ملف

الحرب الأهلية القادمة في سوريا*

علي الشهابي 

لا شكّ في أننا، شئنا أم ابتلينا، دخلنا طور الإعداد للحرب الأهليّة. هذا ما أرغمتنا عليه جملة شروط، الأساسيّ فيها إصرار النظام على (الحلّ الأمني). هذا ما فعل فعله في معادلة الصراع التي استقرّت، في المدى المنظور، على عجزٍ ثلاثيّ الأطراف:
1- عجز النظام على فرض الاستقرار.
2- عجز الشعب الراغب بالخلاص منه عن الإطاحة به سلمياً.
3- عجز الغرب عن التدخّل العسكريّ لعدة أسباب، لعل أبرزها سبب/ ذريعة الدعم الروسي القوي.
ظنّ النظام منذ البداية أنّه يستطيع إخماد الانتفاضة بالقوة. وكلما كان يوغل في محاولة فرض حلّه، كانت أعداد المنتفضين السلميّين تتزايد. ولما يئسوا من إمكانية إسقاطه بشكلٍ سلميّ، وفي ظلّ البطش الذي يتعرضون له، أخذت أعداد المسلحين الراغبين بالدفاع عن أنفسهم تتزايد، ومعهم الأفراد المنشقّين عن الجيش. وبالتّوازي خالت بعض أطراف معارضة الخارج أنّ تشكيل قوّةٍ عسكريّة مسلّحة، ولو باسم (حماية المتظاهرين)، من شأنه خلق وقائع على الأرض، تجبر الغرب على التدخّل العسكريّ. دغدغ هذا الحلم المنتفضين، وتوسّلوا التدخّل علناً. ولمّا وجدوه سراباً، أيقنوا أنّ جلّ ما يستطيعه الغرب هو إدارة الأزمة لا حلّها؛ على الأقلّ ريثما تنضج الأمور بحيث تتوضح ملامح الحلّ.
هذا اليقين أدخلهم مرحلةً جديدة، تفرض عليهم؛ إمّا الاستكانة، أو العسكرة. وكلّ المؤشّرات تبيّن أنّهم شرعوا يعدّون أنفسهم للخيار الثاني، على الرغم من الحشود السلمّية الغفيرة التي خرجت في حيّ المزة/ دمشق، في جمعة المقاومة الشعبية، 18 (شباط)*، واليوم الذي يليه. من أهمّ هذه المؤشّرات، دعوة الهيئة العامة لعلماء المسلمين في سوريا، بتاريخ 6 (شباط الحاليط)*، إلى (النفير العام للدفاع عن أنفسنا وأعراضنا وأموالنا، مما يوجب على كلّ قادرٍ على حمل السلاح منّا الانضمام لكتائب الجيش السوري الحرّ، والعمل تحت قيادته). وناشدت الجميع (تقديم الدعم والمساعدة الماديّة والمعنوية للجيش السوري الحرّ، وللعوائل المتضررة جرّاء أعمال القتل التي يرتكبها النظام). وطالبت (أبناء الشعب، في الجيش السوري النظاميّ وقوات الأمن، الانشقاق عن النظام والانضمام إلى الجيش السوري الحرّ).
وبما أنّ مقررات وزراء الخارجية العرب في 12 (شباط)* تتيح المجال أمام دعم السوريين بالسلاح، وهو ما سيتمّ، تكون شروط العسكرة بين الداخل والخارج قد اكتمل تأسيسها.
بديهيٌّ أنّ من سيتجاوب مع دعوة الهيئة العامّة للعلماء هم المتديّنون من المسلمين السنّة، ومنهم فقط. ما يعني أنّ انشقاق بعض الأفراد خارجهم، لن يكون صدىً لها، بل لأنّهم ضد النظام. لكنّ الأهمّ أنّ من شأن هذه الدعوة أن تكبح جمهور الأقليات عن حمل السلاح ضدّ النظام، وربما يلحم به بعض الأفراد المتشققة علاقتهم به. لكن الغالبية العظمى من جمهورها، بكلّ تأكيد، سيتشوّش ويتخبّط. وإذا ما حمل السلاح، في ظلّ استعار الصراع بين قوى النظام والجيش الحرّ، وهو سيحمله، فحتّى يحمي نفسه ريثما يقرر بأي اتجاه يوجّهه.. ومتى.
