ملف

علي الشهابي في ترحاله الدائم

بكر صدقي

بخلاف معتقلين وأسرى آخرين لدى النظام، أو مجموعاتٍ إرهابيّةٍ كداعش، لم يحظَ علي الشهابي بكثير الاهتمام من الرأي العامِّ، ربما لأنه «يتيمٌ» بالمعنى السياسيِّ. لم يكن منتمياً، عند اعتقاله الأخير، إلى إطارٍ سياسيٍّ أو حقوقيٍّ أو جماعةٍ إيديولوجيّةٍ ما. هذا لا يعني أنه من النوع المنزوي أو المتفرّغ لحياته الخاصّة، بل لأنه في بحثٍ دائمٍ لطالما انتهى به، في كلِّ مرّةٍ إلى السجن. هو الفلسطينيُّ– السوريّ، أو بعبارةٍ أكثر دقةً، السوريُّ من أصلٍ فلسطينيٍّ، الذي رأى نفسه دائماً في قلب «المشكلة السوريّة» إذا جاز التعبير. وأعني بها وضعيّةً خاطئةًلبلدٍ لم يستقرَّ على حالٍ طبيعيّةٍ طوال تاريخه القصير نسبيّاً. ليس هنالك بلدٌ في العالم بلا مشكلات، صحيح هذا، لكنّ سوريا مشكلةٌ بذاتها بالمعنى الكيانيّ. فلا مساحتها الصغيرة نسبياً سمحت لها بأن تكونَ إمبراطوريّةً كما يفترض تكوينها المتنوّع، ولا كانت قادرةً على الاكتفاء بصفة الدولة الصغيرة الأحادية المكتفية بذاتها في محيطٍ مضطربٍ ومتداخل، ولا تمكّنت من التكيّف مع حالة «الإقليم» التابع لدولةٍ أكبر، كما علّمتنا تجربة الوحدة مع مصر الناصريّة. وإذ ابتليت بنظامٍ مافيويٍّ مجرمٍ صُمِّمَ على أساس الأبديّة، واتضح على ضوء ثورة آذار 2011، أنه لا يمكن اقتلاعه بغير إرادةٍ دوليّةٍ فاعلةٍ، ناهيكم عن إمكانيّة إصلاحه بآليّاتٍ ذاتيّةٍ أو بالإرغام، باتت سوريا مشكلةً أبديّةً كنظامها الذي عمل بدأبٍ على تخريب الكينونة الاجتماعيّة للسوريّين.
ربما هذا الوعي بالمشكلة السوريّة هو ما دفع عليّاً، في مطلع القرن، إلى البحث عن حلٍّ لها من خلال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي! إنها فكرةٌ مجنونةٌ حقّاً لا تخلو من سذاجةٍ سياسيّة، ليس بسبب ما قد تثيره من اعتراضاتٍ إيديولوجيّةٍ (وطنيّة)، بل بسبب الانغلاق الأوروبيّ على الذات الذي يزداد تفاقماً باطّراد، قبل أيّ اعتبارٍ آخر. ولا تقلُّ سذاجة الوسائل التي لجأ إليها عليٌّ في نشر فكرته بحثاً عن مؤيدين لها. شهدتُ، ذات مرة، كيف يوزّع نسخاً من كتابه «سوريا إلى أين؟» الذي كان طبعه على حسابه. رافقته إلى وكالة السيارات التي يدفع لها أقساط سيارته، كان هناك في المكتب زائرٌ آخرُ هو طيّارٌ سوريٌّ برتبة عقيد، سرعان ما نسج عليٌّ معه خيوطَ تعارفٍ ودودٍ انتهى بأن حاول إهداءه نسخةً من الكتاب. كان ردُّ العقيد الطيار صدّاً مهذباً ورفضاً للهدية. سألتُ عليّاً، بعد مغادرتنا المكتب، ما الذي جعله يتوقّع أن يقبلَ طيّار ٌلدى النظام كتاباً سياسيّاً من خارج «مكتبة النظام»؟، فتذرّع بأن الكتابَ مطبوعٌ في سوريا بموافقة الرقابة في وزارة الإعلام! كأنه لا يعرف هذا النظام الحريص على عذريّة الفكر وعقمه التامِّ لدى عناصر «دولته»، فما بالك إذا تعلّق الأمر بأخطر مؤسسةٍ من مؤسساته الأمنيّة ألا وهي الطيران؟. ولا يغيّر من الأمر كثيراً أن طيّارنا المعنيَّ يعمل في الطيران المدنيّ، فالطيران عند النظام هو الطيران.
