَ عَلَمَينِ مُختَلفَين.
معاً..
نخفُقُ في كنيستَين
ويقول رياض الصالح الحسين:
اثنان
كانا اثنين
يمشيان معاً
في الشوارع المهجورة
منه تفوح رائحة التبغ
ومنها تتساقط أوراق الليمون
وعند المنعطف
كنجمتين
سقطا
كانا اثنين
أحدهما يغني
والآخر يحب الإصغاء.
عند فراس (وعند الصالح الحسين قبله) تنتقل اللغة من وظيفتها التواصلية إلى وظيفتها الشعرية عبر تراكم الدلالات وتضادها، تراكم هشّ كالقصيدة نفسها وكالواقع الذي أنتج القصيدة، فالشعر لم يعد يكتفي بالوصف والردح والندب، لكنه في نفس الوقت ليس صاحب رسالة، هذا الموقف القلق يستمد كينونته من فعالية الرموز التي يتردد صداها في أرجاء المجموعة: (الزجاجة، الظلال، السقوط، النّدم، المغيب، والبكاء..)، هو لا يصف واقعاً، ولا يُردّد حكمةً كلّ ما يفعله متردداً بين لذته ويأسه، بين أمله وانكساره: يُحدثنا عن هدوئه في انتظار موته!

Untitled-40

برومو الشهيد ناجي الجرف