ملف

زمن الغيلان وزمن الأحرار.. «علي الشهابي» نموذجاً

برهان ناصيف

مساءَ ذلك اليوم، وليس كغيرهِ من الأيام، من سنة(1983)، نقلتنا دوريّةٌ من الفرع صباحاً إلى «كركون الشيخ حسن» على كتف مقبرة باب الصغير من فرع الأمن السياسيِّ في «الميسات»، ووضعتنا المفرزة في الجماعيّة العليا، كانت آثار الفرع مازالت قابعةً في النفسِ والعيون.
فتح أحدهم باب الجماعيّة وأدخل سجيناً يحمل بطانياته وأوصاه أن «قعود آدمي عاد»، ضحك السجينُ، وضع بطانياته في وسط الجماعيّة فنهض السجناء القدامى يسلّمون عليه ويهنؤونه بالسلامة.
انتهت حفلة الاستقبال، سحب السجين ورقةً من جيب بيجامته من أوراق علب الدخان وخاطب سجيناً باسمه، وبدأ يقرأ قصيدةً غزليّةً وحارقةً بدفئها عن امرأةٍ يبدو أنه يحبّها. أنهى القراءة وضحك على ثناء السجناء القدامى، ثم التفت إلينا نحن المتكوّرين في إحدى الزوايا، وألقى علينا التحية «مرحبا شباب، أنتو الشباب الجداد من الفرع؟»، كانت ابتسامته ونبرته مشجّعةً وتنمُّ عن معرفةٍ بالقادمين الجدد، فبادرنا إلى الكلام مجتمعين، ويبدو أنه ميّز اسم أحدنا، فنهض من مركز الجماعيّة وجاء إلينا مصافحاً ومقبّلاً كلّاً منّا «الحمد لله على السلامة، أنا علي الشهابي.. معتقل حزب عمل شيوعي».
عليٌّ وقف فيوجه المخبرين داخل المعتقل ودعا المعتقلين الآخرين إلى مقاطعتهم، فاستحقَّ العقوبة الانفراديّة لشهرين، وعندما قلنا له إنّ من غير المجدي مواجهة المخبرين ضحك، وعبّر عن ارتياحه وكأنه قد أدّى واجبه تجاه الوطن.
عليٌّ، الذي كان له موقفٌ من الحزب ومن التنظيم، أظهر تماسكاً والتزاماً قلَّ نظيره تجاه أبناء التجربة وثمنها الباهظ الذي سيدفعه طوال عمره، فقد كان مفصولاً من الحزب ومحسوباً على الجناح «التروتسكي».
بعد خروجنا عشية عام (1992)، وكان قد أمضى عشر سنواتٍ داخل المعتقل، سارع للعمل السياسيِّ ولم يقف يوماً على الحياد، وحاول بشتّى السبل التواصل مع منظمات حقوق الإنسان لإيصال أصوات المعتقلين الذين نسيهم العالم. وخلت شوارع المعارضة وقتها من كلِّ نشاط، فاستدعته الأجهزة الأمنيّة وأوقفته لعدّة أيامٍ من أجل بعض المساعدات التي قدّمها للمعتقلين.
سنة (2004)، أسّس وبعض رفاقه القدامى تياراً يساريّاً ديمقراطيّاً،فأوقفه الأمن السياسيُّ خمسة أشهر لذلك السبب. وعليٌّ الذي انتظر الثورة، لم يهدأ ولم يستكن لحال الحركة المعارضة للسلطة. دفع ثمن هذا الموقف اعتقالاً.. علي الشهابيابتلعه الغول منذ أيلول (2012) وحتى الآن، ولا ندري إن كان شهيداً ميتاً أمْ شهيداً حيّاً، لا ندري هل سيرى زوجته وطفليه، أخواته، منزله في مخيم اليرموك؟ هل سيرى حرية سوريا التي اعتبرها الأم لحرية فلسطين، وهو الذي طالما اعتبر سوريّته شرطاً لفلسطينيّته ومدخلاً إلى مفهومه عن المواطن الحرِّ؟.

نت12

برومو الشهيد ناجي الجرف