ملف

حين أكتب عن علي، عن روح لا تُهزم

راتب شعبو

حين أكتب عن علي، أراني أكتب عن آلاف السوريين الذين قادهم أملهم وحلمهم وجرأتهم إلى أسوأ أنواع السجون. السجون الأسديّة التي لا تقتصر وظيفتها على حجز حرية المسجون، بل وعلى قتل روحه ثم قسرها، في حالات تعد بالآلاف، على مغادرة الجسد بأبشع الصور الممكنة. هل هناك درجة أخلاقية أدنى من أن «تتقاوى» أجهزة أمن دولة على مسجون فلا تكتفي بتعذيبه وإهانته بل وتتركه فريسة للموت بالجوع والمرض؟.
في سنوات حياته يحمل عليٌّ شهادةً من لحمٍ ودم على تاريخ الاستبداد الأسديّ للأب والابن. ذاكرةُ السجن الخاصّة بعليّ تمثل بانورما للسجون الأسديّة. تبدأ باكراً من سجن المزة حين كان عليّ في التاسعة عشرة من عمره، وتتالى بعدها إلى الشيخ حسن وعدرا في عهد الأب، إلى أمن الدولة في كفرسوسة، ثم فرع فلسطين، بطل اعتقاله الأخير والذي لم يُعرف بعده عن عليٍّ أيّ شيء كآلاف الشباب السوريين، في عهد الابن.
يشير تكرار اعتقال علي إلى أمرين، الأوّل هو أنّ نظام الأسد لا يتحمل وجود أمثال عليٍّ خارج السجون، والثاني أن عليّاً لا يستطيع السكوت على مثل هذا النظام، أو التأقلم معه. ويمكن القول إنّ مشكلة عليٍّ مع النظام الأسدي ليست سياسيةً فقط، بل وشخصيةً أيضاً. مفهوم أن هذا النمط من الأنظمة لا يستطيع قبول المختلفين سياسياً ويستخدم كل طاقة الدولة القانونية وغير القانونيّة لمسح أيّة معارضة سياسية. ولكن فوق ذلك، لا يستطيع هذا النظام قبول الشخصيّة الحرّة ذات الكرامة، حتى لو كانت مواليةً سياسيّاً. كي يرضى النظام عن شخصٍ يجب أن يكون موالٍ دون تردد، وضعيف الحساسية تجاه كرامته الشخصيّة أيضاً. الكرامة الشخصية خصمٌ من خصوم الأنظمة الشبيهة بالنظام الأسدي. لصاحب السلطة الأعلى أن يتعدى على كرامة من هو أدنى منه، وعلى هذا أن يمرر الإهانة بشكلٍ ما أو أن يُلفظ ويُحاسب بشكلٍ ما. في الداخل يكون «لسيد الوطن» السياسة والكرامة كلها من قبل ومن بعد، وله مع الخارج أن يمارس ما يفرض على أعوانه وشعبه من بخس في السياسة والكرامة.
بين اعتقالات علي المتكررة، ثمّة اعتقالٌ عابرٌ غير سياسي، له دلالة على الطبيعة الشخصية لعلي، والتي تشكّل بحدّ ذاتها خصماً للنظام الأسدي.
في طريق عودته إلى بيته في شارع فلسطين (على الأغلب في 1992، أي بعد فترةٍ وجيزةٍ من الإفراج عنه عقب سجن مديد وصلت مدته إلى أقل من عشر سنواتٍ بقليل)، استوقفت علي دورية شرطة. سأله الشرطي عن اسمه فأجاب: أنا علي الشهابي. فكان من الشرطي الذي من طبيعة وظيفته أنه يتشرب شخصية النظام، كما تتشرب الاسفنجة السائل،أن قال: «إي طز فيك!». لا ينتظر الشرطي من «المواطن» سوى أن يبتلع الإهانة بطريقةٍ ما. أن يسكت مثلاً أو أن يتفادى الرد بضحكةٍ فارغةٍ مبطّنةٍ بالخوف، أو أن يقول للشرطيّ «كما تريد» متلهفاً للحظة الخلاص، أو أن يقول «حاضر حضرة الرقيب أول» كما كانوا يلقنونها لبؤساء سجن تدمر العسكري ..