غير مصنف

الساحة السورية وخارطة طريق

غرام الحسين

ثمة نواة عائلية صلبة تحكم سورية تدور حولها بُنى أمنية ومالية شديدة الشراهة والتعلق بها لكن دون أن تتمكن من الالتحام بها. هذه النواة / النظام هي برسم الانكماش وفق الكثير من المؤشرات, وهي لم تكن يوماً تملك أي رؤية تفاوضية حقيقية ولا حتى فيما يتعلق بورقة الأقليات رغم تحييدها لها, فالتفاوض الحقيقي هو إدارة نقاش فعّال يتناول منابع وبُنى نظمٍ لها تاريخ, وهو بحد ذاته مصدر ألم عظيم له, ويمكن القياس جزئياً إلى الحوار العقيم الذي أجرته الفعاليات السياسية/الطائفية بلبنان حول السلاح الميليشيوي لحزب الله والذي آل إلى جملة جيش وشعب ومقاومة التي تعكس ايديولوجيا فاشية غير قابلة للحياة إلا بمناخات تستدرج المزيد من قطيعية الجمهور والتي تعتمد طريقة التعبئة الفاشية تحت ايديولوجيا مُضَلِّلَة.
إن النظم السياسية التي تبتلع الدولة ليس بمقدورها بنيوياً إنتاج تفاوض هي أصلاً من أزاحه من قاموسها عندما أمسكت بكل أوراق الحياة لقطيعها من الحبّ إلى الحرب وأنتجت وطنية جامعة وفاشية قوامها زعيم- جماهير. حيث يتحول مفهوم ” الناس” التي تصيب وتخفق إلى جماهير منتصرة, هذه البنية الخرابية لا يمكن لها أن (تتفاوض) إلاّ مع ذاتها لتعيد إنتاج نفسها وهذا ما يحدث منذ عام 1963.

يمكن قراءة الخارطة على الساحة السورية في اللحظات الراهنة كما يلي:
1.معارضات مسلحة إسلامية الطابع تتصارع مع النظام الحاكم.

2.معارضات مسلحة تتصارع ضد معارضات مسلحة أخرى.

3.معارضات مسلحة تتصارع ضد تنظيم الدولة داعش.

4.تنظيم الدولة (داعش) تتصارع ضد النظام.

ويحتشد مع هذه القوى المتقاتلة ( نظام ومعارضة وداعش ) عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب المنضوين تحت برامجهم الفردية التي يرون بها خلاصهم، وميليشيات تقوم بتنفيذ أجندات لقوى إقليمية، وهو الأمر الذي يزيد تعقيد وصعوبة التأسيس لأية محاولة تفاوضية سورية – سورية.

يضاف إلى ذلك المكوّن الكُردي الذي يبدو أكثر تنظيماً وحفاظاً على برنامجه القومي النزعة فوق أرض يعتبرها أرضه التاريخية دون أن تحسم قواه السياسية -وهي عديدة- نوع التأسيس لوطنيتها القادمة.

وبنتيجة ذلك تبدو الساحة السورية منقسمة على نفسها وغير مستقرة وبلا أي آفاق سياسية نظراً لغياب أحزاب سياسية كامتداد لتلك المعارضات المسلحة.

الحوامل الاجتماعية
فيما عدا أماكن الاستقرار النسبي التي تتوطن فيها المكونات العددية الصغيرة كالعلويين والاسماعيليين في الساحل والدروز في السويداء، إضافة إلى أماكن توطن الشرائح المدينية البورجوازية الكبيرة والمتوسطة في دمشق المدينة، وأجزاء من مدن كبيرة أخرى (حماة, وحمص, وحلب). وهذه الأماكن تحتضن بنى تحتية وخدمية سليمة وكتلة سكانية بحدود 15 مليون سوري متضمنة الكتل السكانية التي أُزيحت من المناطق الساخنة. فيما عدا ذلك فإن المناطق التي انتفضت سلمياً في البداية ثم احتضنت معارضة مسلحة من أي نوع قد تعرضت للتدمير أو الحصار.

