ملف

علي الشهابي الحاضر الغائب

زكريا الصقال

لا أحدَ يستطيع تغييبَ من هو حاضرٌ دائماً، فهناك أشخاصٌ لا يغيبون ولا يختفون، لأنّهم أصبحوا ذاكرة المكانِ، ذاكرةَ الأزقّة والحواري. وعلي الشهابي هو من هؤلاء، بل قد يكونُ رمزهم. ورغم المحاولات الكثيرة للطاغية وزبانيته لتغييب عليٍّ، وسرقة أجمل سنوات عمره بين جدران زنازينهم وجدران معتقلاتهم، يبقى عليٌّ البسمةَ والإشراق والتوق لمستقبلٍ أكثر حريةً وعدالة.1
كثيرٌ من الأصدقاء يحبّون تأدية دور الضمير، وهم، في الحقيقة، يصفعون وجوهنا ويجلدون ذاكرتنا. جميلٌ أنت يا أبا بحر ولكنّك قاسٍ، ولا أبالغ إذا قلتُ إنّك بطلبك أو مبادرتك تصفع ذاكرةً ثكلى، ذاكرةً تحمل بقجتها*على ظهرها صليباً، هذه البقجة التي إذا (فلشت) ستتشظّى أسماءً وأمكنةً وزواريبَ وحاراتٍ، كانت حياةً وروحاً وأحلاماً. 1
أمكنةٌ هي براءة الطفولة وحلم المستقبل، ولاسيّما إذا كانت الأمكنة هي (اليرموك)، اليرموك الذي أطلق عليه المخيم، وهو في الحقيقة خيمتنا ومدرستنا ومعبد هواجسنا، به كنّا نتحدّى السماء ونهدّد بتغيير العالم.1
تصادقت مع عليٍّ وأنا يافعٌ، ورسمنا همومنا معاً، وكان معنا شابٌّ وسيمٌ اسمه (حسام أبو عيسى).1
يا إلهي، كيف كبرنا بسرعةٍ قياسيّةٍ وحملنا أكبر القضايا وأنبل القيم على أكتافٍ صغيرةٍ، ورحنا نجوب شوارع المخيّم؟
كم كتبنا على جدران هذا المخيم آمالَ غدنا وأهداف مستقبلنا، وكم كانت جميلةً وهي تتحدّى العسس والمخبرين وعيون الطغاة!.1
ويوم قُرّر أولُ خرقٍ لقضيتنا، واللعب بها
باسم برنامجٍ قدّمه فصيلٌ من اليسار المتخاذل، أو الذي، دائماً، كان يعمل على تبرير الهزائم ويُدعى (الجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين)، حيث تقدّمت ببرنامج
أُطلق عليه (النقاط العشر)، الذي تحوّل إلى البرنامج المرحليِّ فيما بعد.1
يومها (أقمنا الأرض ولم نقعدها)، ولم نكن يومها رفضاً ولا قبولاً، بل كنّا فلسطين كما حلمنا بها وسمعنا عنها في حكايا الأجداد، ولم نسمح لكلِّ الهرطقات بالتزوير والتدجيل، يوم المقبرة وعدم السماح للمهرطقين بتضليل شعبنا*، كان يوماً في الذاكرة الفلسطينيّة، حيث كانت فلسطين هي الضمير وهي البوصلة.1
وكان عليٌّ صوتاً مميّزاً يعزف ألحاناً ويصكُّ
على الأسنان.1
