غير مصنف

ما بعد تفجير سروج: 11 أيلول تركي!

11 أيلول تركي!
محمد الجرف- محرر في موقع «حنطة»

 

صدمة تركية

بتاريخ 20  يوليو/ تموز عانت تركيا من صدمة كبيرة  بسبب تفجير سروج الذي استهدف تجمعاً لنشطاء أتراك كانوا ينوون الاتجاه إلى مدينة كوباني الكردية  في الداخل السوري. هذا الانفجار أسفر عن مقتل 32  شخصاً وإصابة أكثر من 100 آخرين، وعلى الفور وجهت الحكومة التركية المكلفة بإدارة شؤون البلاد أصابع اتهامها إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وبدلاً من أن ينعكس هذا الاتهام رضىً لدى حزب العمال الكردستاني (PKK) فقد قام الحزب بتبني عملية خطف جنديين تركيين في أورفا ومقتل مدني تركي في اسطنبول كرد على العملية الإرهابية في سروج!

الصدمة التركية لم تكن ناتجة عن الانفجار  بقدر ما كانت ناتجة عن المفاجأة بقدرة وجرأة تنظيم “داعش” على تصدير الحرب السورية إلى الداخل التركي ما قد يُشكّل التهديد الأكبر لتجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم، وكذلك صدمة مذهلة ناتجة عن سرعة تورط الساسة الأكراد في أتون المشكلة.

 

تفجير سروج الإرهابي
تفجير سروج الإرهابي

تركيا تستثمر تفجير “سروج”!

بدلاً من أن يساهم عملا داعش والـ PKK في إحراج حزب العدالة والتنمية فقد شكّلا لحظة تاريخية وكانا بمثابة الهدية الثمينة له.

على الفور شنت المقاتلات التركية هجومين متوازيين على معاقل داعش في الداخل السوري، وعلى أماكن تواجد قوات حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل الواقعة تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة “مسعود البرزاني” رئيس إقليم كردستان العراق. تزامن ذلك مع قيام صحيفة “حرييت” بنشر نص اتفاقٍ تركي- أمريكي تم التوقيع عليه في 8 يوليو/ تموز الحالي يقضي بالسماح لتركيا بإقامة منطقة عازلة بطول 90 كلم بين جرابلس ومارع  وبعمق 40 كلم داخل الأراضي السورية مع حظر جوي لتحليق طيران النظام السوري فوقها (ما يعني عملياً فصل الكانتونات التركية عن بعضها)، في مقابل السماح للمقاتلات الأمريكية بالانطلاق من قاعدتي ديار بكر  وأنجرليك التركيتين، ولقاء القبض على 14500 متشدداً جهادياً من 90 جنسية مختلفة يتواجدون على الأراضي التركية وينوون التوجه إلى سورية للالتحاق بداعش (34% منهم من دول الخليج العربي، و22% من شمال أفريقيا، و17% من دول الاتحاد السوفييتي السابق)، وبالفعل بدأت حملة اعتقالات تركية للأسماء المطلوبة مترافقة مع تشديد الإجراءات على الحدود ( هذه الحدود التي كان يتسرب منها الدواعش إلى سورية، ولكن أيضاً كانت تُشكل ممراً لمقاتلي الـ PKK الذاهبين لدعم إخوانهم الـ PYD في حربهم) ممّا قد يفسر قرار  عملية تفجير سروج الإرهابي من قبل “داعش”.

 

عدّة عصافير بحجر واحد!

