ملف

علي الشهابي… النتيجة 3/2 لصالحنا

براء موسى

لم تكنْ الجملةُ المقتبسة من كلام عليٍّ في العنوان أعلاه خبراً عن مباراةٍ لكرة القدم، بل كانت حصيلة خمسة أشخاصٍ، كان هو أحدهم، قضى اثنان منهم، وبقي ثلاثةٌ على قيد الحياة. توفي في حادث السير المؤلم هذا ابنه سعيدٌ، وصديقه دانيال، بينما نجا هو وزوجته وابنته، ولربّما لو كان بيننا لابتسم ورفع شارة النصر أيضاً بهذه النتيجة التي اعتبرها رابحةً.
أخمّن أنّ أصدقاء غيري سيقومون بالتعريف عن جزءٍمن تاريخ عليٍّ المعتقل حاليّاً لدى النظام الأسديِّ، ضمن الملفِّ الذي يُعدُّ لذكرى اعتقاله الثالثة، وأميل أنا كاتب هذه السطور إلى الابتعاد ما أمكن عن التذكير بتواريخ اعتقالاته العديدة والمثيرة لحكايا طويلة، ربّما لأنني أشعر كما أتمنى أن أقرأ له هذه المادّة ذات يوم أرجوه قريباً، فما نفع ذكرياتٍ عابرةٍ لرجلٍ يخرج من مجلس العزاء في أربعين دانيال عندما سيعرض الأصدقاء فيلماً قاموا بإخراجه عن الفقيدين، يعزف فيه ابنه مقطوعةً موسيقيّةً كانت عرضتها القناة التلفزيونيّة الأشهر قبل أيامٍ من وفاته؟، أو ما الذي يعنيه تذكّر الألم لرجلٍ يُعلّق هذا التعليق على موت صديقه وابنه؟.
أتذكّر قصّةً قصيرةً بمنزلة أمثولةٍ لدى الصينيين عن قيمة العمل، مفادها أنّ ابناً لفلّاحٍ مات صباحاً وهو يعمل في الحقل برفقة أبيه، فما كان من الأب إلّا أن أكمل عمله في الأرض حتّى حلَّ المساء وانتهى وقت العمل، بعد ذلك قام بإجراءات الدفن والعزاء، وعندما انتهى كلُّ شيءٍ بكى ابنه وحيداً حتى الصباح ثم استأنف العمل في الحقل من جديد.
عليٌّ.. كان مسكوناً بالعمل لأجل القضايا التي يؤمن بها،كما ذلك الأب الصيني، فما نفع التذكير بتاريخه النضالي الطويل جدّاً بينما العمل لمّا ينتهِ بعد؟.
كنت دائماً أقول لنفسي: لابدَّ ويأتي يومٌلروايةٍعن هذا الإنسان بخصاله النادرة، هذا النبّاش للضحك من أعمق المآسي والأحزان البشريّة، بالطبع ليس الضحك من أجل الضحك، وحتماً لغاياتٍ أخرى تليقُ بنُبله وحبه للحياة.1
طائرة عليٍّ الورقيّة هي الحرية بمعناها الشامل، حريصٌ عليها كطفلٍ، يربطها بإصبعه كمحبسٍ لعلاقةٍ أبديّة، ويلاحقها أينما توقّع وجودها، باتجاه الريح أو عكسه، عناده لا يتوقف عند حدٍّ في سبيلها، لا يكتفي بالأحلام الرومانسيّة حولها، يبادر بشجاعةٍ لأقلّ فرصةٍ ربّما تجعلها واقعيّة، شطحاته وهواجسه بالحريّة ليس لها حدود أبداً، لا يتوقف عن تنفسّها لحظةً والمطالبة بتوزيعها العادل.
ولأنّ لكلِّ بشريٍّ نقطةَ ضعفٍ ترهقه، فإنّ النبْلَ وحده هو ماكان حِمْلَ»عليٍّ» الثقيل، ويُخطئ القائل إنّ النظام الأسديَّ الهمجيّ وحده حاصر علي طوال عمره، قبل الثورة بربع قرنٍ وخلالها، فالرجل كان منذوراً لنبله وأسيراً له، واعتقالاته الكثيرة ليست سوى فصولٍ من اعتقاله البنيويِّ لصالح النبْل.
محكوماً بالشهامة والنبل،وأثناء الثورة في بداية طورها ما بعد السلميّ، عاد عليٌّ إلى المخيّم بعد بضعة أيّام فقط من خروجه من براثن الهمجيّة التي طالما أرادت أن تتحكّمَ بالهواء الذي يتنفّسه الناس، وكان أنّ الهمجيّة ذاتها بوجهيها خطفت علي الشهابي كما الأب باولو في الوجه الآخر للهمجيّة العدميّة ذاتها.