ومن يومها كان القلق والسهر والحراك، سمّه ما شئت، بحثاً عمّا يجمع أحلامنا وهمومنا، وضجَّ الشارع والمخيم بالكثير من الذين يبحثون مثلنا عمّا يجمعهم، ولم يرق للطاغية وجلاديه هذا الحراك، فشنَّ حملات اعتقالٍ طالت الكثيرين، ومن بينهم (عليٌّ وحسام). آنذاك ظهرت في سماء البلد منظمةٌ اسمها (المنظمة الشيوعيّة العربيّة)، وقد أعدم الطاغية خمسة أنجمٍ منهم، وزجَّ البقية في الزنازين لأعوامٍ تجاوزت العشرين عاماً، أغلبهم كان يعيش في المخيم، ومنهم من هو ابن المخيم وأعدم باسمه، مثل (وليد عدوان)، وجهٌ يمتلئ حيويةً وسمرةً فلسطينيّة.1
لم نكن مع هذه المنظمة التي لفتت الأنظار بممارساتها وعنفها، يومها كنّا خليةً، إن
صحَّت التسمية، وذلك لارتباطنا ببعضنا، وقررنا (أنا وعليٌّ وحسام) أنه لابدَّ من النهوض
بمشروعٍ وتشريع نوافذه.
وكان لقاء (دمر)، وحدث أول خلافٍ مع الشباب حول واقعية الطرح ومغامرته، كنّا مازلنا فتيةً، والدماء تغلي في عروقنا. ذ
يومها اختلفنا، وخرجت خارج هذه الخلية
التي راحت تشقُّ الظلام.
مات حسام، فقدنا نجماً كنا نلتفُّ حوله ونحلم معه، وأيضاً اختلفنا أنا وعليّ على التشييع والدفن والمسير، خلافاتٍ لم تفسد تعلّقنا ببعضنا، ولم تقطع حبل ودِّنا وتواصلنا.1
غاب عليٌّ، أضاعني وأضعته، لم تعد رائحتنا تملأ الحواري والزواريب، وابتدأت الرابطة* التي كنت على حوارٍ ولقاءٍ معها.
في شهر آب عام1976، جاء الرفيق (أبو حسين) وسلّمني حزمة المطبوعات التي كنّا نتداولها بمواعيدَ وأمكنةٍ محدّدةٍ، وكانت المهامَّ البرنامجيّة للرابطة والبيان الأول.
استنفرنا مجموعتنا ورحنا نتمعّن بالطرحالجديد للرابطة الذي كان متسرّعاً ومغامراً، لكنّه يحمل روح الإصرار والتحدّي،لم يكن عليٌّ معنا افتقدناه، بعضهم تبسّم وقال لو كان لأصبح رابطةً.
أحدثت مهامُّ الرابطة خللاً في صفوف مجموعاتٍ كثيرةٍ، منها مجموعتنا، وكان يومها أن دخل على الخطِّ برنامجان (اتحاد الشغل)، و(مجموعة اتحاد النضال)* التي تحوّلت لحزب (العمال الشيوعيّ الفلسطيني).
ضمن هذا الخلل ونشاط الرابطة الملحوظ والحوارات المكثّفة، حسمتُ أمري بالرابطة،ولاسيّما بعد الدراسات التي بدأت تتوسّع حول الحركة الشيوعيّة المحليّة، وبناء الأداة الثوريّة.
أين عليّ؟ ما الذي أبعده عنّا وعن هذا السياق؟
ها أنا أسير بخطٍّ سياسيٍّ جديدٍ، واسم عليٍّ يحاصرني لماذا لا يكون؟ أين اختفى؟ مرّت الأيام على هذه الوتيرة، ونحن غارقون بهموم اجتماعات ومهامّ توزيع البيانات والجريدة أو الجرائد حيث كانت تصدر يومها (النداء الشعبي).
حتى شهر آب عام 1981، كنتُ أتوسّع بكثيرٍ من الحلقات والمجموعات، ولا أحد يعرف انضمامي إلى الرابطة، التي عقدت مؤتمرها وتحوّلت إلى «حزب العمل الشيوعي» في سوريا.
حيث أسرَّ أحدهم لي بأن علي الشهابي، هو أحد رفاق حزب العمل. يا إلهي كيفاجتمعنا ثانيةً بإطارٍ واحدٍ؟.