يعلم الأتراك أن تشتيت الكُرد هو أفضل وسيلة للقضاء على طموحهم القومي بإقامة كيان مستقل، فبعد عودة المقاتلات التركية من جولتها الأولى، أعلن رئيس الحكومة التركية “أحمد داوود أوغلو” بخبث شديد أنه استشار  رئيس إقليم كردستان العراق “مسعود البرزاني” قبل العملية، وأن الأخير قد وافقه عليها. وهو أمرٌ غير مستبعد، إذ لطالما مزقت الخلافات السياسية والولاءات الساحة السياسية الكردية، فمن المعلوم أن الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه البرزاني يتحالف تاريخياً مع تركيا، وهو  يؤكد دوماً أن مقاتلي العمال الكردستاني هم ضيوف لدى الإقليم وليسوا من أهل الدار، فيما يتحالف غريمه التاريخي حزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني مع إيران. وقد ظهر ذلك وكأن البرزاني يتحالف مع الأتراك في معركتهم الأخيرة، خصوصاً مع قيام الثعلب الكردي “عبد الحميد درويش” رئيس الحزب الديمقراطي التقدمي، وبإيحاء تركي، بطلب تدخل قوات البيشمركة “لمساعدة” قوات الحماية الشعبية في المناطق الكردية السورية مما تسبّب بلبلة كبرى في الساحة السياسية الكردية –السورية وصل حد شتم البرزاني واتهامه بالخيانة على شاشات التلفزة التابعة لحزب الـ PYD.

المنطقة العازلة التي نصّ عليها الاتفاق الأمريكي - التركي.
المنطقة العازلة التي نصّ عليها الاتفاق الأمريكي – التركي.

ما الذي فعله الأتراك إذاً؟
1. دقوا مسمار جحا بين كُرد العراق من جهة، وكُرد تركيا وسورية من جهة أخرى.
2. نجحوا في جرّ  حزب العمال الكردستاني إلى ارتكاب العديد من العمليات الإرهابية يحق شرطة ومدنيين أتراك مما سيساهم في انخفاض شعبية حزب الشعوب الديمقراطية HDP المنتصر  السياسي الأكبر  في الانتخابات التركية الأخيرة، والذي خاض برنامجه الانتخابي على  النضال من أجل حق المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في تركيا دون التطرق إلى الانفصال أو الفيدرالية أو الحكم الذاتي، والذي اعتمد في نجاحه على الكثير من الأصوات اليسارية التي ستنفك عنه إذا انغمس في صراع قومي- عسكري مع الحكومة والمجتمع التركيين.

  1. إذا استمرت الأمور على هذا المنحى، فإن حزب العدالة والتنمية سيمضي مطمئناً إلى الانتخابات النيابية المبكرة بعد أن بيّن للرأي العام التركي نيته الحقيقية في محارية الانفصاليين (يبني حزب الشعب الجمهوري، الخصم الأبرز لحزب العدالة والحائز على 25% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، معظم خطابه على نقد الهدنة القائمة بين الانفصاليين الكر د والحكومة التركية)، وأيضاً قدرته على محاربة “داعش” مما يعني نزع الصورة السلبية التي التصقت به كأبرز داعمي التنظيم الجهادي الإرهابي.
  2. انتزاع موافقة أمريكية على إقامة منطقة عازلة بحظر جوي، لا تخدم المدنيين السوريين كثيراً لأنها لا تشمل المناطق الأكثر تعرضاً لقصف براميل النظام السوري، ولا تُزعج النظام السوري كثيراً طالما أنها بعيدة عن المجال الحيوي لبراميله، ولكنها ستشكل مكاناً مناسباً لتوافد السوريين الهاربين من الحرب في بلادهم غير القادرين على دخول تركيا بطريقة نظامية. كما ستكون مكاناً مناسباً لإقامة معسكرات تدريبية للمعارضة السورية المسلحة تحت إشرافٍ تركي- أمريكي.
  3. ستقوم تركيا بتحقيق مطلب أمريكي قديم يقول بتعويم حركة “أحرار الشام” كبديل عن “جبهة النصرة” الموضوعة على قائمة الإرهاب الأمريكية.

لقد كان 11 أيلول 2001 بمثابة الذريعة الأمريكية التي ما برحت تُولّد الذرائع تلو الذرائع، فهل يكون تفجير  “سروج” الصنو التركي له؟

برومو الشهيد ناجي الجرف