ولكن هل تقلُّ سذاجةً محاولة السوريين، في ثورة آذار 2011، إسقاط هذا النظام بالوسائل السلميّة، أو مراهنتهم على تدخّلٍ دوليٍّ يوقف قتلهم اليوميّ منذ تلك اللحظة؟، أعني أن نظاماً استثنائياً في إجرامه وتحجّره كنظام الأسد، وكياناً إشكاليّاً منذ نشأته، كالدولة السوريّة، لا يتركان أيَّ هامشٍ للحسابات العقلانيّة الدقيقة، ولا بدَّ أن تتّسمَ أيّة أفكارٍ تغييريّة تحرريّة بقدرٍ متفاوتٍ من السذاجة والدون كيشوتية. وقد ابتلع النظامُ الدولة إلى درجةٍ باتت أيُّة محاولةٍ لتغييره تدميراً لها، الأمر الذي تعلّمناه، أثناء الثورة، بصورةٍ عمليّة، في درسٍ من أقسى دروس التاريخ وأكثرها مأساويّة. أتذكر نقاشاً حادّاً جرى بيني وبين عليٍّ بعد أول مظاهرةٍ خرجت في سوق الحميدية في دمشق، اعتبر أنّ الدعوات إلى إطلاق الثورة السلميّة، على غرار ما حدث في تونسَ ومصرَ، مقامرةٌ بمصير الناس، لمعرفته بمدى شراسة النظام في تمسّكه بالسلطة. ورغم مشاركتي له في هذه المعرفة، كنتُ أكثرَ تفاؤلاً منه في إطار مناخ الربيع الذي أطلقته ثورة تونس وما تلاها. وكان جوابي هو: لستُ أنا من أطلق الدعوات للتمرّد الشعبيّ، فلا تحمّلني مسؤوليّة مصير الناس. لم يكن جوابي شخصيّاً، ولا اعتراضه، فقد «حدثت» الثورة فعلاً بصورةٍ مستقلّةٍ عن المعارضة القديمة الحالمة. وما كان كلامُ عليٍّ يصدر عن جبن، ففي صباح اليوم التالي كان من أوائل الواصلين إلى منطقة المرجة للمشاركة في مظاهرة أهالي المعتقلين أمام وزارة الداخليّة. تلك المظاهرة التي واجهها النظام بعنفٍ واعتقل فيها عدداً كبيراً من المتظاهرين.
أوّلُ ما يخطر في البال من صفات عليٍّ هي الشهامة. هذا ما يتّفق عليه كلُّ أصدقائه ومحبّيه ومعارفه. وقد نالني من شهامة عليٍّ نصيبٌ كبيرٌ. حين اعتقلت تهامة، في شباط 2010، اتصل بي، بعد طول انقطاعٍ في التواصل بيننا، وأعلن عن استعداده لفعل كلِّ ما يستطيع لمساعدتي على مواجهة مصابي الشخصي. لم يكن كلاماً يقال، بل أرفقه بالفعل الفوريّ. طوال سنةٍ وأربعة أشهرٍ أمضتها تهامة في السجن، التزم معي كما لو كانت مشكلتي هي مشكلته. عرّفني إلى محامين، وبحث لي عن حلولٍ ومداخلَ و«واسطات»، ورافقني بسيارته في كلِّ زيارةٍ إلى السجن، وفتح لي بيته، وعرض علي أيّة مساعدةٍ قد أحتاجها. لا تتمثل شهامة عليّ في تقديم كلّ ذلك، بقدر ما تتمثل في طريقته في تقديمها: كأنه يمارس أيّاً من الأعمال اليومية المألوفة، لا يترك لك مساحةً لشعورٍ بالامتنان.
كتب، ذات مرة، نصّاً بديعاً حول الفروقات السيكولوجيّة بين الرجل والمرأة، فكرتها الأساسيّة هي أن الرجلَ يميل إلى الترحال، في حين تشدّه المرأة إلى الاستقرار. وأسند فكرته هذه إلى العلاقة النمطيّة المشهورة بين أوديسيوس وبنيلوبي التي كانت تحيك الكنزة الصوفيّة، وتفكّكها قبل اكتمالها، ثم تعيد حياكتها، بانتظار عودة زوجها من الحرب، لإبعاد خُطَّابها الكثر بحجة إكمال حياكة الكنزة.
في حياة علي الشهابي شيءٌمن هذا الترحال الدائم بين الأماكن والأفكار والمعتقلات والسجون. اعتقاله الأخير، منذ سنتين، كان على أرضيّة نشاطه الثوريّ في مخيم اليرموك. لا أخبار عنه أو عن مكان احتجازه. سيعود عليٌّ، يوماً، ليجد هوازن وقد سبقته، هذه المرّة، في السفر، كحال ملايين السوريّين الذين دفعتهم وحشية النظام إلى بلدان اللجوء القريبة والبعيدة.
عليٌّ جزءٌ من الأوديسة السوريّة التي لا تنتهي.

نت11

برومو الشهيد ناجي الجرف