خميرة

قطعة ناقصة من سماء دمشق رواية الحرب

حسين خليفة

نتاتيف ذاكرة يلمّها بهدوء الروائي ويسردها بنزق الشاعر، هو ما يفعله رائد وحش في مغامرته السردية الجديدة (قطعة ناقصة من سماء دمشق ـ من منشورات النايا للدراسات والنشر بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون ـ آفاق. وصدرت مؤخرا عن دار ممدوح عدوان أيضاً) بعد كتابين شعريين (دم أبيض) و(عندما لم تقع الحرب).
يستحضر تفاصيل حياته ـ حياتنا في دمشق مع الثورة التي فاجأت الجميع، حتى من كان يحلم بها.
بلغة هي أقرب الى القصيدة في ملامستها لروح الأشياء، واقرب الى السرد القصصي في الولوج الى تفاصيلها الغنية، الى ذاكرة خضراء.
يؤرخ الكاتب لأماكن سكنها وعرفها وتبادل معها الخبز والزيتون والكأس والخوف المزمن، لدفء المرأة البعيدة القريبة التي بها يبدأ وينتهي الكتاب، المرأة التي تكفي رسالة موبايل منها لإطلاق عواصف الحزن في روحه.
يتقمص روح خورشيد الطفل الأعمى في فيلم محسن مخملباف «الصمت « وهو يلحق (طنبورته) تحت المطر.
للمخيم الذي يحتل المساحة الأكبر من سيرة السماء الناقصة، المخيم الذي يحس القارىء أن في جعبة رائد المزيد ليقول عنه، ما يصلح لمشاريع روائية قادمة ربما، مخيم خان الشيح المنسي على حافة (اوتوستراد السلام) الذي شقته الحكومة السورية خلال عهد (الانفتاح) و(مباحثات السلام)، فظن الناس به ظن السوء!! ها هي باكورة السلام على الحدود مع (الجارة العدوة)، ليتبين لاحقاً أنه من متطلبات وحش الاستثمار الذي فتحت له ابواب سوريا ما بعد الحصار الذي امتد حتى بداية تسعينيات القرن الفائت، خلال الفترة (الاشتراكية) المرّة.
يهجىء الكاتب مفرداته: الخان والشيح والمخيم طبعا. النهر الأعوج الذي يشي بالبدوي المزمن: (لحسن الحظ أنّا وجدنا نهراً أعوجَ نحاكيه. أهل البداوة لايعرفون خطاً مستقيماً، وبشفاعة اعوجاج النهر شوارعنا كلها عوجاء. ما من شارع يستقيم لأكثر من ثلاثة بيوت.) ص14
«نموت مع أشجارنا أفضل من أن نموت كلٌّ على حدة ».يقول له صديقه الذي قطع شجرة مشمش ليدفىء عائلته بها، الصديق الذي ينصحه ساخرا بان يستعمل مكتبته في التدفئة بعد ان عز المازوت وصارت الكهرباء بالقطارة، فيما هو يبحث عن بضاعة يضعها على بسطة فلا يجد بضاعة عنده سوى كتبه، بعد ان تحولت البلاد كلها الى بسطات لاناس فقدوا اعمالهم ولم يعد لهم مصدر رزق.
عن المرأة التي نئدها بأشكال وطرق شتى، ونطلق العنان للذكر، وعن الثورة التي أطلقت فضاء الانوثة في انخراطها في فعالياتها، في اكتشاف المساحات الكبيرة المقموعة في انثى الشرق، الثورة نفسها التي قتلت ابا طارق الواضح الذي كان يسمي الاشياء باسمائها دون خوف، وقتلت المصور المجهول . . .
يكتب رائد وحش أيضاً عن مجازرالشجر قبل الحرب وبعدها، الحملة على الخمارات ومحلات بيع الخمور ولو كانت على رف مخفي من قبل الاسلاميين الذين بدؤوا بالتمدد والتحكم بكثير من مفاصل الحياة في سورية منذ زمن ما قبل الثورة عبر رأس المال الديني والعلاقات المتشابكة مع أجهزة السلطة، فأزالوا أحد أشهروأعرق بارات دمشق (فريدي) لينشىء متمول دمشقي من اهل الرضا مكانه مطعما للشاورما.
مكتوبٌ علينا بناء بيوت لا نسكنها . .تقول الجدة التي تصر على الجلوس في كرسيها المتحرك على ضفاف النهر الذي غادَرَ مياهَهُ، أو غادَرَتْه، ما زال كما كان يطفح بمياه صالحة للشرب!!
تتداخل سير النزوح والرحيل القسري، من فلسطين إلى الجولان في نكبة 1948، ثم من الجولان الى دمشق مع النازحين السوريين نتيجة احتلال الجولان بعد هزيمة حزيران 1967. لاحقا سيستقبل المخيم والمدن السورية لاجئين عراقيين في 2003، ولبنانيين في 2006، وسوريين هاربين من مناطق التوتر حين كان المخيم منطقة آمنة مع بدء الثورة وتحولها الى حرب عمياء . . ثم نزوحهم القادم إلى أين؟!
«يا جماعة اللعنة التي أصابتنا ستصيب العرب، ثم تصيب العالم. هذا العالم سيذوق طعم لعنة فلسطين» يقول الدكتور خالد للساهرين على قنديل لا يلبث أن ينطفىء . . .
يتنقل بين اكداس من الكوابيس والاحلام والهواجس، هاجس اختفاء الهوية والحواجز التي تتناسل، هاجس الاعتقال بل الحلم به لتكسب مصداقية كونك معارضا أو صاحب رأي.
قلتُ لصاحبي في المقهى:«أخشى وقتاً تصبح الاعتبارات فيه لصالح رصيد المرء من الاعتقال.»
قال صاحبي: «أتمنّى الاعتقال فعلاً، فما من مصداقية لكل ما أفعله دون وسْم سجن الرأي..!» ص33
الخلفية الكبيرة لكل السردية المؤلمة والجارحة هي الحرب، شخوص رائد وحش هم اقرب إلى شخصيان سينمائية تتحرك أمامك، تتجول في أزقة خان الشيح، تمضغ الوقت في اختراع طرق جديدة للحياة.
مسّوس الذي فقد عقله بسبب كأس حليب فاسد اطعمه لابنته الوحيدة فكان سبب موتها هو راوٍ حقيقي للخراب هنا، لجبهات متقابلة توزع الموت على السوريين. . .بعد ان تحول قبل الحرب الى شرطي سير متطوع على الطريق الرئيسية
الهودجي، عزمي، جمعة العسكري، الميجر . . . .وآخرون، أشخاص من لحم ودم، خاضوا حروباً، مروا في سجون من كل نوع ولون، عاشوا الرحيل مرات ومرات، يخرجهم رائد وحش من النسيان الذي عاشوا فيه إلى الضوء.
تتدفق السير وتتداخل، الخيط الأقوى الذي يجمعها هو الصدق، الحرارة العالية في السرد تجعلك واحداً من هؤلاء، وأنت تقرأ سردياته تحس كأنك جالس مع رائد في مقهى دمشقي وهو يروي ويروي ولا ينتهي. . .

Untitled-46

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف