خميرة

في مهجعنا مهاجر

خليفة الخضر

كالدمية، إن ضحك ضحكنا لضحكته الغريبة، وإن قال كلمةً بالعامية نظرنا في عيون بعضا البعض ابتهاجا لأنه تعلم لغتنا، ولكننا من وجهة نظره مرتدون!.
بينما كنا نلعب لعبة «مين المفتش أنا المفتش طلعلي الحرامي»، وهي لعبةٌ يجتمع فيها أكثر من شخص، يتبادلون الأدوار بعد رمي مجموعة أوراقٍ على الأرض بشكلٍ عشوائي ويسحب كلُّ لاعبٍ ورقة، ومن كانت ورقته الملك يطلب قائلًا: «مين المفتش ؟»، يقول من وجد ورقة المفتش: (أنا المفتش)، عندها يقول (الملك): «طلعلي الحرامي»، فإن عرف المفتش من يحمل الورقة التي تحمل الحرامي، أمر الملكُ الجلادَ -وهو لاعبٌ ورقته مكتوب عليها (جلاد)- بضرب الحرامي، ويتدخل من يحمل ورقة الوزير بتخفيض الضربات أو تقويتها.
وبينما نلعب فُتح باب المهجع وارتمى رجلٌ أشقر ذو لحيةٍ شعثاء، جسده يذرف دماً غير قادرٍ على القيام. هرعنا لمساعدته، وليس لأنه غريب (غير سوري)، لا بل لأننا اعتدنا أن نلتف حول كل سجينٍ جديد يأتي، ونساعده بتغير ملابسه والتخفيف عنه منتظرين أية كلمةٍ منه، «ماذا يحدث في العالم الخارجي؟! هل فعلاً (الدولة) أخدت مارع؟! صحيح في عفو عن المساجين على العيد؟»، يأمرنا أمير المهجع بتركه حتى يستريح، ويأتي سجينٌ آخر ذو خبرةٍ في حال كان السجين الجديد معذباً (مشبوحاً) على البلنكو، يقوم بتمسيد يديه ورجليه، ويأتي سجينٌ آخر يحمل كيساً فيه حبات (دوبران) وحقن (ديكلون) ودواء سكري، ويعالجه!
لم يستطع أبو عبد الله القوقازي التكلم، وأيضاً لم يستطع النهوض إلى الحمام، فكان فادي -وهو سجينٌ من لواء أويس القرني-، وأبو أحمد من أحرار الشام بالاعتناء به وأخذه إلى الحمام وحمله، وحتى تغسيله وغسل قضيبه وتنظيف القذرات ومسح الدم النازف من جسده وتدليك مفاصله لتخفيف آلام الشبح.
نحن «ولاد المهجع»، أو هكذا يُطلق علينا لصغر سننا، كنا نجتمع حوله وتنتظره حتى يفيق من نومه، وعندها أطلب من عبد الحي: «اذهب وأخبر أبو أحمد أحرار أن أبو عبد الله فاق من نومه»، وكأنه ابن أحدنا، نتداور على خدمته، وأتولى أنا قَصّ القصص والحكايات عليه، والتي كانت أغلبها من نسج الخيال، لا لشيءٍ، بل لتضييع الوقت، وليقضي الله أمراً كان مفعولا.
أبو كريم الرجل المسن (كبيرنا)، الذي جعلنا له زوايةً، وأجلسناه فيها تحت عبارة (روحي فداكي يا بلدي يا الباب)، يحل مشاكلنا ونزاعاتنا، ونرضى بحكمه أياً كان الحكم، بدوري كنت المتحدث باسم المكتب الإعلامي الخاص به، ولا تُحلُّ قضيةٌ أو مشاجرة إلا وأنا موجودٌ أوثّق، وبدون أية كلمة أشار بيده متعجباً: من هذا؟؟ -يقصد أبو عبد الله القوقازي-، فأخبرته: «هذا جاي من القوقاز، هي تحت روسيا، هي فعلياً تابعة لروسيا، جاي علينا تا يجاهد»، أبو كريم: «هلىء ترك كل العاهرات بروسيا والشيوعية الكافرة وإجا لعنا؟ مافي طريق للجنة إلا من هون؟ مصايبنا كلا من ورا هدول الأجانب».