ظهر عليٌّ ثانيةً في اليرموك وتكثّفت لقاءاتُنا ثانيةً، وللأمانة لم نكن مختلفين على الكثير، ونبدو أمام الآخرين منسجمين، إلا أن هناك نقاطاً نختلف عليها. أصبحنا نلتقي كثيراً ونتحاور ويتعمّق انسجامنا، إلا أن الأمن دهمَ عليّاً في المدرسة التي كان يُدرِّس فيها ولم يتمكّن من الفرار، واعتُقِل عليٌّ وأطال الغيبةَ هناك، حيث ظلمةُ الزنازين ووحشيّة الجلّادين.
عدنا ثانيةً لا نلتقي مع عليّ، ولكنه دائم الحضور من زنازينه وكان علي رمزاً وشكّلت والدته، رحمها الله، نموذجاً بمواجهة جلّاديه، وجمع النسوة والاعتصام أمام الأمنللمطالبة بالمعتقلين، واشتدّت الحملات، تعقبتنا ذئابهم وأقضّت مضاجعنا، أصبحنا عيون الليل والأماكن المظلمة. طوردتُ واعتقل أخي، وقرّر الحزب أن أتابع (منظمة لبنان) وهكذا لم نعد نلتقي عليّاً، إلا أنه دائم الحضور، فكلُّ المتخفّينيلهجون باسمه وذكريات حركته.
ضاقت الأرض عليَّ، حتى استقريت في ألمانيا إثر مطاردةٍ طويلةٍ وعنيفةٍ وضرباتٍ موجعةٍ للحزب.
ومضت الأيام والسنون، والرفاق يغيّبهم الجلاد والمعتقل، إلى أن خرج عليٌّ بأواسط التسعينيّات، وراح ينتظر الرفاق ويقرأ الطريق من جديد، شحذ همّته وهو الذكي، وترجم الثورة الإسبانيّة، وكانت ترجمةً جميلةً، وأصبح يعدُّ لنضالٍ جديدٍ، عنوانه السلميّة والإصلاح والتغيير، وبصعود التجربة
التركية، بذل جلَّ همه كي تكون نموذجاً، لتجميع القوى وتشكل جبهة تغيير، وتقدّم عليٌّ إلى الواقع بمخطوطاتٍ ودراساتٍ، وكان جريئاً، وطالب أن يحاضر في مكتبة الأسد حيث تجمّعُ المثقفين، لم يرق للأمن هذا النشاط فاعتقله ثانيةً ليمكث أعواماً في السجن ويخرج ثانيةً. وأنا أرصد روحه ونشاطه وحيويته، لم يتقاعس عليّ ولا لمرةٍ واحدة، كان يدرك أهميّة الحرية وتقدّم المجتمع وتغيير آليّة الدولة الشموليّة كي يعمَّ القانون والدستور والعدالة.

كان حيويّاً، مفعماً بحبِّ الآخر، يجمع الأصدقاء ويحفّزهم بروح المثابرة والنضال، لأن سوريا تستحقُّ نظاماً أكثر حريةً وعدالة، إلى أن تفجّرتِ الثورة وراح يخطّط كيف يحمي المخيم، وكيف يساعد مهجّري المدينة، وكان صوته جريئاً وحادّاً مطالباً بحماية المدنيّين، كما طالب الأمن بتحييدهم وحمايتهم ورسم حدود مواجهته مع المتظاهرين، انتزعه الأمن
والجلادون لأنهم يستشعرون خطورته، وغاب عليّ ثانية، غاب عليّ في مرحلةٍ صعبةٍ وبشعة وظروفٍ لا إنسانيّة، إلا أن محبّيه وأصدقاءه يستحضرونه يومياًويشعرون أنه سيشرق ثانيةً.
. أبا السعيد الغالي كم نشتاق إليك وننتظرك!

نت18 نت19

برومو الشهيد ناجي الجرف