الخ. الشرطيّ الأسديّ يحتاج إلى مواطنٍ أسديّ. غير أن علي لم يكن ذاك «المواطن»، فردّ على الإساءة «بأحسن» منها. يومها لم يصل علي إلى بيته، بل إلى أحد مراكز التوقيف. ويُكمل عليٌّ القصة بالقول إنه عومل باحترامٍ من جانب الموقوفين هناك، وأفسحوا له مكاناً جيداً للجلوس، لأنه كان يرتدي سترةَ جلدٍ جديدة وفخمة، بحسب تفسيره. واستنتج بطريقته الساخرة كالعادة: «جاكيت فخمة أهم من دستة برامج»، لاعباً على قولٍ شائع للينين.
كثيراً ما يكرر عليّ أنه رجل لا يصلح إلا للسياسة. وهو لذلك يبحث في كلِّ شيءٍ يقرؤه عن الجانب العملي. الثقافة بالنسبة له دليل عمل. ولأنّ علي يرى أن كلّ وجهة نظر يترتب عليها سياق عملي ما، وتستدعي السير عملياً باتجاهٍ ما، فإنه لا يفهم النقاش على أنه مجرّد تبادلٍ لوجهات النظر. يصعب عليه ترك ميدان النقاش بلا حسم، فتراه يناقش بحماسٍ وانفعال وكأنه يريد أن يُقحم دماغه في رأسك لترى ما يرى. وبالفعل يميل علي إلى الفعل أكثر من ميله إلى النظر، ولهذا قد يبدو في نشاطه بعض التسرع وربما الانفعالية. مثلاً، حين يرى في الأفق مخاطر حربٍ طائفيةٍ في سوريا، يبحث على الفور عن إجراءاتٍ عمليةٍ ينهض بها لتفادي ذلك. فتحت ضغطٍ ما بدا له خطر تفعيل التمايزات العرقيّة والطائفيّة في سوريا، باشر عليّ بالعمل لتنفيذ فكرته في تشكيل تيار سوريٍّ جامعٍ أسماه «سوريا للجميع». وحرث سوريا شرقاً وغرباً في تنفيذ ما كان يبدو له عاصماً لسوريا من الانزلاق الطائفيّ والعرقيّ. واعتقل لهذا السبب. هذا بابٌ آخر للعلاقة العدائية «العضوية» بينه وبين النظام الأسدي. أن تفكر كما تشاء دون أن تقدم على الفعل، فهذا مما لا يثير كثيراً حساسية المخابرات الأسدية التي تسلّم بقضاء الله وقدره، وإن كان دون رضى، أنها عاجزة عن التحكم بتفكير الفرد، لكنها تعوّض عن ذلك بسعيها الحثيث للتحكم بما يبدر عنه من أفعال.أن تسعى لترجمة تصوراتك إلى فعل، فهذا ما سيضعك مباشرة على المقصلة الأسديّة، وهذا هو حال عليٍّ مع نظام القتل والتمييز.
لا يبدو أن عليّاً يبذل أي جهدٍ حين يمارس كرمه أو شهامته أو مروءته، تبدو هذه الخصال أصيلةً لديه إلى حدِّ أنّها تنبجس من شخصيته كما ينبجس ماء النبع. فهو لا يستطيع أن يكون غير ذلك. وقته وبيته وما يملك مبذولٌ لأصدقائه دون أن يتملكه مع ذلك شعور المُعطي أو المُعين، بل يبدو عليه الخجل حين يشكره صديقٌ على خدمةٍ ما.
يخطر في البال سؤالٌ: ماذا لو خلا المجتمع من أشخاصٍ مثل عليّ؟، ماذا لو كان المجتمع يتألف من أناسٍ يستسلمون لفعل السلطات المستبدّة في تذريرهم، وتطويع كراماتهم، وتكييف وعيهم، وحصرهم في هموم أنانية، وتحويلهم إلى مصفقين وتوابع ومتزلفين لأصحاب السلطة، ومتعادين فيما بينهم، إلى أين يتجه مجتمعٌ كهذا؟، هل إلى الازدهار أم إلى الضمور؟، وحين تكون تقوم سياسة الحزب «القائد للدولة والمجتمع» على استئصال أمثال عليٍّ من المجتمع، هل نستغرب أن نرى مصير هذه الدولة وهذا المجتمع على ما هو عليه اليوم؟.

نت16 نت17

برومو الشهيد ناجي الجرف