نسيت أن أقول بأن تهمة أبو كريم أنه قال لابنه الذي التحق بصفوف التنظيم: «إذا تزوجتَ مهاجرةً راح أنام معها قبلك، ولاّ لا إنت إبني ولا أنا أبوك»، يواصل أبو كريم: «ما قلكون شو تهمتو؟»، فأجيبه:» لحد الآن لا، ما عم يرد، وكل ما نقلو شو تهمتك بيقول خير إن شاء الله،
لا تصدقوه كذاب هاد».
بعد يومين تعافى أبو عبد الله، وأصبح يمشي ويتفتل بيننا، ونحن ننظر إليه بدهشةٍ وكأنه دمية، كم ضحكنا عندما قال كلمة (كويس).
وعندما سألنا عن التهم الموجهة إلينا: «ما هي تهمتك أنت وأنت»، جاءته الإجابات على الشكل التالي:
أحرار شام
توحيد أخوي
حياني سابقاً
شبيح بعيد عنك!
ننظر إلى بعضنا ونضحك، يستغرب، «أنتم صحوات؟!»، ليقول له أبو أحمد أحرار: «شو رأيك أنت؟ صرلك معنا تلات أيام، ونعرف إنك دولة، ونحن حكمنا القتل، يعني القصاص، بإمكاننا قتلك أو رميك بمكان ما، ولكن أنت مهاجر في سبيل الله، جئتنا ونحميك، ولكن يا أبو عبد الله إلى الآن لم تقل تهمتك؟»، «أنا والله جئت جهاد أرض الشام، ولكن هم قالوا أنني مخابرات، وأنا ليس مخابرات، لم أستخدم نت منذ ستة أشهر والله».
في اليوم الرابع أيضا ذهب إلى حفلة تعذيب، حيث تم تسخين الماء ورشقه على جسده، وتم شبحه أربع ساعات، ونحن نشاهده من الثقب -ثقب صغير في باب المهجع- هو والمساجين المشبوحين، وحين أعادوه تمت إعادة جميع مشاهد المسلسل السابق، من إعادة تغسيله وتدليك جسده وإعطائه الدواء المسكّن. بعدها قال له أبو أحمد أحرار : «نحن ماذا؟»
أبو عبد الله : أنا عليّ طاعةُ أمير… أنتم
صحوات!.
هرول إليه أحد عناصر جبهة النصرة وقال له: «أنت أخي، وأنا من جبهة النصرة» ، لكن أبو عبد الله بقي مصراً :أنت مرتد!
كنت أراقب الجميع وأنا أضحك، وكأن أبو عبد الله هو الآلة الإلكترونية التي تضع فيها قطعة نقود حتى تقول كلمة، «وأنا وأنا وأنا»، الكل يسأل ما هو حكمه حسب رأي أبي عبد الله، فكانت النتائج أيضاً على الشكل التالي: أنا مرتد، وهو صحوة، وذاك خائن. لم يكن أحدٌ فينا على دون تهمة، حتى أنه قال لعنصر جبهة النصرة بعد ضحكة: «أنت أبو ماريا غلاكسي»!
(يُذكر أن هنالك إشاعةً بُثت بين عناصر التنظيم، تقول بأن عناصر جبهة النصرة في مدينة دير الزور رفضوا قتال الدولة، ولكن أبو ماريا القحطاني -وهو المسؤول العسكري في جبهة النصرة- قام بإغراء العناصر بإعطاء كل من يقاتل الدولة جهاز موبايل غلاكسي!).
قال له عبد الحي: «أبو ماريا غلاكسي نوت فور؟ إلا نوت 3؟»
ضحكنا جميعاً إلى أن فتح باب المهجع السجان أبو وضاح! لتسكت شهرزاد عن الكلام المباح.

Untitled-41

برومو الشهيد ناجي الجرف