ملف

عن الصديق عليّ الشهابي

طارق عزيزة

قبل نحو عشرِ سنواتٍ (ربما في العام2005)، دعاني أحدُأصدقائي المقرّبين لمرافقته إلى مخيم فلسطين، في زيارة صديقٍ له يقيم هناك، ويودُّ أن نتعارف. كنت ما أزالُ طالباً في الجامعة، ومنضوياً في صفوف تنظيمٍ سياسيٍّ من أحزاب المعارضة السوريّة المحظورة الشهيرة (الحزب الشيوعيّ – المكتب السياسيّ، ولاحقاً حزب الشعب الديمقراطيّ السوريّ). كانت «السياسة» وأجواؤها وكلُّ ما يتعلّق بها تتفوّق على أيٍّ من اهتماماتي الأخرى، فكان كافياً قول صديقي لي إنّ الشخص الذي سنزوره هو كاتبٌ معارضٌ ومعتقلٌ سياسيٌّ سابق، لكي أقبل دعوته بكلِّ حماس. كانت تلك أول مرّةٍ ألتقي علي الشهابي.
منذ لقائي الأول به، في سهرةٍ امتدّت حتى ساعات الصباح الباكر، أُعجبت بشخصيته الفريدة، وسعة ثقافته وغناها، كما بدماثته وروح المرح التي لم تفارقه حتى في أحلك الظروف وأقساها، بما في ذلك فقدان الأبناء. أذكر أنّ أكثر ما لفتني فيه منذ البداية، تواضعه البالغ واهتمامه الشديد بالاستماع لآراء من يلتقيهم، ولاسيّما من الشباب، دون أيِّ نزعة «أستذة» أو تعالٍ و»تنظير» أو سواها من عدّة البحث عن الزعامة واستقطاب المريدين والأتباع، على خلاف كثيرين من مجايليه، من المعتقلين السياسيين أو الكتّاب والمثقفين المعارضين، الذين عرفت بعضهم عن كثب ولمست فيهم تلك «الخصال» في الفترة نفسها تقريباً، سواء في أوساط «الرفاق» خلال تجربتي الحزبيّة القصيرة، أو من الأصدقاء في تنظيماتٍ أخرى. كثيرون منهم خَدمتهم «القضية» وأصبحوابفضلها «نجوماً» ومشاهيرَ، في الوقت الذي كان يعمل فيه عليٌّ وآخرون من أمثاله الشرفاء بدأبٍ وصبرٍ بعيداً عن الأضواء، في خدمة قضية التغيير الديمقراطيِّ في سوريا.
سرعان ما توطّدت علاقتي مع الرجل، على أرضيّةٍ صلبةٍ من الاهتمامات المشتركة والتواصل الإنسانيّ الودود والصادق، فتواترت لقاءاتنا في دمشق، وكذلك خلال زياراته العديدة إلى مدينتي «اللاذقيّة». على أنّ ذلك لا يعني عدم وجود خلافاتٍفي الرأي حول عددٍ من المواضيع، منها بعض الطروحات التي صدرت في ورقة العمل الشهيرة التي طرحها للحواربعنوان «سوريا إلى أين؟»، وتضمّنها كتابٌ حمل العنوان نفسه. لكنّها كانت نقاشاتٍ بنّاءةً مفيدة، زادت من الاحترام المتبادل بيننا، وكثيراً ما انتهت إلى توافقاتٍ في الآراء، بفضل ما يتميّز به عليٌّ من صبرٍ على الجدل، ومرونةٍ في النقاش والانفتاح على الاختلاف. وكثيراً ما حرّضت لديالنقاشات مع عليٍّأسئلةً جديدة، ودفعتني إلى المزيد من القراءة والاطلاع على حقولٍ معرفيّةٍ لم أكن أوليها ما تستحقُّ من اهتمام.
تحضرني أيضاً إحدى نقاط الخلاف الأساسيّة وقتها بيني وبينه، والتي كشفت لي التجربة الشخصيّة والعامّة فيما بعد أنّه كان على حقٍّ فيها وأنني كنت مخطئاً، وهي مسألةٌحملت شيئاً من المفارقة.فقد كان علي الشهابي يعبّر صراحةً عن موقفه النقديِّ من أشكال وطرائق العمل السياسيّ السائد في أحزاب ما يمكن تسميته اليوم «المعارضة التقليديّة» التي يُفترض أنّه ينحدر
