ملف

الحريّة لعلي الشهابي

آرام كاربيت

السجن هو حصنُ الديكتاتور، القلعة التي يسهر فيها على أدلجة مجتمعه كي يحوّلَ الناس إلى أشكالٍ نمطيّةٍ متشابهةٍ على مقاس عقله لإخراج بشرٍ منفصلين عن مصائرهم وشؤون حياتهم وشجون أوضاعهم ومستقبلهم.
المجتمعات الحيويّة، المقاومة، التي ترفضُ الذلَّ والخضوع والضيم، يكثر فيها المعتقلون الرافضون، لشروط الواقع وتسلّط الأنظمة الاستبداديّة مهما كان شكل وقسوة هذا الديكتاتور المريض.
في ثمانينيّات القرن العشرين، كانت سوريا تُعتبر أكثر دولةٍ في التاريخ دخل إلى سجونها سجناءُ سياسيّون نسبةً إلى عدد السكان، ومكثوا عشرات السنين في زنازينهم وأقبية الظلم لرفضهم أحاديّة الرؤية المفروضة على الدولة والمجتمع من قبل نظامٍ منفصلٍ عن الدولة والمجتمع.
لقد عشتُ مثل آلاف السجناء السوريّين في السجن، وتعرّفت إلى مئاتٍ منهم، قبعوا في الظلام والعتمة مرغمين،منهم الأخ والصديق علي الشهابي، الذي قاسمته المكان والزمان ومرارة الحرمان من الحرية والحياة والشمس والضوء، من رؤية الأهل والأصدقاء والأقرباء، من العيش في وطنٍ يمنحنا الحقَّ في العيش الكريم.
أذكر الصديق عليّ وتفانيه في مساعدة رفاقه وزملائه وأصدقائه في السجن. فهو كريمُ النفس والروح، إنسانٌ معطاءٌ دون تذمّرٍ أو تأفّفٍ دفاعاً عن قضيّةٍآمن فيها وعاش من أجلها.
لقد اشتغلنا معاً على عدّة قراءاتٍ لعدّة كتّابٍ ومفكّرين عالميّين وماركسيّين، وعلى كتب التراث في باحة سجن عدرا في دمشق، منهم مهدي عامل وسمير أمين وإسحاق دوتشر وإرنست ماندل، وتعمّقنا في قراءة الواقع والمجتمع السوريّ من زاويةٍ ماركسيّةٍمنحتنا القدرة على الدخول في مفاصل السياسة المحليّة والعالميّة وتناقضات الصراع بين المحليِّ والعالميِّ، ومعرفة لغة عالمنا المعاصر من زوايا واسعةٍ.
أذكر زاوية المهجع التي كان يجلس فيها يقرأ طوال الليل، يسهر عندما كنّا ننام. لم يثنهِ مرضُ ابنته الخطير، أو تشتّت أسرته عن الرجوع عمّا آمن به. اعتبر أن الإنسان هو قضيّة القضايا،قضيّة الحقِّ في الحياة والسعادة والمساواة والعدالة والحبِّ والجمال. ينظر إلى الأمام،مؤمناً برؤيته وتطلّعاته وثقته بانتصار قضية الحياة والإنسان.
كان فكرُ علي الشهابي ينصبُّ ضدَّ الشكل الجموديِّ للماركسيّة، ضدَّ الستالينيّة المتوحشة. ووقف ضدَّ نهج السوفييت في ثمانينيات القرن العشرين، واعتبر أن ستالين كان موجوداً بشخوص القيادة القائمة بعده. كما كان مع الانفتاح وتعميم الفكر الماركسيِّ من أجل الخروج إلى الفضاء العامّ،وبقاء الثورة العالميّة مستمرّةً في كلِّ مكانٍ دون تحديد بقعةٍ ضيّقةٍ أو ستارٍ حديديٍّ كما فعل ستالين بالدولة والمجتمع السوفييتي.
لقد عاش علي الشهابي في مخيم اليرموك،كونه من أصلٍ فلسطينيٍّ وترعرع في بيئةٍ قاسية، ومنها اكتسب المرونة في الحوار والمجادلة. وكان يكتب أبحاثاً في السجن، وعندما خرج نشر أعماله وأفكاره، بَيْدَ أنه عاد إلى السجن على إثر اعتقاله مرّةً ثانيةًمن قبل الأمن العسكريّ في العام 2006 ومكث لديهم مدّة ستة أشهر.جُلُّ مطالبه هيالعمل السلميّ لنشر أفكاره، وبقي خلال الثورة ناشطاً حراً مطالباً بسلميتها إلى أن اعتقل مرّةً ثالثة في 17 كانون الأول من العام 2012 وما زال إلى اليوم قابعاًفي السجن.1
يبدو أن الديكتاتور يكرر ذاته بأمثاله، نسخته النمطيّة المشابهة لتكوينه. فكما سجن حافظ الأسد علي الشهابي عشرة أعوام، منذ العام 1982 إلى العام 1992 لم يقصّر بشار الأسد، فكلاهما على خطٍّ سياسيٍّ واحدٍ، أنا والطوفان من بعدي. في هذه الظروف الصعبة نرى أن الثورة أكلت أبناءَها، كما أكل النظامُ الدولة والمجتمع وحوّل سوريا إلى ساحة حربٍ يعبث فيها كلُّأشرارالعالم.إنَّ»علي الشهابي» وأمثاله مكانهم ليس في السجن،إنما في الهواء الطلق، لكونهم كانوا أوّلَ من نبّه من أخطار التسلّح والتسليح والتدخّل الخارجيِّ.
الحرية لعلي الشهابي، الأخ والصديق والرفيق والمناضل والإنسان، والعار لجلّاديه، جلادي سوريا اليوم والبارحة.

نت7

برومو الشهيد ناجي الجرف