ملف

علي الشهابي، الطاقةُ التي لا تنضب

أحمد الخليل

في منتصف الشهر السادس من عام 1985 وبعد نحو شهر من وجودنا في الزنازين في سجن الشيخ حسن (كاراكون الشيخ حسن)، سمحوا لنا بأوّل ساعة تنفّسٍ، خرجنا (خمسةُ أشخاصٍ) وكنّا كأعمى أعيدَ له النظر.كان السجناءُ يدورون حول السجن الصغير المؤلّف من طابقين عبر ممرٍّ عرضه بين متر ومترين وهم يتحدّثون أو يتضاحكون،إنها ساعة التنفّس المسائيّة (كان التنفّس صباحيّاً ومسائيّاً، وكلّ فترةٍ تمتدُّ لساعةٍ واحدة). كان الصديق علي الشهابي من أوائل من تعرّفنا إليهم في السجن، عرفناه غيابيّاً عندما سمعنا قصة فصله من حزب العمل الشيوعيّ.
كان صوته قويّاً ومشوباً ببحّةٍ،وأفكاره دائماً متدافعةً، سريع الكلام مع حركةٍ مستمرّةٍ من يديه. سريع المشي حول سجن الشيخ حسن. كان إيقاع حياته يتّصف بالسرعة في كلّ الجوانب.
لم يكن يأبه أنه معتقلٌ على اسم تنظيمٍ هو مفصولٌ منه، ومشهِّرٌ به بشكلٍ ظالمٍ من قِبل رفاق الأمس، بل بقي وفيّاً لأفكاره وقناعاته الفكريّة والسياسيّة المحميّة بكفاحيّةٍ عاليةٍ، فهو يدافع عن أيّة فكرةٍ تتملّكه بحماسةٍ منقطعة النظير، مع طاقةٍ انفعاليّةٍ كبيرةٍ تجعل كلَّ قواه منصبّةً على دفاعه عن قناعاته،فهو يضفي على أفكاره السياسيّة والفكريّة شحنةً عاطفيّةً عفويّةً ناتجةً عن تركيبة عليٍّ العفويّة والصادقة في آن.
ولطالما تمتّع (أبو ميديا) بعقلٍ نقديٍّ لايقبل الركونَ إلى السائد والمستقرّ إنكان في الماركسيّة أو الأحزاب العربيّة بمختلف تلويناتها وأيديولوجياتها. كان دائمَ الحماسة والنقاش لدرجة أنَّ بعضَ الأصدقاء علّقوا عليه في السجن (يا أخي أنت ما بتتعب من السياسة والنقاش).
وبالحماس نفسِه، علّم عليٌّ اللغة الإنكليزيّة للسجناء ولأصدقائه داخل السجن، حيث كان له دورٌ أساسيٌّ في تعليم اللغة الإنكليزيّة كونه كان مدرّساً في مدارس الأونروا ومهتمّاً بالترجمة، وكم من شخصٍ أتقن هذه اللغة في السجن بفعل جهود عليٍّ وآخرين على ملء وقت السجناء الطويل بما هو مفيدٌ وعمليٌّ.
من الناحية الأخرى يتمتّع أبو ميديا وأبو سعيد لاحقاً بغيريّةٍ استثنائيّة، فهو محبٌّ للآخرين ومتفاعلٌ معهم جداً، فحين ضاقت بنا الأحوال في عام 1987 وأصبح أكلُ السجن شحيحاً ورديئاً شارَكَنا في شغل الخرز رغم وضع نظره غير المريح (فهو يملك عيناً مبصرةً واحدةً)، ورغم وضع أهله الماديّ الجيد، لدرجة أن زيارة أم عليّ (والدته) وبناتها له في السجن تعني الزيارة للجميع، فأمُّ عليّ؛ المرأة الفلسطينيّة القويّة والمتماسكة والكريمة جداً، نادراً ما غابت عن الزيارات، حيث كانت تمرُّ على الشبك لتسلّم على الجميع، وكانت تمضي أياماً عديدةًقبل موعد الزيارة لإعداد طعامٍ يكفي الجميع. كانتبالفعل، رحمها الله، أمّاً للجميع (توفيت عام 2011).
بعد خروجنا من السجن أواخر عام 1991، كان بيت عليٍّ في المخيم بيتاً وملجأً للجميع ولكلّ القادمين من الأصدقاء إلى دمشقَ لعملٍ ما، فلا يمكن أن تزورَ عليّا ًإلا وبيته يعجُّ بالأصدقاء والناس.
كان يتمتّع بقدرة تحمّلٍ كبيرةٍ وصبرٍ يشتهر به الفلسطينيون عموماً، وهو بشكلٍ خاصٍّ على مواجهة الآلام والفواجع، حيث توفّيت ابنته الصغرى (ليديا) ونحن في سجن عدرا، فكان حزنه حزناً نبيلاً لايقف أمام حبه الجارف للحياة.وهكذا كان حين توفّي ابنه سعيد (وهو في الصف الخامس) إثرَ حادثٍ أليمٍ أواخر عام 2007.كان يتحدّث عن ابنه أمام مشفى دار الشفاء وكأنّه أمامه، تحدّث عن شقاوته وعن عزفه الجميل على الناي وقوة شخصيته. والمؤلم في حديث عليٍّ وصف حادث السيارة المروّع قرب النبك، بينما كان سعيد يطربهم بعزفه على الناي في المقعد الخلفي للسيارة.وصادفت مناسبة رأس السنة بعد دفن سعيد ببضعة أيام، لم يحزن عليٌّذلك المساء كما يحزن الآخرون،بل دعا ضيوفه للفرح وبادر هو بالرقص وكأن سعيد لا ترتاح روحه إلا بالموسيقى والفرح ولمّة الأصدقاء، فيما كانت روح عليٍّ حينها (كما أعتقد) مسكونةً بالعويل.
وهكذا دائماً في قصته الطويلة مع الموت، حيث توفيت فيما بعد ابنته الكبرى ميديا، وكذلك كان صبوراً قويّاً حين فقد أمه (أم عليّ) أمّنا جميعاً بعد أشهرٍ من بداية الثورة.
حاول عليّ (أبو سعيد) مع آخرين عند بداية عسكرة الثورة والتسلّح،تحييدَ المخيم وإبقاءه ملجأً للجوعى والمشرّدين والمهجَّرين من باقي المناطق،ولكن لماضيه الكفاحيّ الطويل ضدّ النظام، ولعمله بشكلٍ معاكسٍ لخطّة النظام التدميريّة لكلّ البلد، ولاسيّما المخيّم، لتأديبه كونه احتضن المهجّرين وحماهم من الموت، لكلّهذا كان لابدَّ من اعتقال عليٍّ للمرة الرابعة، ليس هذا وحسب بل نكران وجوده في سجونهم، واختفائه من عام (2012) حتى اللحظة.
الصديق علي الشهابي، كنْ بخير وعدْ إلينا سالماً فرحاً كما عادتك دائماً.

نت6

برومو الشهيد ناجي الجرف