منها، ودفع سنواتٍ طوالاً من عمره بسبب انتمائه لأحد أحزابها (حزب العمل الشيوعيّ)، في مقابل دفاعي المستميت (وأنا الشابُّ المتحمّس حينها) عن هذه التنظيمات الشائخة، إذ كنتُ حزبيّاً ملتزماً جدّاً.
غير أنّ علي الشهابي لم يكن مكتفياً بنقد أداء المعارضة التقليديّة فقط، وإنما سعى لاقتراح بدائلَ وتصوّراتٍ جديدةٍ للعمل السياسيّ، والانخراط في الشأن العامّ بأساليبَ تتجاوز الأطر الحزبية القديمة. وقد حاول ترجمة أفكاره في هذا المجال بشكلٍ عمليٍّ، من خلال التيار الذي عمل على تأسيسه مع عددٍ من الأصدقاء والمهتمّين، من مشاربَ أيديولوجيّةٍ مختلفةٍ وخلفيّاتٍ سياسيّةٍ عدّة، تحت اسم (تيار سوريا للجميع). ولعلّ التزامي الحزبيَّ المفرط آنذاك كان السببَ الوحيد في عدم انتسابي إلى التيار رغم إعجابي بطروحاته، ومشاركتي من موقع الصديق في العديد من الجلسات التحضيريّة ومناقشة أوراقه. وأذكر أنّ أحد «الرفاق» من زملائي في الجامعة أُعجب بفكرة التيار وعبّر عن رغبته بالمشاركة فيه، فلم أعترض على ذلك على الرغم من كوني (مسؤوله الحزبيّ) المباشر، وكلُّ ما فعلته أنني طلبت منه الاستقالة من الحزب منعاً للوقوع في «ازدواجية تنظيمية»!.1
محاولة عليٍّ تلك كانت إحدى «التهم» التي وجهها القضاء له، في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2006، «المشاركة في تأسيس حزب أو جمعية مناهضة للدولة وغير مرخصة»، وذلك بعد شهرين من اعتقاله إثر مراجعة أحد الأفرع الأمنيّة في دمشق، ليكون الثالث له، حيث سبق أن اعتُقل سنة 1975 لنحو عام، ثم اعتقل ثانيةً في 1982 وبقي في السجن حتى عام 1991. واليوم نقترب من الذكرى السنوية الثالثة لاعتقاله الرابع، المستمرِّمنذ كانون الأول (ديسمبر) 2012 مع انطلاقة الثورة السوريّة في آذار 2011، لم يوفّر علي الشهابي جهداً في دعمها على المستويات كلّها، ولم تتغيّر يوماً وجهة بوصلته الديمقراطيّة العلمانيّة. فحتى بعد
أن غدت ظاهرة العسكرة أمراً واقعاً، بقي علي الشهابي أميناً لقيم الثورة الأولى وأولوية النضال الشعبيّ السلميّ، مواصلاً دعواته إلى «التفكير بالوسائل التي يمكن استخدامها عملياً لتفعيل هذه السلمية، على الرغم من السيل الجارف نحو الحرب الأهلية»، مؤكّداً على ضرورة «التفكير بتصوّراتٍ لما يمكننا عمله، إن اندلعت شرارة الحرب الأهلية، أو شارفت، لتوسيع آفاقنا في ما يخصُّ ما ينبغي علينا العمل به للجم تحوّلها طائفياً» (علي الشهابي: «الحرب الأهلية القادمة في سوريا»، مجلة الخط الأمامي، العدد الرابع، نيسان 2012، ص5).
في المقابل، شهدت الثورة كيف تزاحم «يساريّون» و«ديمقراطيّون» كثر للنفخ في أبواق العنف والطائفيّة، يمجّدون العسكرة، ويدافعون عن طائفيّيها الذين حملهم السلاح ليركبوا على الثورة. واليوم، لا يسعني سوى الأمل بالحرية للصديق النبيل علي الشهابي من سجون الاستبداد الأسديِّ البغيض، وتمنّي الحرية أيضاً للثورة، التي آمن بها، من أسر مستبدّيها الجدد.

نت21

برومو الشهيد ناجي الجرف