بمنطقه النبيل كمقامر، يربح عليٌّ (على طول الخط). الخسارةُ والربح لا قيمةَ لهما في موازين النبل، ولا غرابة أبداًفي أنه عندما يعود سيحتفل بالنصر –كما في كلّ مرّة- بفارق هدف.
هذا العاشق للحياة والحريّة بنهمٍ زورباويٍّ ونشاطٍ فائضٍ، ترك بين أيدينا، نحن الأصدقاء (مجروحي الشهادة)، الكثيرَمن الحكايا والقصص، ومنها ما أحتفظ به أنا من ذكرياتٍ شهدتها معه،
أو رواها لي هو كقصّة المفاتيح مثلاً:
في بدايات اعتقاله الطويل في آذار لسنة 1982كان قبل جلسات التحقيق المؤلمة والقاسية قد سلّم مقتنياته الشخصيّة لقسم الأمانات في أحد المعتقلات، وطوال فترة التحقيقات كان يهجس بشيءٍ واحدٍ فقط: كيف سيهرب من دليل المفاتيح العينيّ إذا ما سأله المحقّقون عن أصحابها من الأصدقاء؟، وفي هذه الحالة (المي تكذّب الغطّاس) عندما يقومون بتجريبها في الأقفال التي سيدلّهم عليها مُكرهاً، ويهجس طوال فترة التحقيقات والسجن أيضاً في الأمر لاختراع قصصٍ قد تفيد في إبعاد الشبهة عن هؤلاء الأصدقاء أصحاب البيوت الذين اِئتمنوه عليها للتخفّي وقت الحاجة، ثمّ يُنهي القصّة ضاحكاً بشغفٍ أنّه استلم المفاتيح من الأمانات بعد عشر سنواتٍ من الاعتقال دون أن (يلتكش) فيها أحد.
ذات مرّةٍ، وبعد أمسيةٍ ذات أبعادٍ سياسيّةٍ وثقافيّةٍ، قلتُ لأصدقائي الذين شاركونا في تلك الأمسية الطويلة: هل لمستم أنّ هذا الرجل كان معتقلاً سياسيّاً سابقاً؟، اندهش الأصدقاء لأنهم اعتادوا على سماع قصص المعتقلين من خلال ما يتحدثون به، واندهشوا أكثر عندما فاجأتهم بأنّه فلسطينيٌّ أيضاً، فما كان أحدٌمنهم آنذاك يتوقع هذه الحماسة الفائضة في السياسة لشأنٍ سوريٍّ بحت.قضيّة عليٍّ كانت، بالفعل ليس بالقول،عابرةًللقضايا المتخصّصة، أزعم أنّ الإنسان أينما حلَّ كان قضيّته المركزيّة.
عشراتٌ من القصص أختزنها بذاكرتي المشتركة مع عليٍّ وعنه، وعندما أناقشُ أو أجادل في موضوعٍ ما، أعجز فيه عن التعبير أو إيصال الفكرة، أقول لمحدّثي بصوتٍ مضمرٍ في القلب: انتظرني ريثما يعود عليٌّ فأعود إليك، وهل من السهل إقناع أحدٍ ما في حلكة السواد هذه بأنّ حكمَ الإعدام مثلاً غير عادلٍ كما شرحه لي ذات مرّة؟، فقط عليّ، كان يفعلها كسحر.
عليٌّ، الإنسان قبل أيِّ شيءٍ آخر، كان مُشاكساً سياسيّاً بامتياز، ولطالما اتفق أو اختلف في آرائه مع الآخرين، حيث لايملُّ أبداً من إزكاء جذوة النقاش والعمل حتّى في المُسلّمات، لعلّه يجد خيطاً ما ليجدله مع خيط طائرته إلى الحريّة التي ما انفكّت غايته النبيلة منذ وعيه الأوّل.
ذات سهرة رأس سنة، بُعيدَ وفاة ابنه بأيّامٍ،اختصرت أخت عليٍّ إنسانيّته بجملةٍ واحدة، قالت فيما أذكر: «ربّما يظنّ الناس أننا في مأتمٍ يبتلعه الحزن والشجن، لكننا عكس ذلك، نحتفل بليلة رأس السنة، ومن النادر أن يحصل ذلك في غير بيت علي الشهابي».
لاحقاً.. سأذكّره بمادّتي هذه التي سيحوّلها إلى نكتةٍ، ونضحك طويلاً معاً.

نت9 نت10

برومو الشهيد ناجي الجرف