أما التمثيل السياسي للمعارضة المدنية السورية (هيئة التنسيق في الداخل، والائتلاف الوطني في الخارج) فيبدو هشاً وملحقاً بالنظام (هيئة التنسيق)، أو بخطط عربية ودولية مانحة للتمويل والإملاءات معاً (الائتلاف).
على الأرض، وضمن شروط معيشية بالغة القساوة, تبدو التغريبة السورية في ذروتها، فمعدل نصيب الفرد من الناتج المحلي سالب بمقدار50%, و50-80% من السوريين يقعون بين خطي الفقر الأدنى والأعلى. ولا تبدو في الأفق حتى الآن في الأفق أية بوادر لولادة تمثيل جامع للسوريين، أو جبهة مدنية عريضة تمثل الحد الأدنى من الطموحات الوجودية لسورية وليس لنهضتهم.
ثمة خلق لوقائع جديدة فرضها المتصارعون ابتعدت كثيراً عن البرامج العفوية للانتفاضة السلمية 2011 (الوطنية السورية الجديدة, نظام الحكم, الأدوار الجديدة للمؤسسات العسكرية والأمنية, وطن واحد, العدالة…الخ). وأصبحت هذه الوقائع الجديدة المفروضة تحتل المرتبة الأولى في ترتيب هموم البيت السوري الذي يتفاقم انقسامه على نفسه ويرى نفسه على حافة هاوية تهدد وحدته ويصبح همه الرئيسي خشبة خلاص من أي جهة. وتبدو نظرة إدارات الدول الكبرى الفاعلة إلى المسألة السورية كـ ” مرض عضال ” بحسب تشبيه وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلينتون. وسيكون هناك وقت ثمين لكنه ضائع على المتفاوض السوري أن يعيد الاهتمام بالمشكلة الأصلية وهي شكل الوطنية السورية الجديدة ومؤسساتها.

ما العمل؟
سؤال طرحه قبل مئة عام رجل دولة ومعارض من طراز لينين وأجاب عليه بأداة حزبية حديدية استطاعت لفترة قصيرة وقبل أن تتحول إلى أداة بيروقراطية ميتة قراءة الواقع في روسيا القيصرية وإدارة حربها الأهلية بطريقة خلاقة.

هل يمكن ولادة آفاق تفاوضية بين قوى الخارطة السورية الراهنة تحافظ على وجود سورية أولاً، ثم الاتفاق على برنامج انتقالي يجمع مناطق التقاطع بين تلك القوى التي سترى الأمر من الميزة النسبية لمواقعها؟ لأنه ليس من برامج سياسية واضحة لها بالأصل, فحتى مفهوم الخلافة لا يزال طارئاً وبلا جذور في التربة السورية.

من خلال القراءة السابقة فإنني أعتقد أنّ المطلوب هو  ولادة فريق لإدارة أزمات يحمل في حقائبه كل التفاصيل السورية.. بلا مجاملة. وخبراء هذا الفريق متوفرون لدى كل الفرقاء ولا يتطلب الامر سوى تشكيل تلك القبضة. وستكون مهمتها إجراء تقييم براغماتي للواقع وقواه دون خطاب أخلاقي لها (ذلك الخطاب المشتق من مفاهيم استبعادية تعتمد الطائفية وصولاً إلى مفهوم الإرهاب نفسه) مع الحفاظ على معيارية واحدة: سوري مع سوري وإنتاج خطاب سياسي مرحلي يقطع نهائياً مع الخطاب الأخلاقي الذي يعتمد إثارة غريزة القطيع (إرهاب, تكفير, نصيري, مجوسي.. الخ ). وسيرفع ذلك من الكفاءة التفاوضية الذاتية لمكونات الجبهة. على أن يتم تكوين جبهة عريضة من كافة السوريين وبكافة أشكال تأسيسهم الراهن, والرهان الكبير سيكون اكتشاف المكوّنات العددية الصغيرة. التي ربما سيكون قدرها ومن هذه الجبهة ستتم الدعوة لمؤتمر عام لكل السوريين. طبعاً لن يكون سهلاً تكوين هذه الجبهة مع التمزق الحاصل في جسد الوطن, وسيقع على النخب الطليعية السورية في الخارج والداخل جهداً بالغ القساوة للتواصل والاتصال والتفاوض خصوصاً مع النخب العسكرية الميدانية وملحقاتها.

هذا التفاوض يهدف إلى خلق مرآة كبيرة يرى السوريون أنفسهم من خلالها, وسيستدعي ( تبعاً لقوة الجبهة وسعة تمثيلها) بالتدريج الكثير من النخب التي تدور في فلك نواة النظام, خصوصاً تلك التي تقود السلطات التنفيذية والتشريعية منعاً لانهيار الدولة, وسيكون هناك بيانات براغماتية لا تغازل السوريين وتقول لهم اتفقنا على النقاط كذا وكذا وسيتم إعداد برنامج مرحلي عليها, ولم نتفق على النقاط كذا وكذا من برنامج التفاوض.

عندها فقط سيتحول القتال إلى مكوّن من مكونات الحقل السياسي الوطني وليس إمارات حرب رهينة لمصالح الإقليم وسياساته في المنطقة سواء تقاطعت مع النظام الحاكم أم لا.

برومو الشهيد ناجي الجرف