المرعب في هذه المرحلة، التي بتنا على أعتابها، انفلات النوازع الطائفية التي ما زالت هامشّية، ما يؤدّي إلى طغيان الصراع الطائفيّ على الصراع ضد النظام. وهذا سيحدث إن لم يتدخل الديمقراطيون المدنيون الحقيقيون من الآن لمنعه. وفي حال انفلاته، من المؤكد أننا لن نعدم (تنظير) بعض المثقفين بأنَّ هذا الصراع الطائفيّ هو الشكل السياسي للصراع ضد النظام، أو تبريره بالقول (هذا ما سعى باتجاهه النظام، وكان له ما أراد.. فهو المسؤول الأوّل والأخير عن كلّ هذه المجازر!).
هل يعني هذا أنّ الحرب الأهليّة، التي تنطوي على احتمال تحوّلها إلى حربٍ طائفيّة، لا مفرّ منها؟، يكاد المنطق أن يقول (نعم)، ولكنْ لا يجزم. فصورة التحرّكات ما زالت كما يلي: التظاهرات الشعبية، الشكل الرئيسيّ لمناهضة النظام، هي التي تحمي المسلّحين لا العكس، على الرغم من الادّعاء بأن الأخيرين يحمونها. تظلّ هذه الحقيقة، حتّى يقرر الجيش اقتحام منطقة التظاهرات. عندها ينحسر التظاهر، ليتولى المسلّحون مهمة التصدي للجيش. وهذا ما يعطي مؤشراً، ولو ضعيفاً، على إمكانيّة الحفاظ على سلميّة الاحتجاجات كوسيلةٍ لإسقاط النظام.
هذه الإمكانية ينبغي العمل على تنمية شروط تحقّقها حتى تلاشيها، إن كانت ستتلاشى. وتحديد استمرار وجودها من عدمه لا يتمّ عبر التحليل النظريّ، بل يقرره الواقع العمليّ.. انطلاق شرارة الحرب الأهلية. لذا لا بد من التفكير بالوسائل، التي يمكن استخدامها عمليّاً لتفعيل هذه السلميّة، برغم السيل الجارف نحو الحرب الأهليّة.
أما إنْ لم تثمر الجهود الدافعة لتقوية السلميّة، فالخوف هو من تحوّل الحرب الأهلية شيئاً فشيئاً إلى حربٍ طائفيّة. فتركيبة الجيش الحرّ، كما سنكتشف بالملموس، ستكون سنيّة. لذا سيبدو طائفياً، حتى لو لم يكن. وإن تُرك وحده ربما سيصير. لذا؛ على الديمقراطيين الحقيقيين التفكير بكيفيّة الفعل في هذا الصراع، على الرغم من عدم وضوحها إلى الآن. صحيحٌ أنّ هذا يتوقف على الظروف، ولكنْ إن ظلّوا هامشيين فيه سيصيرون كنساء العهود الغابرة. إذ سيحقّ لجيش النظام، والجيش الحر، أن يقولا لهم:
كُتب القتل والقتال علينا
وعلى الغانيات جرّ الذيول
أرجو ممن يوافق على الإطار العام لهذه الرؤية مايلي:
1- التفكير باقتراحاتٍ عمليّة لكيفية تعزيز المنهج السلميّ لمناقشة جدواها.
2- التفكير بتصوراتٍ لما يمكننا عمله، إن اندلعت شرارة الحرب الأهليّة، أو شارفت، لتوسيع آفاقنا في ما يخص ما ينبغي علينا القيام به للجم تحوّلها طائفيّاً.
——————
نُشرت هذه المادة في العدد الرابع من *
جريدة الخط الأمامي (لسان حال تيّار اليسار الثوري في سوريا)، بتاريخ نيسان 2012
(شباط 2012 – المحرر)*

نت4 نت5

برومو الشهيد ناجي الجرف