ملف

علي الشهابي .. صاحب مشروعٍ سياسيّ

خالد أبو عيسى

اعتُقل الناشط السياسيُّ الفلسطينيُّ السوريُّ علي سعيد الشهابي، في أواسط شهر ديسمبر/ كانون الأول من عام 2012، عند حاجز شبّيحة شارع نسرين التابع للمخابرات السوريا، في منطقة مساكن الزاهرة شمال مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، ولا يزال مصيره مجهولاً منذ ذلك الحين، وتمرُّ في هذه الأيام الذكرى السنويّة الثالثة على اعتقاله الذي ترافق مع خروج أهالي المخيم منه، حين قامت قوات النظام السوريِّ بقصفه بطائرات الميغ الحربيّة، وارتكبت المجازر البشعة بحقِّ المدنيين فيه، بحجّة وجود مسلّحين من المعارضة السوريّة داخله.
لقد شكّل دخولُ المخيم في حلبة الصراع الدائر في سوريا نقطةَ انعطافٍ أساسيّةٍ في تاريخ الثورة السوريّة، يبدو أنها كانت مغيّبةً لدى المعارضة السوريّة آنذاك،لكنّها كانت موضوعَ نقاشٍ أساسيٍّ أثاره النشطاء السياسيّون الفلسطينيون أثناء الحرب التي راح النظام السوريُّ يشنّها على شعبه لقمع ثورتهم المجيدة، وهي تتعلّق بموضوع حياد المخيم عن قضية الصراع الدائر بين النظام والشعب السوريّ، ولكن لم تكن هذه القضيّةُ وليدة اللحظة الراهنة، بل إن جذورها تعود إلى مرحلة السبعينيّات،حين كان النظام السوريُّ يدّعي أنه يقاوم العدوَّ الصهيونيَّ وأنه يرفع شعار تحرير فلسطين كما هي باقي الأنظمة السياسيّة العربيّة القوميّة. طرحت في تلك المرحلة على أجندة القوى السياسيّة المتصدّرة للصراع العربيِّ الإسرائيليِّ مشاريع سلامٍ مع إسرائيل «النقاط العشرة»، ادّعى النظام السوريُّ رفضه لها، وقام أثناء ذلك باعتقال مجموعةٍ من النشطاء السياسيّين، ومن بينهم الناشط علي الشهابي، لأنهم رفعوا شعاراتٍ ترفض تلك المشاريع السلميّة، واعتبروها استسلاميّةً، وكان ذلك خلال مسيرة شهداء معالوت أواخر عام 1974، وقام النظام السوريُّ باعتقال عليٍّ ومجموعة النشطاء، مؤكّداً بذلك زيف ادّعاءاته عن المقاومة والممانعة، وأن الورقة الفلسطينيّة ليست إلا وسيلةً يستخدمها النظام السوريُّ لتثبيت دعائم حكمه الدكتاتوريِّ على رقاب الشعب السوريِّ.
اعتقل علي الشهابي عام 1975، وبقي في سجن المزة لمدّة عامٍ كاملٍ، وخرج بعد ذلك ليعملَ على تأسيس مشروعه السياسيّ المتعلّق بجدليّة العلاقة الفلسطينيّة السوريّة في سوريا تحت حكم نظام الأسد الممانع، راح عليٌّ بذلك يبيّن أن طبيعة هذا النظام الدكتاتوريّة لا تؤهّله على خوض صراعٍ حاسمٍ مع العدوِّ الصهيونيّ، لأنه يستفيد من إدامة وإطالة هذا الصراع من أجل تثبيت دعائم حكمه لسوريا.
عمل مشروع عليّ في أواخر السبعينيّات على إثارة حوارٍ مطوّلٍ بين النشطاء السياسيّين الفلسطينيّين والسوريّين على اختلاف انتماءاتهم السياسية، هو أنه لا بدَّ من اعتبار الفلسطينيّين السوريّين في سوريا مواطنين سوريين، وأنه يجب أن يتواءم نضالهم الوطنيُّ مع النضال الاجتماعيّ السوريّ، وبالتالي فهم معنيّون بقضيّةالمعارضة السياسيّة للنظام كباقي فئات الشعب السوريّ، وضرورةالانخراط بأيِّة ثورةٍ يكون هدفها إقامة الديموقراطيّة على الوطن السوريّ، وإن هذا لا يلغي الخصوصيّة الوطنيّة الفلسطينيّة كما كان يدّعي بعضهم، بل هو يقوّيها و يدعمها.
عمل علي الشهابي في تلك المرحلة على إثبات مشروعه السياسيِّ في تأكيد أن الفلسطينيَّ والسوريَّ واحدٌ. وأن على الفلسطينيّين السوريّين أنيناضلوا ضدّ العدوِّ الصهيونيِّ من خلال تواجدهم في صفوف المعارضة السوريّة، وبناءً عليه لم ينتمِ عليٌّ إلى أيِّ فصيلٍ فلسطينيٍّ من فصائل منظمة التحرير الفلسطينيّة صاحبة برنامج النضال الوطنيّ الفلسطينيّ، بل انضمَّ في عام 1981 إلى صفوف حزب العمل الشيوعيّ السوريّ المعارض للنظام الدكتاتوريّ، وكان يعمل على إسقاطه منذ تأسيسه في ذلك الحين، واعتبر الشهابي أن مشروع النضال الوطنيّ الفلسطينيّ هو مشروعٌ ديمقراطيٌّ في سوريا خصوصاً والمنطقة عموماً، بسبب أن النظام الطاغي في سوريا يعمل على إعاقة تحرير فلسطين، ويستخدمها ورقةً يلعب عليها في قمع شعبه. أكد عليٌّ في حواراته داخل الحزب على ضرورة إثبات ذلك في أدبيّات الحزب، وفي برنامجه السياسيِّ، وراح يناضل بين صفوف حزب العمل ليؤكّدَ أنه لا يمكن الفصل بين الفلسطينيِّ والسوريِّ، وأن تأسيس المشروع الديموقراطيّ في سوريا هو نقطة ارتكازٍ أساسيّةٍ لا بدَّ منها للعمل على استعادة الأراضي الفلسطينيّة والسوريّة المحتلة.
اعتقل عليّ في عام 1982 من قبل الأمن السوريّ بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعيّ، ولم يرَ مشروعُه السياسيُّ النورَ، وبقي في السجن قرابة 10 سنواتٍ، خرج بعدها من المعتقل عام 1992، وتابع بعنادٍ، لا يعرفُ الانكسار، مشروعه الذي بدأه في أواخر السبعينيّات، وعمل على تطويره و أصدر كتاباً حول ذلك في عام 2005 عنوانه «سوريا إلى أين؟»، صاغ فيه أفكاراً أصبحت شعاراتٍ رفعها المتظاهرون السوريّون والفلسطينيّون في المظاهرات أثناء الحراك السلميّ في الثورة السوريّة. يمكن تلخيص تلك الأفكار بأنها تركزت حول: أن تكون سوريا للجميع، والدعوة إلى بناء سوريا على أسس الديمقراطيّة العلمانيّة التي تحمي الحريات العامّة والخاصّة للمواطنين السوريّين باختلاف كلِّ انتماءاتهم الدينيّة والقوميّة والعرقيّة، ورفض التعصب والطائفيّة، ولهذا لايزال الشهابي مغيّباً في سجون النظام،مجهول المصير إلى الآن بعد 3 سنواتٍ من اعتقاله.

نت13

برومو الشهيد ناجي الجرف